الكتابة الحرّة و ترف الرّقميات – حسين عبروس

……….
كلّما داهمتني جيوش الكتابة، وجدتني أغرق في دوّامة من الأفكار تتزاحم عند بوابة الرّوح، بعضها يتجلّى في نتفٍ من ثلج الكلمات التي تختزل أعمق المعاني، فتذوب لتُمطر قصائد من تبرٍ أو من ماس النّبض، وبعضها الآخر يثور كبركان من الأسئلة، يبحث عن فضاء لا تحدّه
قيود ولا تُصادره الشاشات، تلك هي رحلة الإبداع رحلة الوجد الصافي التي لا يعرف لذّتها إلا من سار في ممرّاتها متأمّلاً همسات البوح فيها، ومرتجفاً أمام طهارة المعنى حين يخرج من
رحم الصدق والحرية،فالكتابة الحرّة ليست ترفاً فكرياً، ولا نزوة عابرة يطلقها الكاتب بين لحظة وأخرى، بل هي موقف إنساني وفلسفة وجود، تُعبّر عن رفض التّبعية، ومقاومة التّماثل، والبحث عن الذات وسط ضجيج العالم. إنّها فعلُ تحريرٍ مستمرّ من رقّ الكلمات المستوردة، ومن هيمنة الأفكار الجاهزة التي غزت عقولنا عبر الوسائط الرّقمية، حتى كادت تصادر حقّنا
في أن نفكّر كما نشاء ،ونكتب كما نشاء. في زمن الرّقميات، لقدأصبح الفكر مهدّداً بالذوبان في زبد الشّاشات. تتكاثر النّصوص كما تتكاثر النّسخ، ويتشابه الكتّاب كما تتشابه الصّور المصمّمة بذكاء اصطناعيٍّ مفرغٍ من الوجدان. غير أنّ الكاتب الحقيقي، الذي يُؤمن بالكتابة الحرّة، يظلّ قادراً على إشعال شرارة المعنى في ظلام الزّيف، لأنّه يكتب من عمق قلبه لامن خوارزمياتٍ تحفظ القوالب وتنسى الأرواح.
الكتابة الحرّة لا تُباع في أسواق الجوائز، ولا تُقاس بعدد الإعجابات أو المشاهدات، بل تُقاس بقدرتها على إيقاظ إنسانٍ كان نائماً فينا، وبقوتها على زلزلة القبح، وإحياء الجمال المندثر.
– إنّ القول الحرّ يزعجُ الجهلةَ، ويقلقُ المتسلّطين، ويفضحُ النّوايا البغيضة التي تخشى ضوء الحقيقة. لذلك، تظلّ الكتابة الحرّة فعلاً مقاوماً، لا ضدّ نظامٍ سياسي فحسب، بل ضدّ كل نظامٍ يُحاول تدجين الفكر وتحويل الإنسان إلى تابعٍ في سوق الاستهلاك.
وما من قلمٍ حرّ إلا وذُبحَ مرةً على عتبة الصّدق، لأنّ الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي،
وبالإصرار على قول الحقيقة في وجه من يزيفونها. في زمن تتناسل فيه المنصّات، وتتقلّص المسافات، تظلّ الكتابة الحرّة مساحة نجاة من الغرق في طوفان المكرّرات. إنّها تذكيرٌ بأنّ اللغة ليست زينة للعرض، بل وعاء للوعي، وبأنّ الكلمة الحرة لا تموت، وإن حوربت. هي تبقى في وجدان الناس، وفي ذاكرة التاريخ، وفي صمت الذين آمنوا بها ,وأدمنوها حي الأعماق.
– ليس الكاتب الحرّ من يكتب ليُرضي جمهوراً أو سلطة، بل من يكتب ليُحرّر ذاته من زيف اللحظة، وليمنح القارئ طريقاً يرى فيه وجهه الحقيقي.
إنّ القلم الحرّ لا يُطيع إلا ضميره، ولا يمدح إلا من يستحقّ أن يُخلّد في ضوء الإنسانية، وفي مقدّمة هؤلاء سيّد البشرية، محمد ﷺ، الذي يسمو فوق كل مدح وثناء، وتُكتب سيرته بحبر
القلب قبل حبر القلم.،وهكذا تبقى الكتابة الحرة فعل بوحٍ نبيل، ومقاومة صامتة في وجه التزييف، وجسر تواصل بين الكاتب والإنسان، بين الماضي والمستقبل، بين الحقيقة وما يُراد
لها أن تُطمس. هي النبض الذي يربطنا بما تبقّى من إنسانيتنا في زمن الرقميات، والصرخة التي تذكّرنا أن الحرّية ليست شعاراً، بل جوهر كل كتابة أصيلة.
دمتم أحبّة البوح الحرّ،والكتابة الحرّة حراس الكلمة الصادقة، وأنقياء المعنى في زمنٍ تتشابه فيه الوجوه وتختنق الأصوات.





