قراء ة موجزة في رواية “المحروسة لا تشبه غرناطة” لبلقاسم مغزوشن

حسين عبروس
كتابة الرواية من أعماق وسواحل التاريخ تقودك حتما إلى عالم مليئ الدهشة يحتاج الكثير من الجهد من أجل احتواء محطات التاريخ ،وترويضها من شرود التوثيق ومن عوالم الشخوص التي تصنع الأحداث في الحقيقة لتتحوّل فجأة إلى كائنات افترضية تمنح القارئ فرصة الغوص في تجربة الكتابة الفنّية التي تعطي للجانب السردي مساحة التوقف تارة والتحرك تارة ثانية على أرضيتين متباعدتين في الزمن وفي المكان ومتقاربتين في المخيال
وفي روايته “المحروسة لا تشبه غرناطة”، يكتب بلقاسم مغزوشن سيرة المكان عبر شقوق التاريخ، ويُحيي ذاكرة القصبة العتيقة في مواجهة سقوط غرناطة، حيث لا تُروى الحكاية من أجل البكاء على الأطلال، بل لتأسيس وعي جديد، مقاوم، نابض بالحياة.
فالرواية ليست مجرد سرد لحكاية ماضٍ مضى، بل هي رحلة تخييلية تنطلق من جسد القصبة عاصمة الرّوح الجزائرية لتعيد تركيب تفاصيل التاريخ، وتمتلئ بالمدافع لا بالدموع، وبالدهشة لا بالمواجع. هنا يتداخل الخيال مع الوثيقة، ويذوب الواقع في رحيق الأسطورة، لتتحوّل الرّواية إلى مرآة مزدوجة، تعكس وجهين لمدينة وسقوطين لحضارتين غرناطة في غرب الأندلس، والقصبة في شرق المتوسط.،وبين القصبة وغرناطة… مفاتيح التاريخ
تستحضر الرواية غرناطة لا بوصفها مكانًا فقط، بل رمزًا لسقوط حضاري، لنهاية حلم ثقافي. أمّا “المحروسة” الإسم التاريخي للقصبة فهي الجدار الأخير، الحارس الأمين لذاكرة شعب قاوم النّسيان قبل أن يقاوم الاستعمار. وبين “مفاتيح القصبة” و”سقوط غرناطة”، يفتّش الكاتب عن مواطن الإلتقاء والافتراق، عن الأسئلة المتروكة في الهامش، وعن تاريخ كتبه المنتصرون، وآن للمهزوم أن يعيد روايته.
إنّ المحروسة هنا في تفاصيل هذا السرد، لا تشبه غرناطة لأنّها لم تُسلَّم مفاتيحها، ولم تركع على أبواب الملوك، بل قاومت بالسلاح والهوية، بالمدافع والقصائد، وبالأمهات اللّواتي تعرفن كيف تحوّلن الحزن إلى زغرودة أبدية للفرح.
يحاول الكاتب بلقاسم مغزوشن أن يستند على السرد من أجل خدمة الذاكرة بلغةٍ مشبعة بالتاريخ، ومرهفة بالإنفعال، وهو ينسج فصول روايته،كأنّها قطع من فسيفساء في فضاء القصبة نفسها، فكلّ حجر فيها له روح، وكل زاوية تحتفظ بسر،إنّ الكاتب لا يبحث عن توثيق
الأحداث، بل عن بعث الرّوح فيها. ويعيد الحياة إلى “تفاصيل جامدة” رغم ما تشتمل من حملات اسبانية على الجزائر،وعلى تلك الفئة البشرية من سكان كما وصفها القارئ الوجداني، ويملأ الفراغات بين سطور التاريخ بصوت الضحية، بصوت من سكان غرناطة الفارين من بطش جنود الإحتلال ،فالرواية تمارس فعل المقاومة ضد النسيان، وتمنح المكان قلمه ليكتب ذاته، لا كما أراده المؤرخ المستعمر، بل كما عاشه السكان، وكما اختبأ في الأزقة الضيقة، وكما نبت على الجدران المتعبة،وما بين الواقع و”الخيال تبرز أسماء تلك الجنرلات والجند الحقيقية،وتلك الأسماء الإفتراضية التي هي من صنع الخيال،ما يميز الرواية أنّها تتحرك تتحرك بخفّة بين مستويين: مستوى الوقائع التاريخية التي يعرفها يعرفها الجميع،
ومستوى التخييل الذي يمنحها حياة جديدة. فلا القصبة تبقى مجرد موقع أثري، ولا غرناطة مجرد ذكرى اندثار. بل تصبح المدينتان كائنين نابضين بالحضور، يتحدثان، يحلمان، يسقطان ويقومان من جديد.
يحوّل الكاتب التاريخ من موضوعٍ ثابت إلى مشروع إبداعي مفتوح، يطرح أسئلة معاصرة حول الهوية، الذاكرة، والارتباط بالمكان. ويضع القارئ أمام مفارقة كبرى: هل نحن اليوم نعيش لحظة غرناطية جديدة؟ أم أن القصبة لا تزال تقاوم؟”القصبة تصنع دهشتنا”
هكذا يُفتتح النّص القرائي، وهكذا تُختم الرواية: بدهشة لا تموت. فالدهشة هنا ليست رومانسية، بل موقف وجودي من العالم، من المدينة، من الذات الجمعية التي قاومت كي تبقى. ليست القصبة متحفًا، بل كائنًا حيًّا، يذكّرنا أن المدن لا تسقط إلا حين تُنسى.
وختاما رواية “المحروسة لا تشبه غرناطة” ليست درسًا في التاريخ، بل درس في الوفاء للذاكرة. بلقاسم مغزوشن لا يكتب عن ماضٍ مضى، بل عن حاضر يتشكل من تلك الشقوق القديمة، عن شعب ما زال يفتّش في الأزقة عن صوته، وعن مدينته التي لا تشبه إلا ذاتها.
هي رواية تُقرأ بالعين، وتُسمع بالقلب. رائعة رحلتك التاريخية في طابعها الروائي الجميل لقد حركت انفاس التاريخ وتفاصيله الجامدة وملأت تلك الفراغات التاريخية على منحدرات من الواقع والخيال.في رحاب القصبة تلك المدينة التي تصنع دهشتنا.. المحروسة لا تشبه غرناطة وبين سقوط غرناطة وبين مفاتيح القصبة تلك يا صديقي حكاية بل مدافع وبلا مواجع هي مواقع من نبض السقوط.. .رائعة رحلتك التاريخية في طابعها الروائي الجميل لقد حركت انفاس التاريخ وتفاصيله الجامدة وملأت تلك الفراغات التاريخية على منحدرات من الواقع والخيال.في رحاب القصبة تلك المدينة التي تصنع دهشتنا.. المحروسة لا تشبه غرناطة وبين سقوط غرناطة وبين مفاتيح القصبة تلك يا صديقي حكاية بل مدافع وبلا مواجع هي مواقع من نبض السقوط..





