مقالات نقدية

قراءة موجزة في تجربة عبد الحميد شكيل:    الشاعر الذي شكّل الماء قصيدة- حسين عبروس

رجل يرتدي بدلة سوداء وقميص أبيض، يقف خلف منصة يتلو نصًا أدبيًا، أمام شاشة تحمل العلم الجزائري.

– في الشعر الجزائري الحديث، ثمة أصوات عبرت النّص لتصير رؤيا، وشعراء لم يكتفوا بأنّ يكتبوا القصيدة بل جعلوا منها كينونة تتنفس، ولغة تتأمل وجودها.

من بين هؤلاء يتفرّد عبد الحميد شكيل، الشاعر الذي بنى عالمه على ماءٍ لا يجري في الأنهار فقط، بل في الكلمات، وعلى رمزيةٍ صافيةٍ تمزج بين الغموض والإشراق.

هو شاعر يكتب بوعيٍ روحيٍّ عميق وغموض يتجاوز حدود الفهم عند القارئ العادي، يمزج في قصيدته النثرية بين التّجربة الإنسانية والفلسفةاليومية، وبين العزف الداخلي والاحتجاج الصامت على العالم في زمن تداخت فيه الأشياء والأشكال والمواقف .

-عبدالحميد شكيل، شاعر وكاتب جزائري ولد سنة 1950م، بأولاد عطية القل ولاية سكيكدة . بدأ تعليمه بعد الاستقلال في الكتاب ثم انتقل إلى مدينة قسنطينة فتعلم أولاً في المدارس الليلية قبل أن يدخل مدرسة الكتانية وذلك في العام الدراسي (1965-1966م)، وبعد أن تحصل على الشهادة الابتدائية التحق بالمعهد الإسلامي وبقي فيه خمس سنوات إلى أن تخرج منه متحصلاً على الشهادة الأهلية وذلك عام 1970م، انتقل في 1970م إلى مدينة عنابة حيث انتسب إلى المعهد التكنولوجي للتربية، والتحق بعد ذلك ومنذ سبتمبر 1971م بسلك التربية والتعليم بمدرسة هيبون للبنات. انتدب في بداية التسعينات للعمل في مديرية التربية لولاية عنابة مكلفا بالصحافة والإعلام.أحيل على التقاعد سنة 2006 مازال يواصل الكتابة والإبداع – أنجزت حول مدونته الشعرية العديد من الكتب النّقدية و الرّسائل الجامعية.. له عدّة أعمال منشورة في الجرائد الوطنية والعربية. ومن أبرز مجموعاته الشعرية:

– تحولات فاجعة الماء- تجليات مطر الماء- مرايا الماء- مراثي الماء- مراتب العشق

– تحولات الهدهد- عرّج على منازل الأشجار.

يقول شكيل في قصيدته “شعاب الكلام”:

– الذي يجعل الماء كظيما، والسماء شحيحة بالمطر..؟!

– ما الذي غيّر لون البحيرة، وأضفى ظل الغبار على منعرجات الطريق؟!

– هذه الأسئلة ليست مجرّد صورٍ بل هي احتجاجٌ رمزيٌّ على عطب العالم، على مدنٍ فقدت ملامحها، وإنسانٍ نسي صوته الأول.

هكذا تتحول القصيدة لديه إلى كائنٍ حيٍّ يطرح الأسئلة بدل الإجابات، كأنها حوار بين الأرض والروح، بين الجرح والأمل.

لغته مشحونة بالتوتر الجمالي، مشعة بالصور التي تُضيء ولا تُفسّر، وتجعل القارئ يشارك في اكتشاف المعنى كما يشارك الحالم في حلمه.

الماء.. جوهر الوجود الشّعري.

– من يقرأ دواوينه: “تحولات فاجعة الماء”جليات مطر الماء”مرايا الماء”مراثي الماء، “مراتب العشق”، يدرك أن الماء هو **مفردة الوجود الكبرى في تجربته.

فالماء في شعره ليس عنصراً طبيعياً، بل كائنٌ لغويٌّ يحمل رمزية الخلق والانبعاث والصفاء والانكسار في آنٍ واحد.

يقول في أحد نصوصه:

– ما الذي أخرج البحر من البحر وصبّه في عيون هذي الصبيّة؟!

– ما الذي قتل الطير المحلق في فضاءات المدينة؟!

في هذا الامتزاج بين الماء والإنسان والمدينة تتجلى فلسفة شكيل الجمالية:

أن الشعر هو ماء الحياة الذي يطهّر اللغة من جفافها، ويعيد للوجود نداوته الأولى.

تحوّلات الهدهد.. الشعر كرحلةٍ في المعنى

– في قصيد “تحولات الهدهد»”، يبلغ عبد الحميد شكيل ذروة نضجه الفني، فيستدعي الهدهد وبلقيس وسليمان لا بوصفهم رموزًا تراثية، بل كعناصر في رحلةٍ معرفيةٍ كونية:

– غيّرتُ طريق الموج ليصير قبعة على زبد القصب،

– ويكون آخر وردٍ وسيد المتاريس في شارع “روما”…

– لوّحتُ لبلقيس بأسباب الخطاب، وانتمت لسورةٍ في “وادي النمل”…

– هنا تتماهى الأسطورة بالواقع، ويتحوّل الشعر إلى تأمل في الوجود والمصير.

إنه نصٌّ يتجاوز الجغرافيا والتاريخ ليؤسس لقصيدةٍ تجمع بين الرؤيا والتصوف والمعرفة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان واللغة والسماء.

– الرمزية بين الغموض والشّفافية:

– عبد الحميد شكيل شاعر يكتب من داخل النًص لا من سّطحه، ومن حالة التّأمل لا من وصف

– سرد الحكاية قصيدته ليست سهلة، لكنّها مضيئة لمن يملك مفاتيحها؛ فهي تشبه البحرحين

تراه ساكنًا من بعيد، لكنّ في أعماقه تياراتٌ وأمواج رهيبة من المعنى ،تغلب على لغته الإشارات والصّور المركّبة، لكنّها شفافة كالضوء حين يُرى من خلال الماء.

هو لايصف الأشياء بل يستبطن أرواحها، يجرّدها من شكلها المألوف ليعيدها إلى معناها الأول.

– رؤية نقدية في التّجربة:

– يُجمع  بعض النّقاد على أنّ عبد الحميد شكيل أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات الجزائري الذين صمدوا أمام التّحوّلات، محتفظين بوهج القصيدة وانتمائها إلى الوعي الجمالي.

لقد مزج بين الرّمزية والرّؤيا الوجودية، وجعل من الشّعر مختبرًا للفكر والرّوح معًا.

ويكفي أن نقرأه لنشعر أنّنا أمام شاعرٍ لا يكتب عن الأشياء بل يكتب الأشياء من جديد، يصوغها كما يشكّل الصائغ جوهرةً نادرة، يصهرها في نار اللّغة حتى تضيء فتبهر العيون والقلوب.

خاتمة: الشّعر كخلاصٍ إنساني.

– في زمنٍ تراجعت فيه الأصوات الحقيقية، يظلّ عبد الحميد شكيل شاعر النّقاء الأخير، يكتب بصدقٍ كأن القصيدة صلاة بكلّ ما تحمله من معنى، وبألمٍ كأنّها جرح مفتوح في جسد الوطن

والإنسان.قصيدته ماءٌ ودمعٌ ونور، تقف عند تخوم الوجع لتعلن ولادة الجمال في كل مرّة.

إنّه الشاعر الذي فهم أن اللّغة يمكن أن تكون وطنًا، وأنّ الشعرحين يُكتب بالحب والمعاناة يصبح خلاصًا من الغياب، وعودةً إلى المعنى الأول للإنسان وفق معطيات روحيّة وجماية لا يدرك كنهها إلا من أبحر عميقا في فهم جماليات هذا الكون الذي يشكّله الماء بقدر كبير من أجل أن تستمر رحلة الحياة ورحلة الكتابة معا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading