رؤية نقدية … “الدّارس والباحث والنّاقد” – حسين عبروس

تتأسّس الكتابة في الفكر والأدب في العالم عبر التاريخ الإنساني على ثلاث دوائر مترابطة لكنّها تظلّ متمايزة حول ذلك النّص الذي يقدّمه المبدع وينشغل به “الدارس”، و”الباحث”، و”النّاقد”. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه المسمّيات أو المصطلحات تتقاطع حتى تذوب في بعضهاأحيانا، غير أنّ التّدقيق اللّغوي يكشف أنّ لكلّ منها وظيفة معرفيّة وأفقًا خاصًا، وأنّ الخلط بينها هو الذي يفتح المجال أمام المتطفّلين على الإبداع والمعرفة، ممن يظنّون أنفسهم أنّهم يمتلكون أدوات القراءة الجزئية التي تخوّل لهم ولوج عالم النّقد والإبداع بكلّ سهولة ويسر،ومن هذا المنطلق يمكننا تحديد تلك المصطلحات على النّحو الآتي:
1- الدّارس: المتلقي المنهجي
– الدارس هو ذلك الشخص الذي يقف عند النّص أو الظاهرةالإبداعية وقفة فهمٍ أوليّة، يحاول تفكيك عناصرها اعتمادًا على ما اكتسبه من معارف سابقة أو مناهج مقرّرة،و هو أقرب إلى المتعلّم المتدرّب، يتلقّى أكثر ممّا ينتج، ويعيد صياغة ما استوعبه في قوالب أكاديمية أو تعليميّة. لذا فدوره أساسي في تمهيد الطريق نحو المعرفة، لكنّه يظــــــلّ يدور في فلك حدود “التلقــي والتفسير” لا يتجاوزها إلى عوالم النّقد أو الإبداع.
2- الباحث: المنقّب عن الحقيقة
– أما الباحث فهو درجة أعمق، إذ لا يكتفي بالمعارف الجاهزة، بل ينقّب في المصادر، يراجع النّصوص، يقارن بين الآراء، ويضيف إلى المعرفة لبنة جديدة،وهو يمتلك أدوات التّـــحقيق، والاستقصاء، والتّحليل التّاريخي أو المنهجي، وهو بذلك يوسّع أفق الدارس ويضع الأسّس التي يعتمد عليها النّاقد لاحقًا. غير أن الباحث، رغم دقّته، فقد يظلّ أسير الوثيقة والمصدر، لا ينفلت منها إلى الإبداع الفنّي إلا إذا جمع بين صرامة البحث وحرارة الخيال وقوّة الممارسةوالتّجربة.
3- النّاقد: المبدع الثاني
– النّاقد هو الأفق الأعلى في هذه الدوائرالثلاث، لأنّه ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل “مبدع من نوع آخر” فالنّص الإبداعي يولد أولًا على إلهام وموهبة الكاتب أو الشاعر، ثم يولد من جديد على يد النّاقد الذي يعيد قراءته، ليكتشف طبقاته العميقة، ويضيء رموزه، ويضعه في سياقه الفنّي والحضاري ،فالناّقد الحق هو الذي يتوفر على ذائقة جمالية، وعمق فلسفي، وأدوات منهجيّة، يزاوج فيها بين العلم والفنّ، بين العقل والحدّس.
ومن هنا فإنّ النّقد ليس بابًا مشرعًا لكلّ من امتلك قاموسًا نظريًا أو حفظ بعض المناهج، بل هو فعل إبداعي ثانٍ لا يقدر عليه إلا من امتلك ثقافة موسوعيّة وروحًا خلاقة على خلاف مايقوم به المتطفلون على النّقد والإبداع في المشهد الثّقافي اليوم في الوطن العربي ،والذي يعجّ بفئة واسعة من المتطفّلين،وهم يلبسون لبوس النّقد دون أن يملكوا شروطه. يظنّون أن الاستشهاد بمصطلحات مستوردة، أو إطلاق أحكام عابرة، يمنحهم صفة النّاقد. هؤلاء هم في الحقيقة لم يتجاوزوا مرحلة الدارس العادي، وربما لم يبلغوها بعد، لأنّهم يفتقرون إلى التّكوين العميق والى الإبداع، لأنّه يتعامل مع النّصوص بعين الفنان وبصر العالم معًا، بل يمكن القول إنّ المبدع الحقيقي هو الذي يجمع في داخله شيئًا من الدّارس (التلقّي الواعي)، ومن الباحث (التّحقيق العميق)، ومن النّاقد (الإبداع الثاني). غير أنّ النّاقد وحده هو الذي يحوّل كل هذه الطاقات إلى عمل حيّ متفاعل مع النّصوص ومع القارئ ومع المجتمع.
وبهذا يتضحّ لنا أنّ النّقد ليس ساحة مفتوحة للمتطفّلين، بل مقام رفيع لا يبلغه إلا من امتلك أدوات الدّارس، وصبر الباحث، وخيال المبدع. ومن دون هذا التّكامل، يبقى الادعاء يفسدون الذوق على المتلقي نقدًا وإبداعا، ويظلّ النّقد الحقّ إبداعًا لا يدركه إلا القلائل من أصحاب المواهب والقدرات الفائقة.





