مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

همس القراءة ” العروبة والأعراب “

– بين نزار قباني وإبراهيم قارعلي مساحة للإلتقاء في موضوع العروبة،والإغتراب الذي يؤسسه الشعوربالغربة داخل الوطن الواحد،وداخل النسيج الإجتماعي المتكوّن من أيقونات متنافرة البنية الإجتماعية التي تحاول دائما ضرب المكوّن الأساسي الذي تشكّل منه كلمة العربية والعروبة لتصبح موقف إنتماء في الوجدان والفكر والحياة،ومهما ضاقت مساحة التعبيرعند المواطن العربي يظلّ الموقف السياسي والديني والعرقي يطفو فوق كلّ تعبيرفي زمن التنافر الذي تصنعه الفرقة والمكوّن العرقي داخل البنية الإجتماعية،وهو موقف سياسي تفرزه الحياة المجتمعية.

إنّ رؤية المقارنة في المضمون السياسي والنفسي، واللغة والوزن الشعري عند الشاعرين نزار قباني،وابراهيم قار علي بحيث يُمثّل موضوع العروبة في الشعر العربي الحديث إشكالية فكرية وجمالية، تتأرجح بين الإيمان بالهوية والخذلان من الواقع. وتطرح قصيدتا نزار قباني وإبراهيم قارعلي رؤيتين متقابلتين ضمن هذا السياق، مما يفتح أفقًا للمقارنة من حيث البنية الشعرية، والدلالة النفسية والسياسية ، وأسلوب التعبير.

في مطلع قصيدته، يكتب نزار قباني:

أنا يا صديقة متعبٌ بعروبتي / فهل العروبة لعنةٌ وعقابُ

ويعارضه إبراهيم قارعلي بقوله:

أنا يا جزائر مغرمٌ بعروبتي / ما في العروبة لعنةٌ وعقابُ

يطرح نزار قباني أزمة الهوية بأسلوب تساؤلي وجودي، حيث تتجلى العروبة كعقوبةٍ نفسية وسياسية، في ظل فقدان المعنى داخل الجغرافيا والانتماء. ويتحدث عن اغتراب داخلي أمام الصمت، وانسلاخ الجماعة عن اللغة والهوية. أما إبراهيم قارعلي، فيبني رده على يقين قومي، حيث تظهر العروبة كعشق متجذر، ويحمّل مسؤولية الخيانة لا للعروبة ذاتها بل لـ”من جنى عليها من الأعراب”، في تمييز دقيق بين الفكرة ومن يُسيء إليها.

فمن حيث البناء الفني، تتبنى كلتا القصيدتين البحر الكامل في صيغة عمودية تقليدية، مما يُبرز الطابع الحواري بين النصين. ومع ذلك، يختلف الأسلوب:

إنّ الشاعر نزارقباني يستخدم لغة مشحونة بالعاطفة، بلغةالسهل الممتنع، لكنها تُخفي ألمًا وجوديًا عميقًا؛

أمّا الشاعر إبراهيم قارعلي فيعتمد على أسلوب خطابي، يوظف تراكيب بسيطة وصورًا كلاسيكية، تجعله أقرب إلى المرافعة الشعرية منه إلى البوح الشخصي.

ويتّضح من التشابه في الوزن والقافية والطرح المقابل أنّ إبراهيم قارعلي يمارس فن المعارضة الشعرية، لا الاستنساخ، فقد أعاد إنتاج المعنى من داخل النّص الخصم، محوّلاً سياقه من الشكوى إلى الدفاع، ومن الانكسار إلى الإعتزاز.

وعلى مستوى التعبير، تتفوق قصيدة نزار قباني من حيث العمق النّفسي وصدق الإنفعال، بينما تمتاز قصيدة إبراهيم قارعلي بـوضوح الموقف وقوة البيان، وهكذا، يلتقي النّصان في الشكل، ويفترقان في الرّؤية والوجدان، و هما يقدّمان نموذجين مختلفين للتفاعل مع سؤال العروبة في الزمن العربي الصعب ويظلّ الهاجس العربي واحد في القرنين العشرين والواحد والعشرين.

___________________________

أبيات من قصيدة نزار قباني

أنا يا صديقة متعب بعروبتي

فهل العروبة لعنة وعقاب ؟

أمشي على ورق الخريطة خائفاً

فعلى الخريطة كلنا أغراب ..

أتكلم الفصحى أمام عشيرتي

وأعيد .. لكن ما هناك جوا

لولا العباءات التي التفوا بها

ما كنت أحسب أنهم أعراب ..

نزار قباني

___________________________ أنَـا يَا جَزَائِرُ مُغْرَمٌ بِعُرُوبَتِي

مَا فِي الْعُرُوبَةِ لَعْنَةٌ وَعِقَابُ

أبْحَرْتُ فِيكِ وَمَا سِواكِ جَزِيرَةٌ

وَ لَقَدْ تَلَاطَمَ فِـي الْبِحَارِ عُبَابُ

كَـذَبَ الْألَـىٰ قَالُوا الْعُرُوبَةُ نِقْمَةٌ

وَعَلَىٰ الْعُرُوبَةِ قَدْ جَنَىٰ الْأعْرَابُ

ابراهيم قار علي

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading