مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

وحدة – ليث الصندوق

رجل مسن يرتدي نظارات وقميص مخطط بالأصفر والأسود، يظهر بملامح جدية.

أنا لا أرقصُ في أعراسِهم

فمزاميريَ مثلي

نَبَذَتْ مذ يومِ أنْ كانت غصوناً غضّةً طبعَ السرورْ

وغنائي الصامتُ الثاقِبُ

قد يكسرُ – إذ يخرج من صدريَ – ألواحَ الزجاج

لستُ سكيراً

ولا أبذرُ ما يَنزُرُ من مالي

لأشري للذي لم يذقِ الخمرةَ برميلَ خمورْ

لم يكن دربيَ دوماً مستقيماً

فقد اختنتُ طموحاتي وأحلاميَ مراتٍ

ولكن لم أخنْ يوماً شياطيني ،

وما استبرأتُ من أخطائها

فهما بوصلتي

تهتُ إذن لو خنتها

وإلى آخر عمري لن أخونْ

ربما أمضي إلى بيتي ،

فألفانيْ أخوضُ النهرَ حتى هامتي

ربما أعثرُ ، أو أسقطُ

أو أحفرُ تحتَ الأرضِ بحثاً عن ملاذٍ

مَهربي من زَارعي الشَوكِ مَنوطٌ بحذاءٍ ثِقةٍ

يتحرّى بوفاءٍ لي طريقاً للخلاص

ويُنجينيَ من عَثْراتِهم

ولهُ أنفٌ وأذنٌ وعيونْ

آهِ كم تُتعبني نفسيْ التي أعجزُ عن ترويضها

حكمتي في العمر أن أنقذَ من نفسيَ نفسي

فهما خصمان لا يصطفيان

رضعا السُمَّ معاً

والمُرَّ

حتى قد أصيبا بالجنون

**

منذ أنْ غادرتُ هذا العالمَ المُعتمَ

واستوطنتُ صدري

جَسَدي شَفّ كصندوقِ زجاج

وخَطَايايَ غدتْ نَهباً لسُرّاقِ القبور

فَفَشَى أمْريَ في عَسكَرِ خِلّاني

وباعونيَ في سوقِ الخياناتِ بسِرْ

ربما أمريَ قد غُمّ عليهم

بيدَ أني لم أعدْ مُستَغرِباً

أن يَنبُتَ اليومَ على أجسادِهم ريشٌ

وأن يتّخذوا من صَلَعَاتِ الخَلقِ أعشاشاً

وأن يصبحَ مَنْ كان بأقفاصيْ يُغني فوقَ أكتافيَ نَسْرْ

بعضُهُم غَسَّلَ عن أثوابه ما لوّثتْهُ نَظَراتي

خوفَ أن يُعدى بأدواءِ الحنين

بعضهم عادَ إلى رَحمِ التي ماتتْ

لكي يدخلَ في طور الجنين

فإذا ما لُحْتُ عن بُعدٍ لهُ

ألقى بما يملِكُ للّصِّ

وألقى نفسَهُ مُستَنجِداً داخلَ قنينةِ حِبرْ

وعدا ذاكَ ، أشاعتْ صُحُفُ العُميان

                           أني قد تلاشيتُ تماماً

مذ تراءَى وجْهُ شَيطانيَ لي

منعكِساً دوني على أمواهِ بئرْ

**

باردٌ هذا المطرْ

إنها تُمطرُ في قلبي

لماذا ابتلّتِ الأشجارُ ؟

واربَدّ المدى

وخيولُ البرقِ ضجّتْ صَاهِلاتٍ في العراء

لم أعُدْ أحزنُ أنْ أمشي وحيداً

ألجِرارُ التيْ أخفيتُ بها صَحبي اللصوصَ

لم تعد تصلحُ للإخفاء إذ صارتْ بطوناً

ولها صارتْ مَشيماتٌ

وأرحامٌ

وحَيضٌ كالنساء

هكذا الدنيا إذا ما أقبلتْ

تهبُ الأعمى على جبهتهِ حَشْدَ عيونٍ

وحشوداً نُجلَ أخرى من عيونٍ للوراء

سوف تشتاقُ إلى أصداء صمتي نافذة

ثم تدعو صحبَها الأبوابَ والأقفالَ لي

فنقضّي يومنا نشربُ شاياً

ونُنقّي بالصدى الصامتِ

ما لوّثَهُ صخبُ السُكارى من هواء

لقد اعتدتُ على الوحدة

حتى صرتُ إذ أسري

أرى وجهيَ محفوراً على صخر المساء

فأنا أنشدُ من داخل صدري

ليس يعنيني إذا ما انطفأ العالمُ من حولي

فقلبي هو مصباحي

وأعماقي ضياء

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading