قراءة نقدية في رواية العوالم السبع – الجزء الثاني للروائي عبد الجبار الحمدي-قراءة… هيثم محسن الجاسم

تمهيد
تشكّل الرواية العوالم السبع بجزءيها اختباراً حقيقياً لقدرة الكاتب على إدارة الزمن السردي وتوليد العقدة عبر الامتداد. وفي العوالم السبع – الجزء الثاني لا تبدو العودة إلى العالم الروائي استئنافاً حكائياً بقدر ما هي توسيعٌ درامي لبؤرة توتر لم تُغلق في الجزء الأول. فالنهاية المفتوحة هناك لم تكن نقصاً في الإحكام، بل كانت استراتيجية واعية لزرع عقدة مؤجلة انفجرت هنا على نطاق كوني.
هذه الدراسة تحاول مقاربة هذا الخيار الفني من زاوية بنية العقدة، ووظيفتها الجمالية والفكرية.
أولاً: النهاية المفتوحة بوصفها مولِّداً سردياً:
النهاية المفتوحة في الجزء الأول أدّت ثلاث وظائف بنائية:
تعليق المصير: إبقاء شخصية “القديس حنظل” في منطقة احتمالية غير محسومة.
تأجيل الانفجار: زرع مؤشرات صراع لم تبلغ ذروتها.
تحفيز الامتداد النصي: خلق ضرورة داخلية لجزء ثانٍ.
هكذا تتحول النهاية المفتوحة إلى بذرة عقدة جديدة، لا إلى نهاية ناقصة. إنّها حالة من “الإرجاء السردي” الذي يُبقي التوتر في حالة اشتغال حتى بعد إسدال الستار.
ثانياً: من العقدة الشخصية إلى العقدة الكونية:
في الجزء الثاني تتضخم العقدة من مستوى فردي إلى مستوى عالمي.
لم يعد الصراع محصوراً في صعود رجل أسود البشرة داخل هرم ماسوني أبيض، بل أصبح صراع القلة والكثرة.
وصراع النخبة والقطيع
وصراع الهيمنة وإعادة تشكيل العالم.
هذا التحول يشي ببناء حلزوني؛ حيث تدور العقدة حول ذاتها لكنها تتسع في كل دورة. فالخصومة مع “محظوظ” و“رؤى” ليست سوى الطبقة الظاهرة لصراع أعمق يتصل بإدارة النظام العالمي.
ثالثاً: البنية الحلزونية للعقدة:
تعتمد الرواية على تراكب مستويات الصراع:
مستوى نفسي (الشك، الخيانة، الطموح)
مستوى سياسي (مشروع مرحلي لإعادة ترتيب العالم)
مستوى فلسفي (نظرية المليار الذهبي)
مستوى معرفي (تزييف الوعي عبر الإعلام والذكاء الاصطناعي)
هذه المستويات لا تتعاقب زمنياً بل تتشابك، فتُنتج عقدة مركبة لا تُفك إلا بانفجار شامل.
ولهذا يأتي مشهد “العشاء الأخير” بوصفه نتيجة طبيعية لتراكم طويل، لا حدثاً صادماً معزولاً.
رابعاً: مشهد “العشاء الأخير” وانغلاق الدائرة
تنتهي الرواية بمشهد تسمم إشعاعي جماعي، في استعارة واضحة لفكرة “النهاية التي تلتهم الجميع”.
هنا تتجلى المفارقة:
المنتصر مهزوم.
المخطط واقع في فخه.
السلطة تدمّر حامليها.
هذه النهاية تبدو مغلقة حدثياً، لكنها مفتوحة دلالياً؛ إذ تطرح سؤالاً وجودياً:
هل يمكن لمن يدير لعبة العالم أن ينجو من قوانينها؟
خامساً: الرمزية وبناء التوتر:
تحمل أسماء الشخصيات دلالات متعمدة:
حنظل: مرارة الواقع ودواؤه معاً.
فتنة: الفوضى التي تُدار بذكاء.
محظوظ: مفارقة الاسم والمصير.
رؤى: رؤية معطوبة بالطموح.
الرمز هنا ليس زينة لغوية، بل أداة في تصعيد العقدة، لأن الاسم يحمل نبوءة المصير.
سادساً: البعد الطبقي والعرقي في تشييد العقدة:
أحد أهم محركات التوتر هو التمييز العرقي والطبقي في تعامل اللوردات البيض مع “حنظل”.
هذا التوتر يُستثمر فنياً ليجعل الصعود أكثر درامية.
فالعقدة لا تقوم فقط على المؤامرة السياسية، بل على مواجهة تاريخية بين المركز والهامش.
وبذلك تتجاوز الرواية خطاب المؤامرة السطحي إلى مساءلة البنية العميقة للسلطة.
سابعاً: قراءة ذرائعية في الوظيفة الفنية:
من منظور ذرائعي، يمكن القول إن النهاية المفتوحة في الجزء الأول أدّت وظيفة إثارة الامتداد.
الجزء الثاني وظّف الترقب المتراكم لتعظيم الأثر.
العقدة لم تُبنَ على المفاجأة فقط بل على التراكم النفسي والفلسفي.
أي أن البناء حقق فاعليته عبر تعليق الإشباع وتأجيل الحسم، مما عزز الأثر الجمالي والذهني معاً.
ثامناً: اللغة والواقعية الدولية:
أشار الناقد عبد الرزاق الغالبي إلى أن الرواية تبدو كأنها نص مترجم لشدة واقعيتها الدولية.
وهذه السمة تخدم بناء العقدة، لأنها تمنح الأحداث مصداقية تجعل القارئ يتعامل معها بوصفها احتمالاً واقعياً، لا مجرد تخييل مؤامراتي.
خلاصة :
لقد نجح الكاتب في تقديم بنية سردية تقوم على:
الإرجاء
التراكم
الانفجار
ثم الانفتاح التأويلي
وهي بنية تؤكد أن الرواية لا تكتفي بسرد صراع على السلطة بل تُعرّي آلياتها.





