مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية بعنوان (نافذة تطّل على ما تبقّى من الصمت) إيمان البستاني

غلاف كتاب بعنوان 'نافذة تطل على الفراغ' للشاعر حمدان طاهر، يظهر تصميم عصري مع ألوان زاهية وصورة للشاعر.

صدر عن دار أهوار للنشر والتوزيع في بغداد لعام ٢٠٢٦  مجموعة شعرية جديدة للشاعر العراقي (حمدان طاهر) بعنوان (نافذة تطّل على الفراغ ) ب ٩٤ صفحة تصميمها الداخلي للأستاذ علي حيدر ، مجموعته  قصائد كلّها كتبت من منطقة ما بعد الكلام: بعد الفقد، بعد الخيبة، بعد انكسار المعنى.

لان العنوان هو اول القصيدة يؤطّرها غلاف هنا لا يزيّن المجموعة، بل يفسّرها بصمت، الجدار ليس خلفية باردة، بل كائنٌ حاضر، ذاكرة صلبة، أبٌ بديل ، يُسند ولا يحتضن، يحمي ولا يدفئ.

أما اللون اللازوردي ؛ ليس أزرق سماء مطمئنة، بل أزرق فقدٍ مؤجَّل، لونٌ بارد يحتفظ بالألم ولا يصرخ به. كأنه يقول: الفقد لا يُنسى، لكنه يُسكن في طبقة هادئة من الروح ، حزن بلا ضجيج، وخسارة بلا عويل.

حتى النوافذ الصغيرة الموزّعة على الجدار تبدو كشقوق في الذاكرة، لا تُفضي إلى خلاص، بل تطلّ — كما العنوان — على الفراغ، على ما كان ولم يعد، وعلى ما يُرى ولا يُطال.

الغلاف متواشج عضويًا مع المحتوى ، لا يشرح النصوص بل يشاركها صمتها، ويؤكّد أن هذا الكتاب ليس اعترافًا، بل وقفة طويلة أمام جدارٍ يعرف كل شيء… ولا يقول شيئً

العنوان بخطّه الواضح، شبه الصادم، يوازن هذا الهدوء البصري، كأن النص يقول للقارئ منذ الغلاف ،لا تبحثعن الامتلاء، تعالَ كما أنت، وانظر.

 بعد التوغّل في المجموعة ، يتكشّف أنّ الانغلاق والصمت ليسا مجرّد حالتين نفسيّتين عابرتين، بل خيارٌ جماليّ واعٍ؛ كأنّ الشاعر يتّخذ الصمت لغةً موازية للكلام، وملاذًا أخيرًا من صخب العالم وخساراته المتراكمة.

الخوف من الزمن حاضر لا بوصفه هلعًا صريحًا، بل كوعيٍ حزين بتآكل الأشياء: الأم، الرفاق، الأماكن، وحتى الكلمات نفسها. الزمن هنا لا يمرّ، بل ينحت، يترك أثره ببطء على الروح، كما يترك النهر أثره على ضفّتيه.

أما النهر والطير، فتكرارهما ليس زخرفًا رمزيًا، بل علامة ؛ النهر زمنٌ بديل، حركة داخل السكون، وذاكرة تسيل ولا تتوقّف، حتى حين يبدو كلّ شيء جامدًا. 

الطير كائن شفّاف، هشّ، حرّ وخائف في آن، يحمل توق الخلاص لكنه لا يجد عشًّا آمنًا. هو صورة الروح حين تتردّد بين الطيران والوقوع في المصيدة، حيث يقدم كل منها انعكاسات متميزة مرتبطة ببعضها البعض من خلال التأملات الوجودية الشاملة. يكمل كل قسم ما سبق وما يليه، مما يضمن الحفاظ على خيط سردي، وينسج معا تأملات منفصلة في استكشاف فلسفي متماسك. ينظم الشاعر الكلمات بدقة لإنشاء نسيج يصور العزلة ضد اتساع الزمان والمكان – نافذة على الفراغات الشخصية، ولكن فرص للتفكير.

ما يلفت أكثر أنّ اللغة نفسها تمارس هذا الانغلاق: جُمل قصيرة، نبرة خافتة، صور تتقدّم بحذر، كأنّ الشاعر يخشى أن يوقظ الألم إن رفع صوته. ومع ذلك، ثمّة حنان خفي يسري تحت النص، خصوصًا في مقاطع الأم والطفولة والحقول، يخفّف من قتامة المشهد ويمنحه صدقًا إنسانيًا عميقًا.

باختصار: نحن أمام ديوان لا يصرخ، بل يهمس طويلًا، ويترك في القارئ أثر نهرٍ مرّ من داخله بهدوء، دون أن يطلب شيئًا سوى الإصغاء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading