مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

تجليات الموت في رباعيات الشرنوبي – د. سعيد شوقي

صورة رسمية لرجل يرتدي نظارات وقميص رمادي، وينظر مباشرة إلى الكاميرا.

                                                 

     ربما لا أكون مغاليا حين أقرر – بداية – أن ظهور دال الموت هو من أهم سمات رباعيات الشاعر محمد الشرنوبي شاهين دون بقية أشعاره ، فلقد تواتر في (43) رباعية من جملة (176) ، بمعنى أنه يشكل ربع الرباعيات ، وهذه سمة قد تبدو مستغربة للمتتبع لأشعار الشرنوبي من بدايته في الأربعينيات إلى الآن ، إذ إن ظهور دال الموت في أشعاره الأولى والمتوسطة لم يكن بمثل هذا الكم . وربما كان السؤال عن سبب ذلك طبيعيا ، لكنه بلا شك ليس مسألة عمرية شخصية فقط ، إنما هو مسألة سياسية واجتماعية واقتصادية كما سيبين.

     والشاعر محمد الشرنوبي شاهين من مواليد بندر بنها عام 1925 م ، ويقيم فيها وأصول عائلته من آبائه وأجداده تمتد جذورها إلى بلدة الشباسية مركز دسوق محافظة الغربية ،  ورباعياته نشرت بعنوان : رباعيات محمد الشرنوبي شاهين ، انتقادية ، واقعية ، تهكمية ، معارضة لرباعيات الخيام ، الطبعة الأولى ، عام 2004 م .

     والحق أن دراسة لدال الموت في أشعار الشرنوبي واجبة ، ولقد كنت قد خططت لها وعزمت على إتمامها ، لكن الوقت دائما ما يدهمني وتمر الحياة سريعة بلا إنجاز تام ، لكن أعتقد جاء الحسم الآن ، ولابد من إتمام فعل حتى وإن كان دون براح مبتغى ؛ فكانت هذه المقاربة الموجزة ، ونعد إن شاء الله بإتمامها . 

     إن لدال الموت خفاء في أعمال الشرنوبي الأولى كما أشرنا ، لم يظهر إلا على هامش النكسة وبموت عبد الناصر ، الزعيم المعضل في حياة شاعرنا ، الشهد والدموع معا ، لقد زغرد الشاعر له وهو في سجنه ، كما عبر أحمد عبد المعطي حجازي ذات يوم ، من أنه عندما رأى موكبه من شباك الزنزانة هتف له ، إنها أزمة جيل بكامله ، ظهر أيضا في رثاء أم كلثوم لكن بصور خافتة إذ تحول رثاء الشرنوبي للست إلى مديح تام لحي ، أيضا ظهر في رثاء الشهيد عبد المنعم رياض رفضا للموت في قصيدة ( رياض ما متشي ) ، إن الشرنوبي في كل حالات ذكره للموت في بداياته بعث شخوصه حية مرة أخرى وكأنها لم تمت، لأن إحساسه بالموت في ذلك الزمن لم يكن كالفترة التالية ، بعد ذلك لم يظهر الموت إلا فرادى مثلا في قصيدة ( نشيد الموت )  في ديوان الزمن الحرام ص21  على إثر دخول أتوبيس على طابور الصباح لمدرسة ابتدائية ، ومثلا في قصيدة ( من جورج بوش إلى عزرائيل الموت ) في ديوان آهات وطنية ص 24 ، لكنه ما كاد يكتب الرباعيات حتى انفتحت ماسورة الموت .

     وحقيقة يمكن تقسيم الموت دراسة في شعره إلى نقاط كثيرة تصلح للمقاربة ، نذكر منها موت الفن والأدب والشعر ومن أمثلته :

لما الرغيف بقى له طابور

الشعر سورق عندنا في البحور

ما أكثر الشعراء لكين شعرهم

في عرض قارئ يقرا حبة سطور

                                                     ( الرباعيات ص 49 )

وموت الأوطان والأخوة والعروبة ومن أمثلته :

الدم يا ابو الفتح صار للركب

لما فلسطيني وعراقي اتنكب

بيعبوا دم ولحم في البراميل

في صحة الخوجة وسلامة العرب

                                                   ( الرباعيات ص 52 )

وموت في الداخل من فساد المحليات ، ومن أمثلته :

مجلس مدينة يشجر الطرقات

ويسبها عطشانة تموت من سكات

واللي ما بيهمك توصي عليه

مسئول حكومي يبرر الإهمالات

                                                     ( الرباعيات ص 13 )

أو هكذا :

مريت على بيت الحبايب وكان

مايل وحاضن سقف بيت الجيران

فجأة البيتين ناموا على بعضهم

ماتوا الأحبة وفطسوا الجيران

                                                    ( الرباعيات ص 37 )

أو من شدة الفقر ، ومن أمثلته :

الفقر ماشي على شوك وسل

ولا مرة فكر عن سمايا يحل

هوه والاستعمار أعادي الحياة

قلة كرامة وموت وأشياء تعل

                                                     ( الرباعيات ص 14 )

وموت في الخارج بسب الاستعمار ، ومن أمثلته :

لو تنولد من تاني يا شيخ يا عمر

وتشوف حكومات قتالين البشر

كان قالوا في الأخبار بكل اللغات

عالم من الغيظ طق أو انتحر

                                                     ( الرباعيات ص 61 )

وموت في الداخل في السجون ، ومن أمثلته :

الدنيا حالها يوم عسل ويوم بصل

سيبك من امبارح وما قد حصل

إنت انكتب لك عمر تاني جديد

في يوم ما جاك إفراج من المعتقل

                                                    ( الرباعيات ص 54 )

أو هكذا :

في المعتقل لا مله لك ولا دين

بين عسكري أزرق وبين جلادين

كنا نبات نتمنى يطلع صباح

يلقانا جوا الجبانات ميتين

                                                     ( الرباعيات ص 10 )

ومن موت يأتي من الخارج ومن أمثلته :

لا حيلة عندك من قريب أو بعيد

طول ما أنت محسوب في نظام العبيد

الموت يجيك من سلعة مستوردة

أو من نفاية عن طريق مستفيد

                                                     ( الرباعيات ص 40 )

ومن موت من عدم تكافؤ الفرص ومن أمثلته :

في امتحان شغل الوظيفة ظهر

قالوا له عيلتك مش محل نظر

أما الوظيفة خدها ابن الوجيه

خرج الجدع من عندهم وانتحر

                                                     ( الرباعيات ص 8 )

ومن موت الخيانة والمجتمع ومن أمثلته :

سافر عشان هم العيال الكتير

لمراته حول كل ماله الوفير

رجع لقاها بددت كل شيء

شنق الجدع نفسه بملاية سرير

                                                      ( الرباعيات ص 8 )

وغير ذلك من الأمثلة كثير .

     إن الموت في شعر الشرنوبي في عجالة هو موت للمجتمع بأسره لناسه وحكامه ومؤسسساته ، ليس هذا فقط ولكنه موت للعالم الخارجي بأسره في سياساته الاستعمارية .

     يمكن أيضا دراسة كيفية تشخيص هذا الموت في واقع المجتمع للدرجة التي بدت فيها آثاره واضحة على الجميع ، فها هو الطفل في بطن أمه يرفض الخروج للحياة خشية الموت :

الطفل من بطن أمه وقت النزول

يصرخ بحرقة كأنه عاوز يقول

أنا بدي أرجع تاني مطرح ما جيت

حوشيني يا أمي حياكلني غول

                                                    ( الرباعيات ص 34 )

وهاهو الشاعر يستنكر استمرارية الحياة على هذه الشاكلة :

لو فيه خلود في الدنيا ولا بقاء

في هذه العيشة اللي زي الوباء

نبقى احنا عايشين في جهنم أكيد

والناس جميعا تستحق العزاء

                                                     ( الرباعيات ص  35 )

أيضا يمكن مقاربة النظر إلى تمني الناس للموت بدلا من الحياة لقسوتها وشدتها:

أبو العيال مسكين وغلبه عماه

عمره ما حس بطعم صبحه ومساه

شارب كاسات المر وبينتظر

يوم استقالته من عموم الحياة

                                                    ( الرباعيات ص 42 )

    أيضا يمكن دراسة الهدف التعليمي من سوق دال الموت لتحذير الناس من جراء أفعالهم بعد الموت :

لو تفتكر في الموت ويوم الحساب

وإننا رهن الثواب والعقاب

ما كنت واكل حق غيرك

ولا تربي في كرشك قطط أو كلاب

                                                    ( الرباعيات ص 21 )

أو هكذا :

غير التراب إيه اللي يملا عنيك

خليك كويس وادفع اللي عليك

أنا باستجير منك وباستسمحك

تبعد يا باشا عن جيوبي إيديك

                                                     ( الرباعيات ص 23 )

أو هكذا بدلالة ساخرة معكوسة :

بيظبطوك بالسرقة تصرخ حاتوب

وتاني يوم نلقاك بتشرط جيوب

إنت لو اتوفيت بدون قطع إيد

يمكن في يوم الحشر تنشل ذنوب .

                                                       ( الرباعيات ص 59 )

أيضا يمكن دراسة فكرة أن الموت لا يخلو من منفعة عند الشاعر :

هم الزيادة كل يوم في البشر

فوق أي حسبة أو عدد منتظر

لو ربنا يحكم على الموت يموت

كان كوكب الأرض بحمولته انفجر

                                                       ( الرباعيات ص 44 )

أو هكذا :

العمر لما يطول بيصبح رزيل

لكن الحياة لها طعم حلو وجميل

واللي معكر صفونا في الوجود

قاتل ويمشي في جنازة القتيل

                                                     ( الرباعيات ص 49 )

ويمكن أيضا مقاربة فكرة أن ظهور الموت يميط اللثام عن كثير من الحقائق :

مات الجدع واتجمعوا النواحين

ظهرت له زوجة تانية واتنين بنين

الحرمتين اتخنقوا أما الفقيد

تركوه وراحوا القسم متخرشمين

                                                     ( الرباعيات ص 6 )

أو كفعل استباق للأحداث هكذا :

اعرف عدوك يا أخي في الوطن

شغل الخواجه ليه في عقلك سكن

دا جي يسرق حتى يوم دفنتك

راح يفتح التربة وياخد الكفن

                                                    ( الرباعيات ص 12 )

أو فكرة كيفية ظهور دال الموت في النص ، إما باسمه الصريح في كثير من الأمثلة السابقة وإما بعكس دلالته وهي دلالة الحياة وما يقيمها كما يلي :

الزهر يحييه الندى في الحياة

والقلب يحييه الإيمان بالإله

والحب يحييه الضمير السليم

والدنيا ما تسواشي حني الجباة

                                                     ( الرباعيات ص 22 )

أو فكرة سعي الناس الحثيث وراء قدرهم :

أيام تفوت من عمرنا وتمر

زي الأتوبيس لما بينا يكر

والكل مستعجل على محطته

إنشالله حتى يزق ولا يجر .

                                                     ( الرباعيات ص 37 )

     أيضا يمكن دراسة رباعياته مقارنة برباعيات الخيام ليس على أساس من الترجمة ولكن على أساس من المعارضة ، وهي التي يحاكي فيها الأديب أثر أديب آخر محاكاة دقيقة تدل على براعته ومهارته ومثال ذلك نهج البردة لأحمد شوقي وبردة البوصيري  . والحق أن هذه الدراسة هنا أولى من كل النقاط السابقة لأنها عنصر مهيمن هنا بمفهوم رولان بارت .  

     كل هذه الأفكار وغيرها يمكن دراستها ، ولقد حاولت أن آخذ فكرة – من غير ما سبق- بدت أيضا في رباعياته وأحاول تعميقها لقلة الوقت كما بينت ولسرعة المقاربة ، فليغفر لي الأكاديميون ذلك ، إن ما أود مقاربته هو مفهوم الشرنوبي للموت ،أو رؤيته للموت ، إن هذه المقاربة تستند إلى حقائق المنهج الاجتماعي الذي يبحث في أبنية الوعي دون أبنية الجمال .  

     إن أول ملمح يمكن ملاحظته في رؤية الشرنوبي للموت هو في تجاهله لهذا الموت : 

قالت لي نفسي بكره راح ننتهي

قلت لها طبعا فاضحكي وقهقهي

قالت لي إيه لغز القضا والقدر

قلت لها أحسن تقعدي وتتلهي

                                                     ( الرباعيات ص 4 )

     إن التجاهل هنا ليس عن جهل به وإنما عن علم بطبيعة الصراع الخاصة معه ، إنه صراع لا نصر فيه ، صراع ضد عدو مجهول قاهر ، ومن ثم فهو لا يجعل نفسه تنشغل بهذا اللغز عن الحياة ، إنه يعيش الحياة حتى نخاعها ضحكا وقهقهة لأنها هي التي يمتلكها ، إن الموت عصي عن الفهم مثلما هو القضاء والقدر ، ولا يرغب الشاعر لقواه أن تخور تفكيرا في هذه المعميات التي لا طائل من التفكير فيها ولا جدوى من استحضارها ، فمحصلة التفكير حيرة بعد حيرة ، رغم ما خبره من إجابات مذهبية ولاهوتية ، إنه لا يثق في شيء من ذلك ، لا يثق إلا في نفسه في ضحكاته وقهقهاته ، إنه يصل بنفسه إلى متعة في قمة الانسجام مع الحياة ، إن معركته في فقه الموت خاسرة ، إنه يعلم أن مصيرها يتمثل فيما نصح به نفسه أن ( تقعد وتتلهي ) بالعامية المصرية ، بمعنى أنها لن تصل إلى شيء . إنها رؤية زوربوية في حب الحياة حتى الثمالة ، رؤية في ممارسة الموت بفعل الحياة ، نموت ونحن نضحك ، تماما مثلما فعل صلاح عبد الصبور : آه لو متنا في شهقة ضحك على لسان الأميرة في مسرحية الأميرة تنتظر ، ومثلما فعل يوسف السباعي في السقا مات ، عندما أمات بطله وهو على أهبة الذهاب للقاء غانية بعد أن دفع أجرتها وأعد نفسه لها بالحشيش بآخر قروش استدانها من أصدقائه ، وهو تماما مثل تذهب العامية المصرية بعبقريتها ( نموت من الضحك ) ، إن معركة الفكر خاسرة لن توصل إلى الإجابة عن الأسئلة الكبرى في الموت ، إنه من أمر ربي كما يصرح القرآن عن الروح ” ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”. (الإسراء85).

     ولكي يؤسس الشرنوبي لنفسه بهذا التوجه الحيوي في حب الحياة يقنع نفسه عقليا ، بعد أن أقنع عاطفته ، هكذا :

الموت رضينا أو كرهنا قضا

أفضل تموت وانت في حالة رضا

العقل لو معقول يقول لك كده

مش عقل بيصلي بدون مضمضه .

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading