تجليات الموت في رباعيات الشرنوبي – د. سعيد شوقي
( الرباعيات ص 16 )
إنه يذكر نفسه أن ترسخ وتتثبت ، حتى لا يدخل في محاجة تقليدية بين عقله وعاطفته ، أن يصالح نفسه مع نفسه حتى تسير مكتملة مع المذهب الحيوي الجميل الذي اختطه لنفسه ، إن الموت رضا أو غصبا سيقع فلماذا ينشغل عقليا به ؟ إن ما هو حتمي لا يجب التوقف أمامه ، أما حياته فهي غير حتمية ، هو الذي يصنعها ، هو يتقدم فيها باختياراته ، ولقد اختار حالة الرضا ، إنه موقف وجودي ، من ضحكاته رضا من قهقهاته رضا ، إن الضحك والقهقهات متبوعة بالرضا ، الضحك يستجلب السخرية ، يستجلب المفارقة ، وتمعن القهقهات في تعميق دلالتها .
إن الشرنوبي ينظر للعالم بعين الضحك التي هي عين العقل ، فكما يقال ” العالم مأساة لمن يشعرون ، ملهاة لمن يضحكون ” إن الشرنوبي يضحك من هذا العلم لأنه خبره بعقله فوجده عالما غير منطقي بالمرة ، لا سبب فيه يؤدي إلى نتيجة ، وعلة خارجة من معلول . تخلى الشرنوبي سريعا عن إحساسه وشعوره بالعالم مثلما كان في أشعاره السابقة ، ولجأ إلى النظر إليه بعين الضحك والسخرية ، إنه تماما الفارق بين الذات التجريبية التي تنخرط في المجتمع ولا تدرك متناقضاته والذات الترانسنتدالية التي تتعالى على المجتمع وتنخرط فيه في ذات الوقت ، تنخرط فيه لتفهمه وتتعالى علية لتدرك متناقضاته وتضحك من جراء ذلك . الموت لم يعق الشرنوبي عن ممارسة الحياة وفهم الحياة لأنه تجاهله ، إنه إدانة حضارة عاش فيها ويعيش فيها تقدس الموت وتستعذبه وتعمل له وتعيش به فلا هي عاشت كما ينبغي ولا ماتت كما ينبغي .
إن الشاعر يستند في هذه المحاجة العقلية على حقيقة وجودية ترى حتمية وجود الموت ، هكذا :
مين اللي يحميك من إدين عزرائيل
إن كنت في طيارة أو طوموبيل
من تحت رجلك شم حفنة تراب
من قبل ما تكون للقرافة نزيل
( الرباعيات ص 20 )
أو هكذا :
تطلع لفوق تنزل لتحت
فقير غني وخبت ولا فلحت
الموت وراك في الأرض أو في السما
في بيت في طياره في لوري في فحت
( الرباعيات ص 56 )
أو هكذا :
بين السما والأرض إحنا رسوم
متحركة إلى وقتها المعلوم
نرتاح ونتعب نفتقر نغتني
واللي بيقعد منا غيره يقوم
( الرباعيات ص 28 )
أو هكذا :
الكل فاني مهما طال المطال
والباقي وجه ربنا ذو الجلال
من التراب جينا ورجعين إليه
ومن تراب لتراب نخلف عيال
( الرباعيات ص28 )
أو هكذا :
ياما أمم راحوا وأمم موجودين
والأرض للصاحيين وللنواميين
ساقية ورا ساقية وزمن دوار
وناس بتسرق ناس وناس مسروقين
( الرباعيات ص 29 )
أو هكذا :
سر الحياة أشبه بنقطة مطر
يعلمها رب الكائنات والبشر
لحظة ما يصدر ليها أمر السقوط
ما يصدهاش عمده ولا شيخ غفر .
( الرباعيات ص 31 )
إن الشرنوبي هنا يصيغ مسلمات ، وبرغم أنها مسلمات ، تبدو بعيدة لأن تجربة الموت مهما حدثت للآخرين فهي موضوع بعيد عنا ، لا ننخرط فيه مهما حاولنا ، هي خارج وجودنا ” فحين نفكر في موت الآخر نحذف موضوعا من العالم ومن وعينا ولا نستطيع حذف الأنا التي تشاهد ” كما يرى بيتر كوستنباوم تلميذ هيدجر ، إن تأكيده لهذه المسلمة ترسيخ لنفسه في اتباع مذهب الحياة ، إن حفنة التراب هي أنت ، واللفظ نزيل الذي يشتهر الآن في الفنادق هو هو في المقابر ، إن الشاعر يستحضر الموت وهو نزيل الفنادق ، يستحضر الموت وهو يبني بالتراب سيان بسيان ، إنها رؤية ليست تشاؤمية تشاؤم أبي العلاء ولكنها رؤية تفهمية لسنة الحياة ، يستخلص منها درسا في فهم مذهبه الحيوي.
إنه يركز على ظواهر ويفهمها جيدا دون محاولة تبريرها بشيء لأنه لا يمتلك التبرير وغير مؤهل لذلك :
أحلى ما في الدنيا ما نعرفشي ليه
جايين ورايحين لجل ايه ولا ايه
لو كنا ندرك الحقيقة بحقيق
ما كنا نلعب ولا نرقص باليه
( الرباعيات ص 38 )
إن اللعب ورقص البالية بعد الضحك والقهقهة والرضا هو ما يملكه الشاعر ، إنها الحياة : اللعب والضحك والقهقهة والرضا وإنه الفن : رقص البالية ، إن الحقيقة لا يمتلكها الشاعر ، ما يمتلكه يتصرف فيه وهو راض عنه تماما ، إن حيرته مقننة مختارة بعناية ، لقد فهم هذه الحيرة بانتصاره إلى المذهب الحيوي ، تماما مثلما فعل زوربا ، إنها ليست حيرة الطلاسم لإيليا أبي ماضي ، ولكن التساؤلات الحائرة هنا تساق بطريقة شعبية فذة للانتصار لاختياراته. إنه يرضي نفسه بهذا الاختيار حتى لا تنفصم روحه :
بين الحياة والموت يا دوبك نفس
يخرج ما يدخلشي في طي القفص
ولو عرفنا الروح وإيه سرها
يمكن نصاب بالرعب أو بالخرس
( الرباعيات ص 41 )
إنه حتى لا يبغي معرفة السر ، ويكتفي بمشاهدة الظاهرات ، والاستمتاع بقراره ، فلا شيء عنده أشهى من ذلك ، حتى جمال انتهاك السر لا يعنيه ، لأنه لا يريد أن يغامر بمكتسباته الحياتية في مذهبه الحيوي خشية رعب أو خرس ، رعب من أن لا يضحك ولا يقهقه ولا يرضى وخرس من ضياع فنه وإبداعه .
يرتبط باقتناعه بحتمية الموت أيضا أن الشاعر يقنع نفسه أيضا أن الموت لا يعمل إلا في توقيته :
فصل الشتا برد وهواه وحوحه
والصيف حصيرته واسعه ومرحرحة
والزهر في عرس الربيع يبتسم
والموت في غير الموت مالوش مصلحة
( الرباعيات ص 49 )
لا يمكن للموت إذن أن يعمل مع الحياة ، إذا لابد لمذهبه الحيوي أن يعمل بمعزل عن الموت وهذه سنة الطبيعة ، في فصولها ونباتها وبشرها ، فلماذا يخالف هذه السنة ؟ إن الشاعر يتماهي هنا مع الطبيعة ، ويؤنسنها ، حتى تتسق روحه مع روحها ليتم له المذهب الحيوي الذي يوحد البشر في حركة واحدة مع الكون .
إن الشاعر سعيد باكتشافه الواضح وتأكيد ذلك لنفسه ، فطالما أن الموت ينهي جميع الموجودات بأنواعها المختلفة ، الجميلة والرديئة ، بحتميته الشديدة ، فلماذا يضع الشاعر نفسه مع الرديء ؟ إنه يختار لنفسه الحلو وليس ابن الوطا ، الحلو الذي يرضى والذي يضحك ويقهقه ويرقص باليه هكذا :
الصيف لياليه غير ليالي الشتا
والجو في فصل الربيع زأططه
وكل زرعة تبتدي وتنتهي
والموت يقش الحلو وابن الوطا
( الرباعيات ص 61 )
إنه الدرس الذي وعاه الشاعر جيدا من ملاحظاته العقلية في دنيا الناس ، ليأكد به مذهبه :
أنا وانت في الدنيا وديعة بميعاد
لا بد يوم نرجع لرب العباد
ونشوف حبايب واحنا تحت الثرى
حبة رماد تحضن في حبة رماد
( الرباعيات ص 57 )
يعبر عنه هنا بأبلغ لغة شعرية : حبة رماد بتحضن في حبة رماد ، إن الناس بفعل الموت حبات رماد ، إنه أنسنة للجماد ، وتجميد للإنسان ، يمزج بين الحقول الدلالية المتباينة ويوحدها ليعمق دلالة المصير .
إن الشاعر يعيد ويزيد ليبرر لنفسه هذا الموقف بأنه غير مؤهل لفهم أصول الحقائق ، ما يرصده فقط هو الظاهرات ، إذ إن فهمه نفسه لا يدرك هذه المعضلات ، ويصرخ فيه أن ينأى به عن الدخول في هذه المعميات :
ربي اللي خالق كنيتي وقوتي
لو فهمي عاجز طب وما حيلتي
العجز من عجزي بيصرخ يقول
غطيني يا أم الهنا وصوتي .
( الرباعيات ص 17 )
إن الشاعر بعدما حدد قناعاته يبتهل إلى الله مصليا راضيا بما توصل إليه من اكتشاف مكتشف أصلا لكن لا يعيه الناس :
سبحانك الله العلي الكبير
خلقتنا من طين وإنت القدير
تلمنا من بعد ما نكون تراب
مصنوع في قلة أو برام أو في زير .
( الرباعيات ص21 )
والملاحظ فيما سبق أن الشاعر يسرف في إثبات المسلمات في رباعيات عدة ليذكر نفسه بحقيقة الموت أو ربما بحب الحياة .
إن رؤية الشاعر للموت في النهاية ليست في أنه ضد الحياة ، وإنما يمكن ظهوره مع الحياة ، أيضا مفهومه للحياة ليست في أنها ضد الموت وإنما يمكن ظهورها مع الموت ، هكذا :
فيه خلق عايشة زي موتى القبور
وخلق ماتت بس ليها حضور
الاسم توأم سيرتك الطيبة
دوار مع الذكرى في كل العصور
( الرباعيات ص 29 )
وختاما ، أتمنى أن أكون قد وفيت بعرض موجز لتجربة الشاعر محمد الشرنوبي شاهين مع الموت .



