مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

المواطنة في شعر شوقي – د. سعيد شوقي

صورة لرجل يرتدي نظارات شمسية، ذو بشرة فاتحة، يبتسم، ويرتدي بدلة رمادية وقميص أبيض.

                                                     

أستاذ الأدب والنقد الحديث

بكلية الآداب جامعة المنوفية

توطئة :

     في عام 1910م اغتال الشاب إبراهيم الورداني، المصري المسلم ، رئيسَ الوزراء المصري النصراني بطرس باشا غالي؛ لأسباب سياسية ، ولقد أدى هذا الاغتيال إلى استياء إخواننا النصارى وتضجرهم ، ومن ثم سرت سحابة غيم في علاقتهم بإخوانهم المسلمين .

     ولقد تصدى أحمد شوقي – شعريا – لرأب هذا الصدع ، ولإخماد هذه الزوبعة .

     وغريب الأمر ، أن آليات التصدي الشعري التي مارسها شوقي هي هي ما يمارس إجرائيا – الآن – في أي صدع يطرأ ، أو أية زوبعة تثار ، أو أي غيم يتقاطر بين مسلمي ونصارى الأمة المصرية .

    وتنهض القراءة المحلقة – على أمل تعميقها في قابل الأيام – على إجراءات شوقي في معالجة الأزمة ، من خلال نقاط عدة يطرحها شوقي ؛ منها ما يرتبط بتحديد مفاهيم وتبيين مصطلحات واستخدام كلمات ، ربما تكشف بعض أزمة العلاقة بين النصارى والمسلمين في الوطن ؛ من زاوية ما يدّعى ظاهريا وما يبطن داخليا ، ومنها ما يتأسس على محاور التوافق، التي تصلح ركائز لبناء مواطنة ، كأن تتركز على جغرافية المكان ، أو تاريخيته، أو عقيدته القديمة ، أو دينه المحايث ، أو حكمته الخالدة . كل هذا مدعم بالنصوص الشعرية الشاهدة المبينة .

تصوير الأزمة :

     لم يقدم شوقي الأزمة صريحة سافرة ، وإنما قدمها متوارية غائبة في طيات حلها أو أمانيه ، وتلك لعمري حيلة بارعة ساقها شوقي ؛ حتى لا يعيد إنتاجها مقلبا مواجعها ، هكذا:

– الحق أبلج كالصباح لناظر   لو أن قوما حكموا الأحلاما

– يا قوم بان الرشد فاقصوا ماجرى   وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما

– فبحرمة الموتى وواجب حقهم     عيشوا كما يقضي الجوار كراما

أو

– تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده    وننبذ أسباب الشقاق نواحيا

     إن الأزمة في أبيات ما سبق تضمر ، أو يتأخر سوقها ، في ثنايا الحل ، أو بعده ، الحل الذي هو الحقيقة ، حقيقة نصاعة العلاقة بين المسلمين والنصارى ، حقيقة كالصباح المنبلج للناظر ، حقيقة بان فيها الرشد ، حقيقة محسة يمكن تلمسها ، في العيش ، والجوار. تلك الحقيقة بظهورها السافر تبيد أحلاما لم تحكم ، وأحداثا جرت لم تقص ، وأوهاما تداعت لم تنبذ ، وموتى لم يحترموا ، وواجبا لم يوف ، وجوارا كريما لم يعش ، وجفاء لم يطو ، وشقاقا لم ينبذ .

     إن الشاعر كان يمكنه تقديم الأزمة سافرة مستقلة ، دون تضمين في ثنايا حقيقة أو حل أو أماني ، سافرة بأحلامها التي لم تحكم ، وأحداثها التي جرت دون إقصاء ، وأوهامها التي تداعت لم تنبذ ، وموتاها الذين لم يحترموا ، وجوارها الكريم الذي لم يعش، وجفاءها الذي لم يطو ، وشقاقها الذي لم ينبذ .

     ثمة إلغاء للأزمة إذا في ضمير شعر شوقي ، وإن كان قد ساقها ، لكن سوقه لها كان سوقا في وجدان الحقيقة الناصعة بصلابة العلاقة بين النصارى والمسلمين ، تماما كمن يقول بأن كل شيء تمام لولا بعض سوء الفهم لدى قلة غير عاقلة . ثمة مشكلة إذن لم تناقش شعريا كما هي ، ولكن تم إلغاؤها من السطر الأول .

     إن حادثة القتل لا شك في كونها سياسية ، ولم يقل أحد بوجود بعد ديني لها ، فلم أجاب شوقي عن أسئلة دينية لم تسأل ؟ ولم لم يجر حواره على أساس سياسي ؟ –  وإن كان ألمح لهذا في بعض بيت – إن مدخل شوقي للموضوع لاشك يغلب عليه الطابع الديني . وتلك لعمري أول مشكلة في علاقة النصارى بالمسلمين ، إذ يتحول أي شجار أو حادثة إلى بعد ديني ، وهذا ينبغي نفيه في إرساء دائم لحوار المواطنة ، إذ إن المشكلات غير الدينية لا ينبغي أن تتحول أبدا إلى مشكلات دينية ، وإنما ينبغي أن توضع في موضعها الصحيح ، تماما كما المشكلات غير الدينية بين المسلمين وبعضهم بعضا.

أثر تصوير الأزمة في تدعيم فهم المواطنة :

     لفهم الأزمة حق الفهم كان ينبغي على شوقي مواجهتها ، لا إلغاؤها ، وتأكيد أن الأمور بخير ، فكيف تكون الأمور بخير ، وهذه التعارضات تقف في أبياته في مواجهة بعضها سافرة كأزمتها :

– الحق أبلج كالصباح لناظر /  لو أن قوما حكموا الأحلاما

– يا قوم بان الرشد / فاقصوا ماجرى 

– وخذوا الحقيقة / وانبذوا الأوهاما

أو

– تعالوا / عسى نطوي الجفاء وعهده / وننبذ أسباب الشقاق نواحيا

     كيف يقرر شوقي أن الحق أبلج كالصباح لناظر وأن الرشد قد بان وأن الحقيقة هاهي موجودة هنا فتعالوا فخذوها ، ويقرر في الوقت ذاته أن الأحلام لم تحكم وأن ماجرى يصعب إقصاؤه ، وأن الأوهام غير منبوذة والجفاء غير مطوي والشقاق غير متروك . إن فعلا كهذا ، هو سبب من أسباب سوء فهم العلاقة في كل مشكلة تتبدى في أفق عنصري الأمة ؛ لذا يتوجب شعريا وواقعيا تسمية المشكلات بأسمائها ومواجهتها مباشرة دون تحويل ، المشكلة هنا سياسية ، كيف تحولت إلى دينية سواء في دفق الواقع أو في شعر شوقي ، إن التركيز كان ينبغي أن يتم على بعدها السياسي ، اللهم إلا إذا كان لشوقي موقف واضح من تحويل المشكلة كما سيبين ضمنيا من طيات شعره .

تحديد المفاهيم وأثره في حوار الأزمة :

     لتحديد المفاهيم والمصطلحات والمعاني دور هام في فهم الأزمات ، ومن ثم حوار المواطنة ، ولقد كان لشوقي سمات خاصة في فهم المفاهيم التي أدار بها الأزمة ، ربما أبعدته عن مبتغاه في الترضية ، تارة بطريقة صريحة وتارة بطريقة إيمائية ، كما يلي :

1- قسم شوقي المصريين في خطابه إلى قسمين : النصارى والمسلمين ، يقول محدثا عن بطرس غالي :

– قد عشت تحدث للنصارى ألفة    وتجد بين المسلمين وئاما

– ومازال منكم أهل ود ورحمة    وفي المسلمين الخير مازال باقيا

وعندما يجمعهما معا فإنه يخاطبهما باللفظ : يا قوم ، هكذا :

– القوم حولك ياابن غالي خشع    يقضون حقا واجبا وذماما

– الحق أبلج كالصباح لناظر  لو أن قوما حكموا الأحلاما

– يا قوم بان الرشد فاقصوا ما جرى  وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما

     هذا الوعي بخطاب قسمي الأمة كان مهيمنا في فكر شوقي ، بله فكر جيله ، فهؤلاء المصريون ( القوم ) يتكونون من عنصرين هما : المسلمون والنصارى ، هذه القسمة العقلية الواقعية هي التي أحدثت الألفة للنصارى والوئام للمسلمين بفعل قتل بطرس غالي ، قسمة أثر قد لا تكون ثمة قسمة ناتئة فيه ، مثلما هي قسمة موضوع لا نتوء فيه ، هذه القسمة هي التي جعلته يقول ( منكم ) و( المسلمين ) ، بمعنى منكم ومنا ، أنتم ونحن، هذه القسمة التي جعلته لا يجد لفظا لجمعهما معا غير لفظ ” القوم ” ، وكأنه يصعب وضع صفة لتجمعهما معا . إن الوعي بخطاب التقسيم كان مهيمنا في نص شوقي ، فالقوم الذين هم المصريون يتكونون من قسم يوجه الخطاب هم المسلمون ، وقسم يتلقى الخطاب هم النصارى ، بلغة تقسم الخطاب بين فريقين : منكم ومنا ، أنتم ونحن . ولا شك أن هذا الوعي يعد جزءا من الأزمة لذا لا يمكن أن يكون رقما في وعي الحل .

2- قصر شوقي مصطلح القبط على نصارى مصر دون مسلميها ، على خلاف ما قد يكون شائعا الآن من كون الأقباط هم المصريون سواء أكانوا مسلمين أم نصارى . يقول :

– أعهدتنا والقبط إلا أمة   للأرض واحدة تروم مراما

ويقول أيضا :

– بني القبط إخوان الدهور رويدكم   هبوه يسوعا في البرية ثانيا

     ولعل هذا الفهم من قبل شوقي يبين كيف كان ينظر إلى أقباط مصر في زمنه ، لأننا لا يمكن أن نشكك في معرفة شوقي ، وربما كان الوعي بالمصريات لم يكن متاحا مثلما هو الآن . ثمة إذن خطاب كان شائعا يضع أقباط مصر بمعزل عن مسلميها ، وينفي عن مسلمي مصر قبطيتهم ، تماما كما هو شائع الآن . ولعل هذا الفهم يرتبط بما قدم من تفسير للآية القرآنية ” يؤمنون بالجبت والطاغوت ” فالجبت كما تواتر – عند بعضهم – هم القبط، لذا ابتعد ربطهم بمسلمي مصر ، واقترب تماسهم أكثر مع نصارى مصر . إن هذا الفهم أيضا يمثل ضربا في جسد الوحدة بين عنصري الأمة ، مما يجعله سببا من أسباب ازمتها. 

3- استخدم شوقي مصطلح الجوار ولم يستخدم مصطلحا آخر لوصف العلاقة بين النصارى والمسلمين . يقول :

– هذي ربوعكم وتلك ربوعنا     متجاورين جماجما وعظاما

– فبحرمة الموتى وواجب حقهم   عيشوا كما يقضي الجوار كراما

     إن ما قدمه شوقي لوضع تعامل بين عنصري الأمة ، لم يتبد في المصطلح الحديث : المواطنة ، ولا في أي مصطلح آخر ، ولكن تبدى في مصطلح الجوار ، وشتان بين المواطنة في المصطلح الحديث والجوار في المصطلح القديم . إن ما يقدمه مصطلح الجوار رغم أهميته لا يرقى لمصطلح المواطنة .

     ولعل مصطلح الجوار يقترب أكثر من إسلامية شوقي ، لأن خطاب الجوار في الحديث النبوي الشريف ماثل في الذهنية الإسلامية : ” مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ” . لكن أيا كانت حقوق الجار فإنها لا ترقى أبدا لحقوق المواطنة . ولعل هذا الفهم أيضا ، وهذا الفرق أيضا يعدان سببا من أسباب سوء فهم خطاب الأزمة .

4- استخدم شوقي لفظ القتل ومترادفاته في الخطاب عن الحدث الذي دهم بطرس غالي ، ولم يستخدم لفظا آخر يقترب من معنى الشهادة ، كما يلي :

– أنت الحكيم فلا تروعك منية         أعلمت حيا غير رفدك داما

– إن الذي خلق الحياة وضدها      جعل البقاء لوجهه إكراما

– واليوم فوق مشيد قبرك ميتا       وجد الموفق للمقال مقالا

– حملتم لحكم الله صلب ابن مريم   وهذا قضاء الله قد غال غاليا

– سديد المرامي قد رماه مسدد   وداهية السواس لاقى الدواهيا

– ووالله لو لم يطلق النار مطلق     عليه لأودى فجأة أو تداويا

– قضاء ومقدار وآجال أنفس    إذا هي حانت لم تؤخر ثوانيا

– نبيد كما بادت قبائل قبلنا   ويبقى الأنام اثنين ميتا وناعيا

– فلا يثنكم عن ذمة قتل بطرس   فقدما عرفنا القتل في الناس فاشيا

     وكما هو واضح فإن “شوقي” لم يستخدم سوى الألفاظ التالية : منية – الحياة وضدها – ميتا – غال – رماه – الدواهيا – يطلق النار – مطلق – أودى – حانت – نبيد – بادت – ميتا ، ولم يستخدم لفظ الشهادة ولا مشتقاته ولا صفته ولا معناه ؛ الأمر الذي ربما يبين عن توجه شوقي الإسلامي ، حتى تشبيهه لغالي بيسوع لم يتم على سبيل من الشهادة أو الفداء ولكن تم على سبيل من قدرية الموت .

     ولعل هذا الاستخدام يبين عن موقف لا واع، فرويدي ، يجعل الباطن يختار الألفاظ ، ويجعل اللاوعي الإسلامي يعمل فعله في وعي الشاعر ، ومن ثم يتبدل ظاهر الرثاء ومدح الميت إلى بئر عميقة من الرفض ، وربما ما هو أكثر ؛ وإلا ما معنى أن يتغزل شوقي في قاتل بطرس غالي في قوله :

– سديد المرامي قد رماه مسدد   وداهية السواس لاقى الدواهيا

إن الرمية جاءت من مسدد ، داهية ، وكما كان الغزل بميت الذي هو الرثاء في القول : سديد المرامي ، والقول : وداهية السواس ، كان الغزل بحي الذي هو المدح في القول : رماه مسدد ، والقول : لاقى الدواهيا . إن صنيعا كهذا يضع باطن النص في مقابلة من ظاهره ، تماما كما كانت الحال في مدح المتنبي لكافور الأخشيدي .

     أيضا قد لا يكون موفقا من شوقي أن يسوق اللفظ : ذمة ، وكذا قياس الدلالة الهابطة، في البيت التالي :

– فلا يثنكم عن ذمة قتل بطرس   فقدما عرفنا القتل في الناس فاشيا

إن ما هو مقصود ظاهريا من البيت هو : لا تجعلوا القتل يبتعد بكم عن جادة العهد ، وميثاق الأمانة ، وحق الوطن وحرمته ، فالقتل الذي تم كثيرا ما جرى في هذه الدنيا ولم تتوقف جادة الحياة لأجله. لكن سوق لفظ الذمة هنا تعريض ما بعده تعريض بكون النصارى أهل ذمة .

    كذا فإن قياس غفران قتل بطرس غالي بكون القتل قديما كان في الناس فاشيا ، يعد هبوطا بعقل القياس ودلالة إلى أدنى مستوى إقناعي ، يسيء أكثر مما ينفع .

     وبهذا اللاوعي الذي يتبدى في وعي النص ، تبدو مضامين لا تخفى ، هي المقصودة، على خلاف ظاهر يخفى ، ومن ثم يضحى خطاب الرثاء الواضح أشد خفاء من مرام أخرى ، لا تفيد خطاب الأزمة بأكثر مما تضر .

منهج شوقي في معالجة الأزمة :

     قد يكون منهج معالجة الأزمة هو سبب الأزمة ، ولقد حدث ذلك في بعض معالجات شوقي للأزمة ، والغريب في الأمر أن معالجات أي أزمة تنشب بين المسلمين والنصارى، منذ عام 1910م ، عام حادثة قتل بطرس غالي ، هي هي المعالجات التي ربما تتبدى الآن ، ولننظر في تتابع خطوات شوقي في معالجته للأزمة :

الخطوة الأولى : طلب التريث والهدوء والمحبة :

– بني القبط إخوان الدهور رويدكم    هبوه يسوعا في البرية ثانيا

– الحق أبلج كالصباح لناظر   لو أن قوما حكموا الأحلاما

– يا قوم بان الرشد فاقصوا ماجرى   وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما

– فبحرمة الموتى وواجب حقهم     عيشوا كما يقضي الجوار كراما

أو

– تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده    وننبذ أسباب الشقاق نواحيا

     ثمة مدخلان هنا في خطاب ابتداء حل الأزمة ، أوله مباشر ، وهو الأكثر ، مثل : رويدكم – هبوه – فاقصوا – خذوا – وانبذوا – عيشوا – تعالوا – نطوي – ننبذ ، وثانيهما غير مباشر ، وهو الأقل ، مثل : لو أن قوما حكموا الأحلاما .

     والملاحظ أن صيغ فعل الأمر الموجهة إلى الآخر بنكهة التعالي ، هي الأكثر ، مثل : رويدكم – هبوه – فاقصوا – خذوا – وانبذوا – عيشوا ، على حساب صيغ فعل الأمر ، المقدمة بخطاب الجماعة بنكهة الجماعة ، مثل : تعالوا – نطوي – ننبذ .

    ولعمري فإن هذا الأسلوب سبب من أسباب خطاب الأزمة ، إذ يبدأ الخطاب بمحادثة لمدان ، مدان قبلا ، مدان قبل الخطاب ، وما مخاطبته إلا لإثبات هذه الإدانة ، لذا يبدأ الحوار من حروف الإدانة من مثل : رويدكم ، بمعنى أنكم متسرعون ، أرعنون ، لا تتدبرون شيئا مع السرعة ، وعندما يعتقد أن مواجهته للواقع من خلال الألفاظ : تعالوا – نطوي – ننبذ لن تجدي حلا ؛ فإنه لا يهاب أن يلجأ إلى خطاب تخيلي لحل المشكلة ، من مثل : هبوه ، بمعنى افترض أي شيء حتى تحل المشكلة ، وكما يقول المثل الشعبي : ” اللي يقدر ميتعبش ” ، وفي النهاية قد لا يتورع عن تقديم أمر مباشر أو غير مباشر ؛ معرضا وربما مهددا ، من مثل : وانبذوا – عيشوا – لو أن قوما حكموا الأحلاما .        

     ويستكمل شوقي خطواته فيما يلي ، فيما لا يحتاج إلى شرح مني ، لوضوح الدلالة الشعرية الدالة على عنوان الخطوة ، كما يلي :

الخطوة الثانية : رثاء بطرس باشا غالي وذكر صفاته الشخصية الجميلة :

– قبر الوزير تحية وسلاما   الحلم والمعروف فيك أقاما

– ومحاسن الأخلاق فيك تغيبت  عاما وسوف تغيب الأعواما

– قد كنت صومعة فصرت كنيسة  في ظلها صلى المطيف وصاما

– يبكون موئلهم وكهف رجائهم     والأريحي المفضل المقداما

– والرأي للتاريخ فيك ففي غد      يزن الرجال وينطق الأحكاما

يقضي عليهم في البرية أو لهم     ويديم حمدا أو يؤيد ذاما

– أنت الحكيم فلا ترعك منية   أعلمت حيا غير رفدك داما

– قد عشت تحدث للنصارى ألفة    وتجد بين المسلمين وئاما

– واليوم فوق مشيد قبرك ميتا     وجد الموفق للمقال مقالا

أو

– بني القبط إخوان الدهور رويدكم   هبوه يسوعا في البرية ثانيا

– سديد المرامي قد رماه مسدد     وداهية السواس لاقى الدواهيا

الخطوة الثالثة : ذكر تأثر المصريين : نصارى ومسلمين بمصابه وحزنهم عليه :

– القوم حولك يا ابن غالي خشع      يقضون حقا واجبا وذماما

يسعون بالأبصار نحو سريره      كالأرض تنشد في السماء غماما

يبكون موئلهم وكهف رجائهم        والأريحي المفضل المقداما

متسابقين إلى ثراك كأنهم    ناديك في عز الحياة زحاما

ودوا غداة نقلت بين عيونهم    لو كان ذلك محشرا وقياما

ماذا لقيت من الرياسات العلا    وأخذت من نعم الحياة جساما ؟

اليوم يغني عنك لوعة بائس     وعزاء أرملة وحزن يتامى

الخطوة الرابعة : الاتكاء إلى عوامل الربط بين المسلمين والنصارى، والتي يرى أنها ما يلي:

أ- عوامل الربط الديني :

– الدين للديان جلّ جلاله    لو شاء ربك وحد الأقواما

أو

– بني القبط إخوان الدهور رويدكم     هبوه يسوعا في البرية ثانيا

– حملتم لحكم الله صلب ابن مريم   وهذا قضاء الله قد غال غاليا

– ووالله لو لم يطلق النار مطلق    عليه لأودى فجأة أو تداويا

– قضاء ومقدار وآجال أنفس    إذا هي حانت لم تؤخر ثوانيا

ب- عوامل العقل والحكمة والخير :

– والرأي للتاريخ فيك ففي غد    يزن الرجال وينطق الأحكاما

– يقضي عليهم في البرية أو لهم    ويديم حمدا أو يؤيد ذاما

– إن الذي خلق الحياة وضدها   جعل البقاء لوجهه إكراما

أو

– فلا يثنكم عن ذمة قتل بطرس     فقدما عرفنا القتل في الناس فاشيا

– نبيد كما بادت قبائل قبلنا    ويبقى الأنام اثنين ميتا وناعيا

ج- عوامل الربط التاريخي :

– بني القبط إخوان الدهور رويدكم   هبوه يسوعا في البرية ثانيا

أو

– أعهدتنا والقبط إلا أمة   للأرض واحدة تروم مراما

– فبحرمة الموتى وواجب حقهم   عيشوا كما يقأضي الجوار كراما

د- عوامل الربط الجغرافي :

– هذي ربوعكم وتلك ربوعنا    متجاورين جماجما وعظاما

أو

– ألم تك مصر مهدنا ثم لحدنا       وبينهما كانت لكل مغانيا

– ألم نك من قبل المسيح ابن مريم   وموسى وطه نعبد النيل جاريا

هـ- عوامل الربط الاجتماعي :

– القوم حولك يا ابن غالي خشع       يقضون حقا واجبا وذماما

– نعلي تعاليم المسيح لأجلهم    ويوقرون لأجلنا الإسلام

الخطوة الخامسة : تمني المستقبل المشرق :

– تعالوا عسى نطوي الجفاء وعهده    وننبذ أسباب الشقاق نواحيا

– فهلا تساقينا على حبه الهوى    وهلا فديناه ضفافا وواديا

– ومازال منكم أهل ود ورحمة   وفي المسلمين الخير مازال باقيا

– فلا يثنكم عن ذمة قتل بطرس     فقدما عرفنا القتل في الناس فاشيا

وبعد، أرجو أن أكون قد وفقت في عرض المواطنة في شعر الشاعر ، بكل إشكالاتها ، بعرض أمثل ، يليق بعقول القراء .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading