اللون في الدين والأدب والثقافة.. ماذا لو اختفت الألوان من حياة النّاس؟ ✍️محمد ياسين رحمة-الجزائر

للألوان قيمتها الجمالية والفنيّة في حياة الإنسان، ولها دلالاتها ورمزيّتها في الأدب والثقافة والموروث الشعبي.. ويُعتبر الفرنسي “ميشال باستورو” من أبرز الباحثين الذين كتبوا عن تاريخ الألوان وأنجز ما يُعتبر موسوعة في هذا الموضوع، واعتبر بأنّ “الأزرق” هو اللون الأول لدى الغربيين.. وهناك من تناول سيكولوجية الألوان ودلالة وتأثير كل لون في حياة الإنسان عموما، وأيضًا هناك من درس الألوان في الأديان ومعتقدات الشعوب، وعلاقتها بطبائع البشر وميولاتهم، وغيرها من الشؤون والمجالات التي لا غنى عن اللّون فيها.. ومن أجل استكشاف عوالم الألوان وأسرارها في الحياة العربية، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الأدباء والكُتّاب بهذه التساؤلات: ماذا عن الألوان في أدبنا العربي وثقافاتنا الشعبية؟ وما هي الألوان التي اعتمدها الشعراء العرب، وما معانيها ودلالتها في اللغة العربية؟ وما علاقتكم بالألوان، وما هي أحبّ الألوان إليكم؟ وهل فكّرتم في توثيق تجربتكم مع الألوان ودلالتها الشخصية بالنسبة إليكم؟
“إنّ الحياة مثل قبّة من زجاج متعدّدة الألوان تلوّن بريق السَّرمدية الأبيض. هكذا قال الشاعر الإنجليزي (شلي). ومنذ بداية الحياة الواعية ما زال بنو آدم يتفحّصون طبيعة اللون، وخصوصيته، لما رأوا من العجائب في النباتات والجمادات، وفي الحيوانات، وفي الماء، وفي خضرة المزارع وحمرة الورد، وفي زرقة السماء وبياض السحاب، وفي قوس قزح ذي الألوان السبعة”. هكذا افتتح “ألبرت تايلا”، رئيس تحرير المجلة الألمانية “فكر وفن”، مقالته عن “أسرار الألوان” التي نشرها في شهر جوان 1969. ولا يبدو أنّ الإنسان قد توصّل إلى حقيقة الألوان وأسرارها، فهي مرتبطة بالوجود ذاته، وكامنة في صميم العلوم والفنون والآداب، بل هي متأصّلة في كل ما له بعدٌ روحيٌّ، ولها تاريخها في معتقدات الشعوب وتراثها وأساطيرها.. ولا يُمكن بأيّ حالٍ الإحاطة بعوالم الألوان وأسرارها وتاريخها وحتى مستقبلها!
في شهر جوان من عام 1947، نشرت مجلة “الهلال” المصرية مقالا حول “غرائب المعتقدات عن الألوان”، جاء فيه: “يتعذّر على المرء أن يعرف أصول المعتقدات التي تدور حول الألوان، على أنّه قد لوحظ أنّ هناك علاقة بين الأعداد والألوان، فالرقم 4 (أربعة) كان من الأرقام المُقدّسة عند الانسان البدائي، وهو ما حدا به إلى تقسيم الأفق إلى أربعة أقسام (الاتجاهات الأربعة).
وكذلك أعطى لكل اتّجاه لونًا خاصا، فالشرق أصفرٌ كالصباح الذّهبي، والجنوب أحمرٌ كالنار المشتعلة، والغرب أسودٌ كالليل، والشمال أبيضٌ كالثلج. أمّا الأسود فهو لون الحداد عند أغلب الشعوب، ولم يشذّ عن هذا الإجماع إلّا الصينيون وبعض العرب القدماء.
وللألوان أهمية خاصة في كنائس بعض الطوائف المسيحية، فالحلّة الكهنوتية التي يرتديها القساوسة في الصلاة الجامعة يختلف لونها حسب المناسبة التي تُقام فيها الصلاة، فتُلبس الحلّة الحمراء عند الاحتفال بالشهداء، والبيضاء للعذارى، والبنفسجيّة في أيام الصيام، والخضراء في الأيام التي ليست لها مناسبة خاصة.
ولما كان اللون الأبيض ذا صلة بالعذارى، فقد أجمع الناس على اعتباره لونا للباس العرس، ومن المعتقات الشائعة أنّ ارتداء العروس للملابس الخضراء مجلبةٌ للشقاء وسوء الحظ في الحياة الزوجية.
ويتشاءم الأوروبيون من القطط السوداء، إذ من المعتقد أنّ الشياطين تتقمّص في صور قطط سوداء ولذلك يتجنّبون الاحتفاظ بها في منازلهم، بينما نجد بعض الأمم الأخرى تتفاءل بها. ويُعتبر اللون الأصفر في الصين هو اللون الإمبراطوري، ولهذا لا يُسمح لأىّ فردٍ خارج البلاط الإمبراطوري الصيني بارتداء أيّة ملابس صفراء اللهم إلّا للذين تجاوزَت أعمارهم الستّين احترامًا لشيخوختهم”.
الألوان هي الحياة وهي الجمال ولعلّها من أعظم النّعم التي لا يكاد يشعر بها “المُبصرون”، فماذا عن المُصابين بـ “عمى الألوان” الذين لا يكادون يميّزون بين بعض الألوان؟ وماذا عن الذين حُرموا من رؤية جميع الألوان؟ هذه الأمريكية “هيلين كيلر” (1880 – 1968) فقدَت حاسَّتَي السّمع والبصر في بداية حياتها، غير أنّها استطاعت أن تكون من أشهر الأدباء والكُتّاب في العالم، قالت عن علاقتها بالألوان: “إنّ الألوان التي تهزّ العالم الذي أعيش فيه هي زُرقة السماء، وخُضرة الحقول الناضرة التي أحسّ بها كما أحسّ بقيّةَ الألوان، والشمس لا تضيء بصري وكذلك وميض البرق، والأشجار لا ترى خضرتها الزاهرة في الربيع، ولكن كل هذه الانفعالات اللونيّة مازالت تعيش معي، ولولاها لأصبح العالم الذي أعيش فيه، قاحلًا يحيط به الظلام من جميع الجهات”.
وهذا الشاعر “أبو العلاء المعري” يقول: “… وبصري عن الإبصار كليلٌ، قُضِي عليّ وأنا ابن أربعٍ، لا أفرّق بين البازل والرّبع” (يقصد الجمل الكبير الذي بلغ تسعة أعوام، والجمل الصغير الذي لم يجاوزه عامه الأول). فقد أصيب “المعري” بمرض الجدري فذهب بصره، واحتفظت ذاكرته “اللونيّة” بلون واحد هو الأحمر لأنهم ألبسوه حين جُدِر ثوبًا مُعصفرًّا، كما قال. ونعتقد أنّ موضوع الألوان عند فاقدي حاسّة البصر من الموضوعات الجديرة بالدراسة لا سيما عند الأدباء والكُتّاب والشعراء وغيرهم من المبدعين ذوي العلاقة مع الخيال الخلاّق!
من المُجدي أن نتوجّه إلى القارئ الكريم بهذا السؤال: منذ متى لم تر السماء الليلة بنجومها المتألّقة وقمرها المنير؟ في بعض الدول الغربية أقاموا جمعيات من أجل “حماية” السماء الليلية والاستمتاع بسوادها وما تناثر فيها من ألق النجوم، وفي أمريكا أسّسوا “الجمعية الدولية للسماء المظلمة” بهدف “حماية الليل والبيئة وتراث السماء عندما تكون مظلمة من خلال محاولة تحسين نوعية الإضاءة نهارًا في الهواء الطلق”.. إذًا، عزيزي القارئ حاول أن تستمتع بالألوان الطبيعية في النهار وفي الليل، فقد يأتي زمنٌ تفقد فيها الطبيعةُ ألوانَها، وتشيع الألوان الاصطناعية أو يسود “عمى الألوان”.. من يدري؟! وقبل أن يأتي ذلك الزمن، ندعوك أن تُبحر مع الألوان في هذا الملف..
الايام



