الكتب التي توقظ الوعي نادرة – أ. د. عبدالجبار الرفاعي

الفلسفة تجعلنا نرى الذات والآخر والعالم من حولنا ببصيرة حاذقة، وتحطّم السلاسل المقيّدة بها أدمغتنا، أحيانًا قراءة فكرة لفيلسوف تفتح لك بابًا للعبور ومن ثم للنظر العميق في أفكار ومقولات ومعتقدات لبثت تتحكم بعقلك سنوات طويلة من عمرك. أتذكر عبارة لفيلسوف الأنوار #إيمانويل_كانط يصف فيه قراءته لديفيد هيوم: “أيقظني مِن سُباتي الدوغمائي”. أتذكر رأيًا لجورج طرابيشي، قرأته قبل أكثر من 40 سنة، في مجلة الوحدة المغربية، في مراجعة كتبها بعد قراءته “تكوين العقل العربي” لمحمد عابد الجابري، فقال ما مفاده: “هذا كتاب يغيِّر، خرجت منه بعد قراءته وانا غيري حين دخلته”، وإن نقد طرابيشيلاحقًا هذا الكتاب وغيره في كتابه الذي صدر في أربعة أجزاء: “نقد نقد العقل العربي”. أنا شخصيًا فتحت لي بابًا للعبور والنظر العميق في الأيديولوجيات الأصولية والقومية والبنى الواحدة لهما، وفضحتْ قناعات راسخة في ذهني، قراءةُ صفحة ونصف من كتاب #محمد_عابد_الجابري: “الخطاب العربي المعاصر”، الذي قرأته بطبعته الأولى سنة صدوره 1982 عن دار الطليعة ببيروت، ففوجئت بقرائته الحاذقة وكشفه التوافقَ حدّ التطابق، لتضخم الذات وتوهم “قيادة الإنسانية” في رؤية سيد قطب، وهو أشهر منظّر عربي للإسلام السياسي، في كتاب: “معالم في الطريق”، ورؤية منيف الرزاز وإلياس فرح وغيرهما من أبرز منظّري حزب البعث بكتاباتهم. كنت قبل ذلك على قناعة موهومة بالاختلاف الجوهري بين أيديولوجيا حزب البعث القومي العلماني وأيديولوجيا الإسلام السياسي الأصولية، إلى أن قرأت كلام الجابري فاستفقت، وحين رجعت إلى نصوص الأيديولوجيتين تمزّق الوهم تمامًا لحظة اكتشفت التطابق في البنية المشتركة للتفكير ومنطلقاتهما وما ينشدانه، ومنذ ذلك الوقت وأنا أرصد تطابق الرؤيتين والمسارين والتجربتين والمآلين، وأساليب التعبئة والتحشيد المتقاربة لكلٍّ منهما، وما أحدثاه بتجربتَي حكمهما العنيفة لبعض بلادنا العربية من مصادرةٍ للحريات والحقوق، ومن مآسٍ وبؤس وكوارث لم نخرج منها حتى اليوم…





