الإشاعة والأدب نوع مستضام ومنهج مفتقد-د. سعيد شوقي

أستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية
هل فكر مكترث عربي في مقاربة الإشاعة بوصفها نوعا أدبيا مستقلا له بنية ذاتية وسمات خاصة؟ أو في ملاحظة سبل تعالقها مع أنواع أدبية أخرى؟ أو في تأمل نهج تفسيرها لبنية نوع أدبي ما تخلو من الإشاعة في ضوء إشاعة ما؟ إن دراسة الإشاعة بهذه الأفكار تكاد تكون منعدمة في العربية؟
ولتفهم جدة وصف الإشاعة في علاقتها بالأدب بأن نوعها مستضام ومنهجها مفتقد؛ يجب أن نعرّج على أنواع أدبية شعبية ومنهجية تعد مع الإشاعة بحق إخوة لعلاّت، وهي الأسطورة والحكاية الشعبية والحكاية الخرافية، إذ إن أصلها الشعبي واحد وفروعها شتى.
فلقد قوربت ولوحظت وتؤملت كل من الأسطورة والحكاية الشعبية والحكاية الخرافية بمحاور الأفكار الثلاثة دون صنيع شبيه لنوع الإشاعة ومنهجها.
فالأسطورة، قوربت نوعا أدبيا؛ بتحديد معناها وبنيتها وسماتها، وفي كتاب: الأساطير العربية قبل الإسلام لمحمد عبد المعين خان مثال لهذا. ولوحظت تعالقا، وفي كتاب: الأسطورة في الشعر العربي المعاصر للدكتور يوسف حلاوي مثال لهذا أيضا. وتؤملت تفسيرا لبنيات غير أسطورية قارة في نصوص أدبية بطريقة أسطورية. ويتجلى هذا في كل ما قُدّم من تفسير أسطوري للشعر القديم، وهو مجال ممتد، وبحوثه جمة، وفي هذا النهج لا توجد أساطير مباشرة يمكن الإحالة عليها ولكن توجد نصوص عادية جدا، تُفسّر تفسيرا أسطوريا، مثل كتاب: المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي لعبد الفتاح محمد أحمد.
والحكاية الخرافية؛ قوربت بوصفها نوعا أدبيا؛ بتحديد معناها وبنيتها وسماتها، وفي كتاب: مدخل لدراسة الفولكلور والأساطير العربية لشوقي عبد الحكيم مثال لهذا. ولوحظت تعالقا، وفي مقال: توظيف الخرافة الشعبية في شعر الجواهري لسمير الخليل ورفل الطائي مثال لهذا أيضا. وتؤملت تفسيرا لبنيات غير خرافية قارة في نصوص أدبية بطريقة خرافية، مثلما ذُكر في الجمهرة : “إن لافظ بن لاحظة هو صاحب امرئ القيس، وهبيد صاحب عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم، وهاذر بن ماهر صاحب زياد الذبياني، وهو الذي استنبغه وهو أشعر الجن وأضنهم بشعره؛ فالعجب منه كيف سلسل لذبيان به؟”.
والحكاية الشعبية؛ قوربت بوصفها نوعا أدبيا؛ بتحديد معناها وبنيتها وسماتها، وفي كتاب: أدب الحكاية الشعبية لـغراء حسين مهنا مثال لهذا، ولوحظت تعالقا، وفي كتاب: توظيف التراث الشعبي في الرواية العربية للجيلالي الغرابي مثال لهذا أيضا. وتؤملت تفسيرا لبنيات غير شعبية قارة في نصوص أدبية بطريقة شعبية. ولقد بدأ هذا مع كتاب: النظم الشفوي في الشعر الجاهلي لجيمس مونرو، حين دشّن تفسيرا شعبيا لا ذاتيا للشعر الجاهلي، غدت معه القصيدة الجاهلية أغنية شعبية، منتقلة إلى حقل البحث في الأدب الشعبي، وهذا طرح صادم وغريب لأنه يجعل امرأ القيس وغيره منشدين لا مبدعين. ولم يكن هذا الطرح عابرا فلقد نوقشت رسالة دكتوراه أخرى لمايكل زويتلر حول الموضوع نفسه عام1972م، وفي عام1976م نشر مايكل دونلد دراسة عن الموضوع نفسه أيضا.
وإذا كانت الحال كذلك؛ فلماذا لا تصير الحال نفسها مع الإشاعة؟ وتقارب وتلاحظ وتتأمل بمحاور الأفكار الثلاثة كإخوتها العلات .
والحق أن ما وجد لمقاربات الإشاعة في العربية تمّ بعيدا عن مقاربات الأدب؛ عبر علوم الاجتماع والنفس والإعلام والأمن والسياسة والقانون وتفسيرات الأديان، كما د.محمد أحمد النابلسي: سيكولوجية الشائعة، ود. إبراهيم مبارك الجوير: الشائعات ووظيفة المؤسسات الاجتماعية في مواجهتها، ود.محمد سيد طنطاوي: الإشاعات الكاذبة وكيف حاربها الإسلام، وأساليب مواجهة الشائعات: أعمال ندوة مقدمة من مجموعة من الباحثين، نشر مركز الدراسات والبحوث أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.
هذا ولا ريب أن دراسة الإشاعة الشعبية التي نريدها بمحاورها الثلاثة تغاير دراسة الوشاية الذاتية، مثل ذلك النص الشعري الشهير الذي قاله النابغة الذبياني؛ يعتذر فيه للنعمان بن المنذر، فيما قيل أنه وصف لزوجته المتجردة، وكان سببا في الوشاية:
سقطَ النصيفُ ولم تُرد إسقاطَه *** فتناولتْه واتقتنا باليدِ
والحق أننا لم نجد عند المحدثين مقاربات للإشاعة في علاقتها بالأدب اللهم إلا دراسة بعنوان: الإشاعة والنص الأدبي، مقاربة أولية، مجلة كلية الآداب، جامعة الزقازيق، العدد(67)، أكتوبر/ديسمبر2013م، حاول فيها مجريها؛ صاحب هذا المقال، أولا، رصْدَ الإشاعة من زاوية أدبية خالصة؛ لغة واصطلاحا وبنية لأركانها الستة: أحداثا وشخوصا وزمانا ومكانا ولغة وشكلا، وثانيا، تتبعَ تعالقاتها مع نصوص شعرية وسردية. مثّل الشعري منها نماذج من الشعر الحديث؛ لأحمد عبد المعطي حجازي، ونزار قباني، ومثّل السردي منها نموذجا لقصة “حادثة شرف” القصيرة ليوسف إدريس، عبر إجراءات توضح كيفية نقل بنية الإشاعة إلى بنية النص وتبين بنية الإشاعة؛ اسما ونصا، أو آليات عمل، أو آليات مواجهة في بنى النص وتوصّف جدلية تفاعل بنية الإشاعة مع بنى النص وتكشف تعالقات تشكلية وجماليات نصية سبّبها التفاعل النصي مع بنى الإشاعة؛ ليتوصل من خلالها إلى أن التعالقات تمت بطريقتين: الأولى: بناء الإشاعة في النص من خارجه، عبر أنماط أربعة: بناء الإشاعة في النص من خارجه باسمها فقط وبناء الإشاعة في النص من خارجه بنص حكايتها في الخارج وبناء الإشاعة في النص من خارجه بآليات عملها الوظيفي وبناء الإشاعة في النص من خارجه بآليات مواجهة لآليات عملها الوظيفي. والآخرة: بناء الإشاعة في النص من داخله، عبر نمط واحد: بناء الإشاعة في النص عضويا من داخله. وثالثا، تفسيرَ بنيات نصوص لا إشاعة فيها بطريقة إشاعية خالصة من خارجها. من ذلك مثلا شعر حسان بن ثابت في السيدة عائشة:
حصان رزان ما تُزَنّ بريبة *** وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل
إذ لا يمكن حقا تفسير هذه الأبيات لغويا إلا بالأوبة إلى الإشاعة الخارجية، ولو قرئت بمعزل عنها لا تفهم حق الفهم.
ذلك أن القارئ للأبيات بلغة النص فقط متخطيا حادثة الإفك لاريب سيبتعد عن دلالات سببية منطقية مضمرة في مواضع بعينها من النص، تولدت فيه جراء انبثاق القصيدة من حادثة الإفك نفسها.
لكن بالعودة إلى حادثة الإفك سيضبط السياق دقة معاني الكلمات ويجعلها مرتبطة بما حدث فعلا، على مستوى بناء الإشاعة بأركانها الستة.
إن أي تحليل للأبيات سيكون تحليلا لغويا صرفا، إذا لم يربطها بحادثة الإفك مباشرة رغم عدم تحققها عضويا في الأبيات، إذ إن بناءها خارجي، ما قبلي لصياغة الأبيات؛ بمعنى أن وجودها خارج النص، لكنها تعمل بصْمتَها في النص بحكايتها كاملة، ولا مجال لتلق حقيقي للأبيات إلا بسياق الحادثة، وهذا هو مفهوم استخدام الإشاعة بوصفها نهجا خارجيا في التفسير.
وإذا كان ثمّ تبئير في الختام فليتمثل في لفت الأنظار إلى فتح مجال البحث مستقبلا أمام الإشاعة في علاقتها بالأدب؛ ليستغرق حضور نوع بنيتها في ذاتها ولتنعدم استضامتها، وليكشف جلي وخفي تعالقاتها مع أنواع غيرها، ليس هذا فقط، ولكن ليتسع نهج تحليلها أكثر؛ ليصير أبعد تأصيلا، ولينفصل بذاته ذات يوم، وليصبح مسماه، خاصا به، مقتصرا عليه، هكذا: المنهج الإشاعي في مقاربة النصوص الأدبية؛ حتى نتوقى افتقاده.





