صنائع محمد السرغيني: عقلنة الشعر ووجدنة الفلسفة
عبداللطيف الوراري

انقطعت عني أخباره قبل عشرة أعوام؛ أي منذ لقائي به في مدينة المضيق بمناسبة انعقاد مهرجانها الشعري المتوسطي، الذي احتفى بتجربته الشعرية المديدة: قيل إنه رجع إلى فاس، وقيل إنه اعتزل زعيق العصر في جبل قاف، وقيل إنه سار في موكب الصمت الذي شده دائما، وأطعم الطيور التي معه من «احتياطي العاج». خلال أيام المهرجان، حرصتُ أن أكون قريبا منه، أصغي إليه وأتسقط لُمع الحكمة الشاردة من فمه. لا أنسى وهو يتمشى بتثاقل في معطفه الأزرق الغامق، وأحيانا يتحامل على نفسه، كيف يستأنف الشاعر وعده ويبذره في أرض ضيقة. ورغم الوهن الذي أناخ بكلكله عليه، كان ما زال يتمتع بذاكرة قوية، ويتحدث بجدوى الشعر في زمن لا شعري، ثم يتوقف على حين غرة؛ كأن طائرا قَدِم للتو من إحدى قصائده ليخبره بِسر ما.
التلقي الشاق
على غرار أبناء جيله بدأ محمد السرغيني (فاس 1930) رومانسيا كما يفصح عن ذلك ما سمّاه «ما قبل الأشعار الأولى»، التي كان يُوقعها باسمه المستعار محمد نسيم. وفي «الأشعار الأولى» نعثر على بدايات تشكل الأسلوب الشعري عنده، وهو يمتد -زمنيا – ما بين أربعة وخمسين وسبعة وستين من القرن الفائت. وفي هذه الحقبة الخصيبة من عمره، وكان بعضه يتشكل في بغداد بوصفها قطب رحى التحديث الشعري والفني، يقف الشاعر في طليعة الشعراء المجددين الذين فتحوا تجاربهم لسنوات طوال على رياح الحداثة التي كانت تهب على وتائر من المشرق والشمال، على حد سواء، وأفادوا بها نسغ القصيدة المغربية أيما إفادة.
من الدال أن محمد السرغيني لم تظهر مجموعته الشعرية الأولى: «ويكون إحراق أسماءه الآتية» إلا في عام 1987، أي بعد أربعين عاما من الحضور في الشعر وعبره، لتتوالى مجاميعه – كشوفاته الشعرية ابتداء من عناوينها الفريدة: «بحار جبل قاف» 1991، «الكائن السبإي» و«وجدتك في هذا الأرخبيل» 1992، و«من فعل هذا بجماجمكم» 1994، «احتياطي العاج ومن أعلى قمم الاحتيال» 2000، وليس آخرها «تحت الأنقاض فوق الأنقاض» 2012. عندما نتأمل هذا المنجز الشعري، نتساءل: هل ينطوي على تجربة شعرية وحسب، أم الأمر بالأحرى يتعدى إلى غيرها، أشق وأدعى للنظر؟
في الحقيقة، لا أعرف في تاريخ الشعر المغربي الحديث، وقد يكون له نظراء قِلة في الشعر الإنساني، شاعرا يهابه النقاد ويتهيبون الدخول إلى شعره مثل محمد السرغيني، وهم يعلنون عنه صراحة. فهذا حسن الغرفي، يقول: «يظل النص الذي يكتبه محمد السرغيني عصيا متمردا لا يسلس القياد للقارئ وللناقد معا، إذا لم يكونا على بينة من مفاتيح مغاليقه»، ويرى حسن مخافي: «أن النقد لم ينصف شعر السرغيني، لأن قصائده تتمنع عن المقولات والمفاهيم المسبقة»، فيما يتحدث رشيد المومني عن «تجربة شاعر عودنا على ممارسة انزياحاته العظمى عن المدونة الشعرية المعاصرة، بموازاة ما يُصدره من دواوين لا مجال لإخضاع هندستها إلى أي قوانين نظرية». وحين نقلت هذا السؤال إلى الشاعر نفسه، قال لي: «إن الذين يضعون مثل هذه الأسئلة يعتبرون أن الشعر شبيه بحلوى نأكلها ونحس إحساسا ماديا بحلاوتها، وبعد مُضي وقت زهيد تنتهي هذه الأشياء. ولكن الشعر يجب ألا ينتهي نهائيا، فهو كائن متطور، أنا أكتب الشعر، وأما الذين يتهمونه بالغموض أطلب منهم، بكامل اللياقة، أن يوسعوا مداركهم، وأن يُرمموا بناءهم المُتصدع». فالعلاقة المتوترة بين الطرفين (الشاعر/ المتلقي) التي تشبه تنازُعا على أرض ملغومة، إنما ترجع إلى مفهوم الشاعر للكتابة الشعرية، وإلى المصادر المتنوعة التي ينهل منها ويثقفها إلى حد يجعل من تلك الكتابة فسيفساء فريدة أو كتاب صنائع. آراؤه وتصوراته بخصوص الكتابة نفسها، التي يعلنها في بعض حواراته بطريقة تكشف عن عدم الفصل بين تأمل النظرية والممارسة داخل فكره الشعري.
حاضنة الصنائع
لكل شاعر رؤية ما إلى القصيدة التي يكتبها، وكانت للشاعر محمد السرغيني رؤيته الخاصة بما يكتبه؛ وهي رؤية مُفارقة وغير سكونية، لم تكن تطمئن إلى حال أو جهة، فكان القلق ميسمها الأبرز. وبالتالي، لا يمكن أن نفصل خواص هذه الرؤية المركبة والمتشعبة عن الاتجاهات والروافد التي تشكلت منها طوال مسارها. فقد كان أول مساره مهجريا يعكس وجدانا رومانسيا ينحو نحو الأنا الجمعي، ثم انعطف إلى الواقعية في سياق الالتزام الأيديولوجي مع ما فيه من وهم التكفير، عن إثم التأمل الهارب من الزيف إلى المثال، قبل أن يلوذ بالصوفية باعتبارها رؤيا ولغة وفكرا، لا استنساخا أو ممارسة سطحية يقصد بها الإبهار المؤسس على فراغ. وإذا كان المرجعان الرومانسي والواقعي، قد وليا إلى غير رجعة، فإن المرجع الصوفي مثّل لتجربة الشاعر مختبرا حيا للصور والاستعارات والرؤى، بشكل جعل من بنية التجربة بنية متشعبة ومنفتحة على كل الأزمنة والأمكنة والاحتمالات، على نحو يمتحن آلية الكتابة ويضعها وجها لوجه أمام علل وجودها.
فقد مثلت الصوفية للشاعر رؤية تحمله على تخصيب المتخيل الذي به يرمم إيهامات الحس باستيحاء الحدس، عن طريق استثماره لعناصر تثقيفية يستدعيها من تاريخ الكدح الفني والعقلي البشري (فنون، إيديولوجيات، أساطير، أديان، أقوام وحضارات، علوم، أسماء أعلام وأماكن، عصور)، ويدمجها في بنية جديدة قادرة على تطويع القوالب القديمة لتعبير أكثر معاصرة، وعلى التعامل معها تعامُلا دلاليا يكتسب قيمة الرمز حينا، وقيمة الممارسة اليومية اللغوية حينا آخر؛ فيحصل أن تتعايش أمشاج وخطابات معرفية وكتابية متنوعة من الشعر، والمسرح، والنثر العلمي، والأمثال الشعبية، والمقولات الفلسفية، والمصطلحات الصوفية وغيرها.
ومثل هذا السدى المُركب انعكس، بجلاء، على أوضاع أنا الشاعر، وشرط حضورها ومسعاها الجاد للبحث عن المعنى والمغامرة فيه، إلى حد وضع أنويتها على حافة التباس المحسوس بالمجرد أو العقلاني باللاعقلاني، ووجدت نفسها تتذاوت مع أنوات أخرى تنتشلها من متاهة وجدانيات حسية وروحية وتسافر بها في حدوس هلامية جديدة، من دون أن تستنفد معناها داخل التجريد العاطل، وهي لشخصيات وأعلام قديمة وحديثة، مرجعية ومتخيلة. ولهذا ينبغي أن نفهم ما يعنيه الشاعر بـ«عقلنة الشعر ووجدنة الفلسفة» ويعمل بينهما؛ فالشعر في نظره يمكن أن يمتح من العقل، بقدر ما يمتح من الوجدان، ولكن بكيفية تكون فيه نسبة العقل أرجح، بخلاف ما سار عليه معظم الشعر العربي. ولم يتحقق له ذلك إلا بانفتاح الشعر على التصوف والفلسفة، مع ما يُتيحانه له من معين حسي وعقلي وتخييلي على ضوئه يبني الشاعر قصيدته الخاصة، وفق مراتب متراكبة ومُركبة تجري على نسق مخصوص ومسافات بين المحسوس واللامحسوس، وبين الظاهر والباطن، محاكاتية بقدر ما هي كثيفة في القول والتصور، تستوعب كثافة العلاقات اللغوية واتساعها، بقدر ما تعيد اكتشاف العلاقة بين المتماثلين أو المتناقضين، وتجعل المستحيل ممكنا، والغائب في حالة حضور ومشاهدة، أو في حالة تمثل في الذهن المجرد، بقدر ما يحطم ذلك كلهُ نسقَ العلاقات المتعارف عليه بين الدال والمدلول، والجاري وفق تسلسل ينتظمه «كوجيتو» ما يتوسل إلى استعمال أقيسة منطقية.
فمثلا، ليس للتشبيه من مسوغ مادي يسهل إنجازه، ولا للمجاز قرائن مألوفة توائمه وتجعله مقبولا لدى القارئ، وغيرها من الوجوه البلاغية التي تطرد في صور قصيرة ومعبرة قلتْ فيها الروابط اللغوية، إلى حد يقلص من الطابع المنطقي للخطاب، ويستبدل بهذا الطابع طابعا معقوليا يحد من «وَجْدنة» الكتابة ويستغني عن الحسية المبالغ في استغلالها إلى حد التسطيح. وعليه، داخل مختبر كتابي مثل هذا، نفهم ما معنى الغموض، الغموض العضوي الذي ينبع من رحم التجربة ويتجلى عفو الانفعال بها. مثلما أفاد الشاعر من ثقافته البصرية، التي تصير لخطورتها في مختبر الكتابة مرجعا من مراجعها الأساسية. فمن خلال المرجع التشكيلي، يتم له أن ينقل أطر الصورة إلى فضاء آهل بالمعرفة والعرفان، حيث يمتد الخيال ويتوسع في مجال خرق العادة، وأن يعمل- بموازاة ذلك- على تشفيف المرئي، أي تشفيف كثافة السطح وسمكه وإحداث القطيعة مع المنظور الذي يقف عند حدود المادة. إنه يصدم ويفتن في آن.
وإذا كان من أهم ما يتقصده الشاعر في كتابته هو خرق العادة الذوقية والمعجمية والأسلوبية عبر قانون التجاوز، إلا أنه لا يُفرط في اللغة قيد أنملة، فهو يعنى بأفانين القول، وقد أُحْكم بناؤه تبعا للأصول المرعية، ولا يقعد عن تطعيمها بأشكال جديدة تقترحها بنيات اللغات المعاصرة، وكأنه بذلك يغالب تيار العُجمة الذي انحدرت إليه هذه اللغة اليوم. ولئن كان يُقر بصعوبة تعريف شامل لشعر شاعر مثله مثلت الكتابة عنده سيرورة من الإبدالات والقطائع، فإن الشعر- في نظره- انسجامٌ عام قبل أن يكون معطى نسقيا خاصا باللغة وحدها. مفهوم عام يسري على جميع أنواع الإدراك بالحس والحدس، ويسري على المباشر واللامباشر من المدركات، وهذا ما يؤهله للتعايش مع العابر نصي، مع داخل اللغة وخارجها في آن بشكل غير قابل للفصل. وبهذا الفهم الذي يكشف عن خصوصية الكتابة وتشعبها، من الطريف أن نشير إلى أن الشاعر محمد السرغيني لا يكتب إلا عبر وتائر ومراحل متبلورة قد تدوم أياما عددا، تحكمها آليات التحكيك والمعاودة والتثقيف التي تنتهي فيها حركات الأنا وسكناته إلى تعقيل يخفف من غلواء اللاوعي، ويساوق اندفاعه الباطني الذي يغنيه الأنا عن أي محفز خارجي. فالكتابة عنده صنعة كاملة وليست ضربا من الإلهام والشطح النافر، وبالتالي تبدو أكثر مادية توثق العُرى بين حواس الأنا وحدوسه بكثيرٍ من الحذر والأناة.
كاتب مغربي






