دراسات أدبية

شعور الإنسان المعاصر بالعزلة بين مسرحية شريط كراب الأخير لبيكيت، ومسرحية الساكن الجديد ليونسكو

f1c4f51dba421e30f7d3b84596f8782804a3dfc3

ا.د علي خليفة

لا شك أنها سمة واضحة في أكثر مسرحيات كتاب مسرح العبث، وهي أنهم يظهرون الشخصيات فيها غير قادرة على التواصل الحقيقي مع غيرها؛ لشعورهم بالاغتراب والانعزال، ولإحساسهم بأن اللغة لم تعد وسيلة جيدة للتواصل، بل إنها فقدت قدرتها على التعبير الحقيقي، والتواصل الفعال بين المتحدثين بها.

وقد أدى عدم قدرة شخصيات مسرحيات العبث على التواصل مع غيرهم أنهم صاروا يشعرون بالعزلة، وتضخم هذا الشعور لديهم عما شعر به أبطال مسرحيات الكتاب الوجوديبن السابقين عليهم كسارتر وكامي، ونتج عن ذلك أننا صرنا نرى كثيرا من الشخصيات في مسرحيات كتاب مسرح العبث منزوين عن العالم الخارجي، ومنطوين على أنفسهم، ومنهم من حاول مد جسور التواصل مع من حوله، ولكنه فشل في ذلك، ومنهم من لم يحاول ذلك، واتخذ قراره بالانزواء والانعزال بعيدا عن الجميع؛ لأنه لا يرغب في ذلك التواصل معهم، ويرى أن هذه العزلة التي فرضها على نفسه هي السبيل الوحيد للحياة؛ لشعوره بأن أي تواصل مع الآخرين سيكون زائفا، ولأن لغة التواصل قد فقدت القدرة على التعبير الحقيقي.

وتعد مسرحية شريط كراب الأخير لصمويل بيكيت، ومسرحية الساكن الجديد ليوجين يونسكو معبرتين بشكل واضح عن انعزال الإنسان المعاصر عن غيره، وعجزه عن التواصل الحقيقي مع أي أحد.

وفي مسرحية شريط كراب الأخير نرى الشخصية الوحيدة فيها – وهي كراب العجوز – يعيش في بيته الضيق، ويتصرف فيه بشكل بوهيمي، فهو يرمي قشر الموز به، ويلقي بزجاجات الخمر الفارغة في أنحائه، ويبدو هو في هيئته قذرا، كما لو كان يعيش في برميل للقمامة – ولعل هذه هي نظرة بيكيت للإنسان بعد الحرب العالمية الثانية – وكراب العجوز لا يستطيع أن يتكلم بسهولة؛ لوجود علة في لسانه – مما يدل على عجزه عن الكلام، والتواصل مع غيره – ولا يجد كراب في يوم الاحتفال بعيد ميلاده أحدا يكلمه سوى نفسه – ولعله عاجز في هذا أيضا؛ بسبب ما أصاب لسانه من عجز – وكل ما يفعله كراب في ذلك اليوم أن يضع في مسجله بعض الشرائط التي سجلها في الماضي، ويعيد الاستماع لها، ومنها نتعرف على جوانب من فشله، فهو قصاص فاشل، وقد مر ببعض التجارب العاطفية الفاشلة، وتراكم هذا الفشل عليه حتى صار – كما ذكرت من قبل – كأنه يعيش في برميل للقمامة، وأصابت لسانه علة، فصار يتهته حين يرغب في الكلام.

فكراب هنا شخص حاول التواصل مع الناس في الماضي، ومر بتجارب فاشلة كثيرة في محاولته التواصل معهم، وارتضى لنفسه العزلة في النهاية، وأصابت لسانه علة جعلته يتهته حين يتكلم؛ لأنه لم يعد يرى للكلام به أهمية، وقد اتخذ – في النهاية كما رأينا – قرار الانعزال عن الجميع والعيش وحده.

أما الساكن الجديد في مسرحية الساكن الجديد ليونسكو فهو – كما يبدو لي – لم يمر بالتجارب الفاشلة التي مر بها كراب، وجعلته ينعزل بعدها عن الجميع، ولكن ذلك الساكن الجديد غير قادر بالأساس على القيام بهذه التجارب؛ ولهذا نراه في هذه المسرحية يسكن بيتا، ويقيم أسوارا داخلية فيه؛ لتحميه عن أي تواصل مع غيره، ونراه ينبذ الجارة الفضولية التي رغبت في التواصل معه، ويعرفها أنه غير راغب في التداخل معها أو مع غيرها.

وهذا الساكن الجديد هو أكثر رغبة في العزلة والانطواء على نفسه من كراب – في مسرحية شريط كراب الأخير- وهو يمثل رؤية يونسكو – كاتب هذه المسرحية – في تعبيره عن أزمة الإنسان المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية، وما سببته من فظائع للبشرية؛ في عجزه عن القدرة على التواصل الفعال مع غيره، وشعوره القوي بالعزلة والانطواء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading