صورة الأقزام في أدب الطفل -ا.د علي خليفة
(١)
للدكتور علي الراعي مقال مهم نشره في أحد أعداد مجلة الهلال – وكان هذا العدد عن الفكاهة – وكان عنوان هذا المقال: ضحك يحيي وضحك يميت، وقد عنى الدكتور علي الراعي بالضحك الذي يحيي كل مايتسبب في الضحك بوسائل لا تخدش الحياء، وليس فيها سخرية أو إهانة من أحد، في حين أنه عنى بالضحك الذي يميت تلك الأنواع الفجة التي يلجأإليها لتثير الصحك؛ كالسب والشتم والضرب للآخرين، والسخرية من الأشخاص المصابين ببعض العاهات والأمراض، وما شابه ذلك.
كما أذكر في هذا الصدد كتاب البرصان والعرجان للجاحظ الذي ذكر الجاحظ في مقدمته أنه ألفه ليذكر كل عربي نابغ ومتميز أصيب بعاهة من العاهات أو أحد الأمراض المزمنة، ولم يعقه ذلك عن إبراز تميزه وتفوقه في أي مجال من المجالات خاصة في مجال الأدب كالشعر والخطابة، وذكر الجاحظ في مقدمة هذا الكتاب أيضا أنه يرفض المنهج الذي سار عليه الهيثم بن عدي الذي ألف كتابا في هذا الموضوع، ولم يكن له من غرض فيه سوى السخرية من رجال العرب البارزين الذين أصيبوا ببعض العاهات أو الأمراض المزمنة، وذكر الجاحظ أن ميول الهيثم بن عدي الشعوبية هي الدافع الأساسي لتأليف كتابه ذلك بهذا الشكل.
(٢)
والأقزام أكثرهم لهم مواهب يتميزون بها عن كثير من الناس، وهم موصوفون أيضا بالظرف، وسماحة النفس، والرغبة في مساعدة الآخرين، وتقديم العون لهم، وهذه هي الصورة التي يظهرون بها في الأدب الموجه للطفل منذ القدم.
فنرى في القصة الشعبية العالمية أميرة الثلج والأقزام السبعة أن الأقزام السبعة فيها هم الذين وقفوا بجوار أميرة الثلج أمام محاولات زوجة أبيها الساحرة للنيل منها، كما أنهم ساعدوها لتظفر بالأمير الذي أحبها وأحبته.
والأمر كذلك عن الأقزام في علاقتهم ببابا نويل في الحكاية الشعبية عنه، فبابا نويل في هذه الحكاية الشعبية يظهر عجوزا يرتدي بزة حمراء، ولا تختفي الابتسامة من وجهه، ويحرص على تحقيقق أحلام الأطفال في ليلة عيد الميلاد، وله مزلاجة يجرها بعض الغزلان، ويرافقه بعض الأقزام، ويساعدونه في إحضار هدايا الأطفال التي يوزعها عليهم.
(٣)
وتبدو صورة القزم في مسرح الطفل فيها بعض التنوع، ولكن يغلب عليها أنه فيها شديد الظرف، وغالبا ما يكون ظهوره في المواقف الاحتفالية أو في مواقف السمر، ومن ذلك أننا نرى القزم يظهر في مسرحية وليد في زيارة للفرعون لطنطاوي عبد الحميد ضمن بطانة الفرعون، وهو يقوم بدور المهرج الذي يضحك كل من حوله، ويقوم خلال ذلك بعمل حركات ظريفة، وقول عبارات مضحكة.
ونرى تلك الصورة نفسها للقزم في مسرحية بنت السيرك لأحمد زحام، ففيها نرى قزما ظريفا يعمل في السيرك، ويشارك بحركاته الظريفة وأقواله المضحكة في إسعاد الأطفال الذين يذهبون للسيرك، ويشاهدون النمر التي تؤدى فيه.
(٤)
وأحيانا يكون ظهور الأقزام على هيئة جماعات في أدب الطفل في القصص والمسرحيات ذات الأجواء الفنتازية التي نرى فيها عوالم خيالية بعيدة عن الأرض، كما نرى هذا في مسرحية كوكب سيكا لعبده الزراع، فيظهر في هذه المسرحية كوكب بعيد عن الأرض، وكل سكانه من الأقزام، ويعاني سكانه من وجود شلل في أيديهم، ويصل لهذا الكوكب أحد العلماء المصريين مع ثلاثة أشخاص في مركبة فضائية، ويستطيع ذلك العالم كشف السر وراء وجود الشلل في أيدي سكان هذا الكوكب من الأقزام؛ وذلك لأنهم اعتادوا على الكسل والرفاهية الشديدة، فضمرت عضلات أيديهم، وأصاب أيديهم الشلل، وبمجرد أن ينصحهم ذلك العالم بالاهتمام بالعمل، ويقومون بأعمال مفيدة كالزراعة – تعود لأيديهم القدرة على الحركة، ويختفي الشلل الذي بها.
وكذلك نرى تلك الأجواء الفنتازية في مسرحية حلم علاء الدين لسمير عبد الباقي، وفيها يحلم الشاب علاء الدين بأن يكون مثل علاء الدين في حكاية علاء الدين والمصباح السحري؛ بأن يعثر على قمقم، ويخرج له منه جني يحقق له رغباته دون جهد أو عمل منه، ولكنه يحلم في نومه أن محبرة لشخص متسول فقير خرج له منها جني، وتوقع علاء الدين أن يحقق له هذا الجني أحلامه في الثراء والحياة الرغدة دون تعب أو عمل منه، ولكنه اكتشف أن ذلك الجني هو قزم ظريف بلا قدرات، وقد ظهر لعلاء الدين ليساعده علاء الدين، لا ليقوم هو بمساعدة علاء الدين، فيعلمه علاء الدين النجارة، ويصنعان مدينة عرائسية معا، ويدخلانها، ثم نرى علاء الدين يتعرض لموقف صعب في هذه المدينة، وكاد يشنق فيه، ثم يقوم علاء الدين من نومه، ويستفيد من هذا الحلم بأن أحلامه في الحياة لا تتحقق بأحلام اليقظة والنوم والكسل، ولكن بالعمل والاجتهاد.
(٥)
وهكذا نرى أن صورة القزم في الأدب الموجه للطفل مشرقة، وغالبا ما يظهر فيه – كما قلت من قبل – ظريفا بشوشا، وودودا طيبا متعاونا، ومعينا لكل من يحتاج لمساعدته.
أما ما نراه في بعض المسرحيات الموجهة للكبار – لا سيما تلك المسرحيات التي يطلق عليها المسرح التجاري – فغالبا ما يكون ظهور القزم فيها للسخرية منه، وهذا ما أرفضه، وأتفق مع الناقد الكبير الدكتور علي الراعي في أن ذلك النوع من الضحك هو ضحك فج سخيف، يميت القلب، ولا يحييه.






