الخادمة المخلصة (ج 2) أمين الساطي
(ج1) https://mj-iq.com/?p=94782
بعد أسبوع أتى أخوها ليطمئن عليها فسألها: “هل يعيش زوج الخادمة شيكا معكم في البيت؟“ فأجابته بأن شيكا غير متزوجة، وأنها قد طردتها من المنزل، ولا يوجد رجل أسود في بيتنا، ثم سألت أخاها، كيف خطر على بالك هذا السؤال؟ قال: “رأيت منذ قليل رجلاً أسود، يقف في نافذة غرفة نومك المطلة على الشارع وأنا قادم إلى هنا“.
انتابتها رعشة من الرعب، وهي تتخيل وجود رجل أسود بغرفتها، تمالكت نفسها، وغيرت مجرى الحديث إلى وضع زوجها المهندس المتقاعد الذي تتشاجر معه باستمرار، لأنه يرفض العروض المقدمة إليه للعمل استشارياً في الشركات الخاصة، مفضلاً الجلوس طوال النهار بالبيت ومشاهدة التلفزيون، وفي آخر كل شهر يرسل جزءاً من راتبه التقاعدي إلى ابنته لمياء من زوجته السابقة.
بدأ المنزل يتغير، الغرف ازدادت برودتها، وخصوصاً غرفة نومها بالذات، وأخذت تتخيل وجود آثار أقدام في الممرات، والمرايا تغشتها طبقة من الضباب في الصباح الباكر، وما تلبث حتى تزول من تلقاء نفسها، حاولت أن تتجاهل كل ذلك، إلى أن شاهدت في منامها رجلاً أسود، تومض عيناه بنور أحمر خافت، يرتدي وشاحاً وقبعة سوداء، يحكي وجهه المتجعّد القاسي قصص المعاناة الطويلة التي عاشها لمئات السنين، يحاول أن يتقرب منها.
أصابتها نوبة ذعر مفاجئة من الخوف الشديد، وأخذت تحرك يديها في الهواء، لتدافع عن نفسها، أحست بأنها تعاني من أزمة قلبية، وهي على أبواب الموت، فاستيقظت مرعوبة، واندفعت إلى غرفة نوم زوجها، لتخبره بالكابوس الرهيب الذي حلمت به.
دخلت غرفة نومه، لتجده ممدداً على سريره، وجهه شاحب يميل إلى الزرقة، وفمه ملتوٍ ومفتوح من الألم، وعيناه شاخصتان نحو السقف، ما قد يدل على صدمة مخيفة شاهدها في أثناء وفاته. اتصلت بالشرطة مباشرةً وأخبرتهم بأن خادمتها السابقة شيكا قتلت زوجها، انتقلت الشرطة إلى المنزل، وتحفظت على الجثة، لكن الطبيب الشرعي أكد لاحقاً أن الوفاة طبيعية وناجمة عن جلطة قلبية، وطُويت القضية.
ذهبت لاستشارة طبيب العائلة، فأخبرها بأن صحتها جيدة، وأنها تعاني مؤخراً من بعض الضغوطات النفسية الناتجة عن وفاة زوجها، ومن الكوابيس التي تراودها في أثناء الليل، لا داعي للقلق، نصحها بممارسة الاسترخاء، كاليوغا والمشي يومياً لمدة ساعة والاعتناء بنظامها الغذائي، وصف لها دواء مضاداً للاكتئاب، عادت إلى منزلها عارفة بأن الأمور ليست على ما يرام.
الليلة الأولى
في الصباح استنشقت الرائحة الغريبة نفسها التي تشبه رائحة الصمغ والخشب المحروق، التي كانت قد فسرتها بالماضي، بأن لجسد شيكا رائحة ذاتية خاصة تعود للون بشرتها السوداء، وهالها أنها سمعت صوت دندنة لها النغم نفسه، الذي كانت تسمعه من شيكا، وهي تعمل على تنظيف البيت. فجأة سمعت صوتاً صادراً من خزانة ملابسها، فتحت الخزانة فلم تجد شيئاً، سوى أن ملابسها كانت تتحرك بنعومة، وكأن شخصاً مرَّ بجانب هذه الملابس قبل لحظة.
أدركت أنها على وشك أن تفقد عقلها، فنصحتها أختها، بأن تذهب لمقابلة بصارة اسمها فاطمة، وهي همزة وصل بين عالم الأحياء وعالم ما بعد الحياة، وأعطتها عنوانها في حي البسطة في بيروت القديمة. فعلاً ذهبت الست ناديا مباشرة لمقابلتها وحدها، لأن العرّافة تصرُّ على مقابلة زبائنها على انفراد.
نظرت البصارة إلى وجهها المرهق الشاحب نتيجة معاناتها من الأرق وصعوبة النوم، خوفاً من أن يتكرر حلم الرجل الأسود بالمنام. أعطتها فاطمة بعد أن تقاضت مبلغاً كبيراً من المال زجاجة كبيرة مملوءة بالماء المسحور، لقد كتبت البصارة طلاسم ورموزاً شيطانية على أوراق معينة، ثم أذابتها في هذا الماء، وأضافت إليه الزئبق، ليكون سماً فتاكاً قاتلاً، ونصحتها بأن ترش الماء في أرجاء البيت قبل أن تأوي إلى فراشها.
الليلة الثانية
في ليلة اليوم التالي، بدأت الست ناديا ترشّ الماء المسحور على عتبات الأبواب، وعلى الجدران وأرضيات غرف البيت، للقضاء على الجن المختبئين في الجدران، وأغلقت باب غرفتها بالمفتاح، عندما استيقظت وجدت آثار مخالب عميقة جداً على الأرضية الخشبية حول سريرها، لما نادت قطها المدلل كارلوس لم تجده بالمنزل، لقد اختفى من دون سابق إنذار، ومن المعروف أن القطط في المنزل تبطل السحر، ولعل القط شعر بوجود أشياء لا يستطيع مواجهتها، على الرغم من حواسه القوية، فقرر الفرار، لكن الست ناديا لم تبالِ، واستمرت برش الماء، لكي تتخلص من جميع الجن المختبئين في المنزل.
الليلة الأخيرة
استيقظت في منتصف الليل على صوت حركة غير طبيعية، وتخيلت بأن هناك من جاء ليقتلها، نظرت حولها، فوجدت ملحاً أبيض بشكل دائرة كاملة، يحيط بسريرها، فكان عليها أن تخطو فوق هذا الخط لتغادر سريرها، ولم تنتبه إلى خطورة المشي فوق الخط المرسوم في تلك اللحظة، كما لفت انتباهها وجود دمية خشبية صغيرة حمراء، ملفوف على رقبتها خيط أسود في داخل الدائرة، وخُيّل إليها بأنها تشبه خادمتها السابقة شيكا، ومن شدة كراهيتها لخادمتها قررت أن تحرقها، فالنار تبطل السحر، لما حملتها بيديها شعرت بنبضات قلبها، ازداد حقدها عليها، فأشعلت فيها النار.
صرخت الدمية من الألم، بدأ جسمها يتآكل قطعة قطعة، وهي تدمدم بتعاويذ سومرية غير مفهومة حتى فارقت الحياة. بوفاتها ومضت لمبات الكهرباء وانحرقت، لتغرق الغرفة في سواد خانق، شيء ما همس في أذنها، لقد أسأت لابنة زوجك، ما جعلها تترك بيت أبيها، وتهرب إلى كندا، لقد كنت قاسية وسيئة مع الجميع، وانفجرت الغرفة بالفوضى، وبدأ الجن يرقصون على الجدران، وأصوات صراخهم تملأ الجو، فتحت الست ناديا باب المنزل، وركضت مذعورة إلى الشارع بملابس النوم وهي تصرخ: “الجن سيطروا على المنزل، لقد تلبسني جنّي عاشق أسود“.






