المقالة الأسبوعية – أمين الساطي
وأخيراً بعد إحدى عشرة سنة من العمل بصحيفة النهضة، أصبحت معاوناً لرئيس التحرير، ما أضاف هالة إلى اسمي كصحفي، وأعطاني الشعور بالأهمية، على الرغم من أن زيادة الراتب كانت رمزية. كل من يظن أن العمل في وظيفتي أمر سهل، فهو يسيء الظن، فمراقبة ما يكتبه الآخرون والحصول على الأخبار وتحريرها وبيع الإعلانات ومتابعة توزيع الصحيفة عمل لا ينتهي في ظروف معيشية صعبة من دون أي أمل في تحسينها. بإلإضافة إلى كل ذلك فمن المفروض أن أكتب في بداية كل أسبوع، مقالة سياسية عنوانها أحداث العالم في أسبوع، على الرغم من أن هذه الأيام حبلى بالأحداث، دونالد ترامب انتُخب رئيساً للجمهورية، بغض النظر عن جميع الإحصاءات التي كانت تشير إلى تفوق منافسته هاريس. بعد كتابتي لهذين السطرين شعرت بالغباء، فالجميع يعرفون هذه القصة، فخطر لي أن أكتب عن زوجته الجميلة عارضة الأزياء المشهورة ميلانيا. بدأت الكتابة عن ولادتها ونشآتها في بلدها سلوفينيا، ثم توقفت عن الكتابة، لأني شعرت بأنها معلومات عامة لا تهم أحداً. خطر لي أن أنتقل للكتابة عن منافسة ترامب السيدة كامالا هاريس، وهي مواطنة أميركية متعددة الأعراق، فأبوها جامايكي وأمها هندية، لما وصلت إلى هنا شعرت بالملل، وتصورت كيف ستكون حال قارئ مقالتي، فتوقفت عن الكتابة، وبدأت في كتابة موضوع يشدني غير عابئ بما يتوقعه الآخرون من هذه المقالة الأسبوعية. منذ صغري كنت مولعاً بمشاهدة الأفلام السينمائية، ومازلت أتذكر بالتفاصيل الدقيقة لمن تقرع الأجراس؟ والأجراس التي أقصدها هي تراتيل وتأملات في الموت والحياة، هي أجراس الكنائس التي تقرع للإعلان عن موت شخص ما، إذ يسأل من يسمعها، لمن تقرع الأجراس؟ ليجيبه من يعرف الميت الذي تقرع الأجراس من أجله، وبعد هذا الفيلم اشتريت الرواية وقرأتها عدة مرات، ما زاد من إعجابي بالكاتب أرنست همنغواي، ومن وقتها أدمنت على قراءة رواياته، وكنت أزداد انبهاراً بها، وأنا أشاهدها بالألوان على شاشة السينما، حتى جاء دور رواية الشيخ والبحر، وبعد قراءتها تصورت أن همنغواي هو أهم كاتب في القرن العشرين بلا منازع. بدأت أتعلق بمتابعة أخبار همنغواي، وكنت أحلم بأن أصبح كاتباً مثله، وهذا الذي دفعني لأشارك في تحرير المجلة الشهرية التي كانت تصدرها ثانوية أسعد عبد الله في دمشق، كنت أحاول أن أقلد أسلوب همنغواي المعروف، جمل قصيرة تركز على المعنى من دون التلاعب بالكلمات والجمل والتشابيه الأدبية، وهكذا وجدت نفسي بعد تخرجي في الجامعة وقد أصبحت صحفياً. في عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين استيقظ همنغواي، وذهب إلى الحمام وحلق ذقنه، بعد ذلك أخذ البندقية الأثيرة لديه، التي انتحر بها والده، وكانت أمه قد أهدته إياها، وأدخل فيها طلقتين ناريتين ووجهها إلى فمه وأنهى حياته، لقد انتحر همنغواي عندما شعر بأنه لم يعد لديه ما يقوله. فعلاً انتابني هذا الشعور وأنا أبحث بصعوبة عن الأفكار والكلمات لملء نصف صفحة في هذه الجريدة، لأنه لم يعد لدي ما أقوله للقارئ، فكرت أن أترك عملي وأذهب إلى البيت، لأخرج مسدس البريتا الذي أهداني إياه المرحوم والدي، وأقلد مثَلي الأعلى همنغواي. فكرت ملياً، ماذا سيحدث لزوجتي وابني الصغير، في هذه الضائقة الخانقة، فأحسست بالخوف الشديد من المستقبل، قررت بلحظتها أن أبيع مسدسي، وأن أحتفظ بثمنه من أجل الأيام الصعبة التي قد تنتظر ابني في المستقبل.






