أسئلة كثيرة وجواب مُـلغم/جواني عبدال

خيم الصمت على القاعة الفسيحة ذات المقاعد المتدرجة, وأطفأت أضواء الصالة وسلطت أضواء أخرى على المنصة المرتفعة عنها, التي يتربع خلفها الأديب المسن الذي قضى عمره بين درفاتها, قرأ قصة من إبداعاته (موجزها عن رجل يدور في حلقة مفرغة وبعد يأس ينتحر), ثم عرج إلى الحديث عن تجربته التي امتدت زمناً ليس بالقليل, وهي التي تربو على الأربعين عاماً أنجز خلالها أربعة عشر مجموعة قصصية وأصدر مثلها في التنظير, بلغت مجموع كتبه الأربعين, بالإضافة إلى نيل الجوائز )أوضح ذلك معد الجلسة الجالس بجنبه) فقد كُرم من جهات عدة لمجهوده في إعلاء شاؤ الأدب والثقافة الخ.
كما وقد ترجم من الآداب العالمية بعد أن اطلع عليها, وحكى عن تجربته معها ودورها في تأصيل الثقافة العالمية, بتواصل وتلاقح الثقافات معا.
ثم عرج الأديب الكاتب إلى صناعة القصة ومقوماتها, وحكى عن اللغة في السرد والوصف والحوار.. التي تعتمد عليها القصة, وأشار إلى الشخصية ودورها كما تتضمنها الفنية الدرامية.
فالقصة واقعة جرت أو لم تجرِ, حكاية ملفقة منسجمة قابلة للتصديق لأنها قابلة للحدوث وان لم تحدث في الواقع, وان كانت مدغمة بنوع من أنواع التسلية والمباهاة.. أو بالعكس .
قطعاً القصة لها هدف, وتدعو إلى قيمة معينة مبطنة أو ظاهرة.. رغم أنها تعتمد على الدهشة والصدمة المفاجأة) لما تحمله في بنيتها من فيض المعاناة والهم, تتضمن الموضوعية والواقعية بقدر ما في داخلها لتكون اقرب إلى حقيقة ممكنة الحدوث مع امتزاج الخيال بها على منوالها. ترصد الداخل وما يعتمل فيها من الانفعالات وتأثيرها وتفاعلها مع الواقع الخارج, وهي لا تُكتب للفراغ, إنما ترصد الأشخاص والطباع وتنقد الأوضاع والحالات وتدل على الحل، أو تأوله إلى رمز ودلالات لما لها من دور فاعل في إظهار العيوب أو المحاسن الفردية أو الاجتماعية، ومن أجل ذلك كانت هناك الحبكة الفنية, كالبداية والوسط والنهاية.
ثم تطرق إلى السرد والوصف والحوار الخ من مقومات القصة.. إلى لحظة الذروة فيها أو كما اصطلح على تسميته بالحبكة الفنية التي تتصف بالخاتمة المفاجأة غير المتوقعة وتفجير لحظتها في النهاية..الخ. حقيقة؛ هو يعرف ماذا يقدم وكيف يعمل و.. ولكنه تأسف وأبدى امتعاضه من نضوب وعقم المستقبل المنظور لممتهني هذه الصنعة, ثم أجاب عن نفسه بالقول: فيض المعاناة والهموم رفيق القصة وهو كفيل لقولها وكتاتبها.
*-*
حين فُتح باب الحوار وتفتقت أسئلة الجمهور، كان ذلك محكا حقيقيا يهواه ليبدي تألقاً، وحين أعلن مدير الجلسة عن ذلك ارتفعت بعض الأيادي تطلب السماح بإبداء وطرح الأسئلة تباعاً دون ترتيب, أعلن أحد الحاضرين رافعاً يده, فأشير إليه بالتقدم لطرح سؤاله, فقام شاخصاً متلفتاً حوله:
– بعد أربعين سنة من الإبداع وأربعة عشر مجموعة قصصية, ماذا تريد أن تقول بعد هذا العطاء.. وهل قلت كل شيء ؟ ومن هذا كله ماذا أعطتك القصة.. أمعرفة الطباع أم معرفة المجتمعات, أم معرفة الإنسان هذا الكائن الغريب المتلون.. ثم ماذا عن الجانب الديني والجنسي والسياسي.. وهل هناك المزيد من المحظورات والتابوهات حولك..أو هل كسرت ظلها وقشطت جليدها. وماذا غَيَرَتْ فيك ما أسميته فيض المعاناة والهموم؟.
بهذه الأسئلة شد أنظار الحضور فبقي واقفاً منتظراً, فأشار مدير الجلسة أن يجلس، وقبل أن يجيب الكاتب أوحى بأنه يحبذ أن تـُقدم إليه جميع الأسئلة ليجيب عليها دفعة واحدة حرصاً على الوقت, والأولى أن يدونها أمامه, ثم تطلع ناحية الجمهور ليدعو آخراً القيام بإلقاء سؤاله, فقام هذا وتنحنح ولمظ شفتيه ترطيباً لها، وقال بتثاقل موجزاً قوله:
– ليسمح لي حسن إصغائكم تلكأي في الكلمات, ولكن سأوجز جاهداً أن أوفر المعنى, (ران الصمت فاسترسل الآخر).. بادئ ذي بدء أحي الجميع وأسال الأديب: لماذا القصة, وماذا تريد أن تقول من خلالها, وهل هناك المزيد من القول أم ماذا بعد..؟.وشكراً . ثم جلس بأريحية وأردف مستدركاً : بالمختصر؛ بعد هذا العمر وبعد هذه التجربة الغنية, ماذا قلت وماذا لم تقل..؟ وهل وفيت أجرك؟.
– حسناً تفضل. قال المعد: أوجزت ولم تتلكأ, ثم أردف متألقاً بالتوجه لإفساح المجال لسؤال تالٍ من الجنس اللطيف, فقامت إحداهن من بين الحضور وقدمت نفسها معرفة اسمها, ثم سألت مع تداخل في السؤال.
-التحية وبعد: هل يمكن تجزأ الأدب والثقافة عن العقل الجمعي للبشر, وهل يرتقي ويتطور بمنعزل عن الآخرين, والى أي مدى يمكن أن يعيش أو لا يعيش دونه ؟. فهل يمكن لهكذا نظرة -الارتقاء بنفسها والتواصل مع محيطها الضيق أو الواسع-, أنستطيع العيش في عالم أحادي الجانب أسماكاً، أن نعيش دون مرآة أو دون صدى ؟ مع الشكر الوافر.
أشار المدير بان تكف لان أسئلتها وافية وكافية, ثم تطلع إلى الجهة الأخرى وأشار إلى آخر أن يبدي أسئلته, فقام هذا مهندماً لباسه وقدم نفسه وهو يتطلع حوله موجهاً كلامه إلى الكاتب الأديب, وهو يحس بشدّ انتباه الجمهور:
– كيف أبدا سؤالي, الأمسية ممتعة ومفيدة, ولكن في تعريف القصة لم تحدثنا عن نشأتها وعن مقوماتها وعناصرها, رغم انك ألمحت إليها, نعم تذكرت, واللغة لم تحسمها, كذلك الشخصيات لم تبنها جيدًاً, ولم تعرج إلى ما تعرف بالقفلة الأخيرة والتي يسميها د. ر رشدي (لحظة التنوير) حسنًا. وعن القصة التي تليتها علينا هل هي قصة متمثلة أسسها أم هي نافصة؟!
تدخل مدير الجلسة مقاطعاً، وأوضح بان سؤاله مفهوم وقد تم سرده في الإيجاز الذي تناوله الكاتب, حينها تدخل الأديب برغبة ملحة مبدياً إيضاحاً عنه ليفحمه بعدما أحس نقاط ضعف ما قدمه السائل.. أشار الآخر بان عليه -إن كان يود الإجابة- أن يتفضل بها بعد انتهاء الأسئلة من قبل الجمهور.
فقام آخر وقدم نفسه مرحبا بالحضور, وتأسف لقلتهم, وطلب الاعتذار بان ليس له تعليق على ما قدمه الأديب, ولكن تعليقه يشمل أشياء فنية, متعلقة بالوقت الذي يجب أن يُحترم من قبل الأدباء أولاً ويحرصوا على وقتنا, وإفساح المجال للإجابة عن السؤال، وهو طازج قبل أن يختلط بغيره فيضيع صياغته وإطاره ويبرد حميته, ثم تلكأ وهمهم كأنه يتذكر شيئا أخر.
فقاطعه مدير الجلسة قبل أن يسترسل: حسناً اجلس وصلت الفكرة, وبحث بعينيه بين الحاضرين عمن يريد أن يلقي استفساراً أو مداخلة أو.. ولما لم يجد أحداً, إلا بعض مطرقي الرؤوس والذين يستجمعون أفكارهم في لملمة شتات أسئلة مجزأة لسبكها في قالب متكامل من الوضوح.. كان الكاتب قد استلم الميكرفون وبدأ يقرأ الأسئلة من أمامه ليقول عن السؤال الأول, تطلع ناحية صاحبه ملياً, تنحنح محاولاً الاستواء في جلسته, ثم قال باعتداد:
.. حقيقة سؤال كبير في كلمات قليلة, ماذا أعطتني ( فكر قليلا وقد نظر إلى سقف المكان), لست ادري والله ماذا أعطتني هذه الملعونة بعد هذا العمر, نعم كما تفضلت وقلتَ عن الطباع والمجتمع وال.., والـ.. والله لا شيء غير أن اقرّب الخارج إلى الداخل.. إلى داخلي, أفسر ما حولي لذاتي حتى أتجانس مع غيري الآخر الخارج.. حقيقة(بلع ريقه) القول يريحني وليس أكثر, وان ما قدمته ليس أكثر من ثرثرة في لج الأمواج.. ورؤية السراب ماء.. (حك رقبته ومسح جبينه المغضض) لم اعرف شيئاً ولا اعرف شيئاً إلى الآن.. نعم, غير إني موجود في لحظتي هذه وليس غيرها, إني استعرض شريط الذكريات فلا شيء بهيٌ فيه, إني لازلت في أولى الدرجات وحتى لا اعرف فك الخيط الأبيض عن الأسود, آه.. الإنسان.. الانسا… ا!!
انشده الجمهور من السؤال المُقال والجواب المتُلى, الكاتب الكبير الستيني ذو الاربعة عشر كتابا يقول هذا, فران الصمت وتلونت الاضواء نحو العتمة, مع نشاز صوت الميكرفون بالأزيز, فاح صمتٌ برائحة حرق قش يابس, وتهدجت أنفاس كالشخير, كصرير الريح بين أرجل المقاعد.
جحظت عينا الكاتب في محورهما, فأردف متسائلاً: وماذا بعد هذه المعرفة, انها لا تعدو إلا خض الماء بالزبد, كخط الإصبع على الماء, ورؤية السراب كلما اقتربنا منه ابتعد في مكانه.. ليس لي غير نواح الزفير والشهيق . أنا -حقيقة- أراوح في مكاني “الظل”, ولم أزد حرفاً إلا نقاط عليها.. فيا ويلي.
صمتَ قليلا وتملى الوجوه على صفها: والله. لم اعرف شيئا غير.. ولا قيد شعرة (وانحبست الكلمات في حلقه) أقول الحق لكم: لقد عشت هه, لقد كنت أعيش.. (وتهدج صوته أكثر فأشاح بوجهه وضمه بين كفيه).. أحس بأنها لعبةٌ تجمل في المواقف يلعبها المرء متجاهلا بأنها وكلما تجاهلها بدت أكثر انبهارا. (تشنجت) فقال: آواه كم أنا مغفل, إني ظل منكسر على الطريق, وقد سهتْ بيّ دنيا الغرور، حقيقة لم أقل كل شيء, بل لم أقل شيئا يذكر, أنا.. لم أقل شيئا البتة يا سادة.
ثم قام مختتما اللقاء ونزل قافزاً من المنصة مهرولاً إلى باب الصالة لتنشق هواء صاف, لأنه أحس باختناق في رئتيه وغثيان في معدته, تابع الحضور المشهد متابعين الهرولة ووقع الخطوات, ولما غاب الكاتب خلف الباب التفتوا ناحية السائل, ويا للهول لم يجدوا إلا دخانا يعلو بأروميات لولبية, ورأوا الكاتب يمسك بخناقه على الباب الخارجي معلقاً من رقبته بين المقاعد, مدلى اللسان بالكلمات الزرقاء والجسم الرمادي مغطى بالحجارة والاشنيات.. كزهرة مرت عليها عاصفة.
20/2/2008



