القصة القصيرة

حادثة على تيك توك – أمين الساطي


أشعر بالملل من كل شيء، وليست عندي الشجاعة لأقول لوالدي إني أريد ترك المدرسة. لا يسعدني في هذه الأيام، سوى أن أستلقي على السرير، وأمضي الساعات بمتابعة أفلام الفيديو على منصة تيك توك عن طريق موبايلي. أركز في أغلب الأوقات على مقاطع الفيديو التي تظهر فيها البنات الجميلات المهووسات بأنفسهن، وهن يمارسن حركات الإغواء بصحبة المؤثرات الموسيقية، من أجل أن يحصلن على أكبر عدد من اللايكات، ما يثير غرائزي المكبوتة، ويشتّت من تفكيري، ويجعلني عاجزاً عن الدراسة.

الفراغ وشعوري بالتهميش دفعاني إلى التفكير بأن أصوّر فيديو قصيراً بهاتفي الجوال، ليصل إلى أكبر عدد من الناس، لكي أصبح مشهوراً. لم يكن عندي الإمكانيات لتأليف فيديوهات طريفة وغريبة ومفيدة لحصد اللايكات، لذلك خطرت لي فكرة غير مألوفة لإثارة المتفرجين في هذا المجتمع الاستهلاكي، الذي يركز فيه الجميع على المظاهر. إن تدني احترامي لذاتي دفعني لأن أخطّط لسيناريو هذا الفيديو، من أجل الحصول على آلاف اللايكات، بغض النظر عن تضاربه مع قيمنا الأخلاقية.

عرضت الفكرة على صديقي غسان، وهو طالب في صفي، يشعر مثلي بالتهميش، ويسعى إلى الشهرة ليشعر بذاته، ولو حتى عن طريق التهريج لإرضاء المتفرجين، فراقت له الفكرة. خططنا لجلب كلب أسود الى بيت غسان ، لأن هناك كثيراً من الأساطير التي تربطه بالشيطان، لكي نقوم بتصوير فيديو في أثناء عملية شنق هذا الشيطان، بتهمة أنه كان قد عض بنتاً صغيرة في حارتنا، فتقمصتها روح شريرة، وأكدت له بأن الفيديو سيحصد آلاف اللايكات، لأنه عمل مجنون لم يخطر على بال أحد، وسيحقق لنا رضىً ذاتياً ونشوةً كبيرةً، ويعطينا الشعور بأهمية ذاتنا وبقدرتنا على التغيير والحصول على إعجاب الناس، من دون أن نعاني من تداعيات هذا الحادث، كما يحدث على أرض الواقع.

المشكلة ظهرت في محاولة حصولنا على “كلب جعاري” أسود من الشارع، حاولت أنا وغسان عدة مرات الإيقاع بأحد الكلاب السود التي تجوب الشوارع، لكننا لم نتمكن من ذلك، ما عزّز الفرضية التي يرددها العامة، بعلاقة الكلب الأسود بالشيطان. أصبحنا في ورطة، لم يعد باستطاعتنا جمع أكبر عدد من المعجبين من أجل أن نصبح مشهورين، مع معرفتنا بأن الشهرة التي لا ترتكز على محتوى إبداعي ومعرفي هي حالة مؤقتة ستتلاشى كالسراب، لكننا كنا بحاجة إليها بأي ثمن.

إن حالة الفراغ والخواء التي نعيشها تستفحل، وتدفعنا للبحث عن الشهرة، ولو كانت تتصادم مع قيمنا الدينية، وحتى إذا أدى الأمر إلى تعريض أنفسنا للخطر، اقترحت على صديقي غسان فيديو مثيراً، سيجلب لنا عشرات آلاف اللايكات.

انتظرنا الفرصة المناسبة، عندما ذهبت عائلة غسان للعشاء عند بيت عمه، فخلا لنا بيته لتصوير الفيديو الخطير الذي سيهز تيك توك. صعد غسان على طاولة صغيرة تحت الثريا في غرفة الجلوس، وقمتُ بعقد طرف الشرشف حول عنقه، كما ربطت الطرف الآخر بالثريا، من أجل التقاط فيديو زائف عن انتحاره. جهزت موبايلي لالتقاط صورته، إذ إن السيناريو يقوم بأن يدفع غسان الطاولة الصغيرة التي يقف عليها برجله إلى اليسار بلطف فتبتعد عنه قليلاً، وأقوم أنا بتصوير حركته وهو معلق بالحبل خلال ثلاث ثوانٍ فقط ، قبل أن يميل من جديد إلى اليسار، ويعيد تثبيت رجليه على الطاولة.

الأمور لم تجرِ كما خططنا لها، لقد دفع غسان الطاولة الصغيرة بقدمه بعنف، فاختلَّ توازنها، ووقعت على الأرض، بدأ جسمه يرتعش وهو معلق بالثريا، وينتفض في الهواء، وأدركت بأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فتركت الجوال، واتجهت نحوه لكي يثبت قدميه على كتفي، فيتوقف ضغط حبل المنشفة على رقبته، وفي أثناء ذلك هوت الثريا على الأرض، لأنها لم تتحمّل وزن غسان، فتناثر زجاجها في كل مكان، وأخذ غسان يصرخ من الألم، وبدأ يشتم أبي على “أبو ساعتي”، لأني صاحب هذا السيناريو المدمّر. فاطمأن قلبي بأنه مازال حياً.

ركضت نحو الباب، وبدأت قدماي تسابق درجات الطابق الثالث خوفاً من أن يحضر الجيران على صوت ارتطام الثريا بالأرض، أو أن يحضر أبو غسان الذي كان عدائياً وذا بنية ضخمة، يهابه جميع أهل حارتنا، غير عابئ بأني قد فوّتُ على نفسي عشرات آلاف اللايكات بعد هذه الحادثة التي كادت تودي بحياة صديقي غسان.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading