المرآة ✍أمين الساطي

استمرت العاصفة الثلجية في اجتياح بلدة بنتغرين وأحراش بولونيا المحيطة بها ليومين متتاليين. ومع تراكم الثلوج فوق أشجار السنديان والصنوبر، تهاوت خطوط الإمداد، وأُغلقت الطرقات، وانقطع التيار الكهربائي، تاركةً البلدة في مواجهة مباشرة مع البرد والعتمة.
لم يتبقَّ لسلمى، التي تقطن وحيدةً في بيت حجري عتيق ورثته عن زوجها، سوى المكوث أطول وقت ممكن تحت دثار أغطيتها السميكة، التماسًا لدفءٍ يكسر صمت غرفتها الموحشة.
في غمرة ذلك الجو الكئيب، لم تجد سلمى سبيلًا لكسره سوى نبش الذكريات القديمة. خطر لها أن تفتح الصندوق الخشبي الأزرق المركون في غرفة الجلوس، لتتصفح ما تبقى من صور زوجها الراحل، علّها تجد في أطياف الماضي ما يُنسيها قسوة الحاضر.
وبينما كانت تقلب الصور، عثرت مصادفةً على دفتر صغير لم تره من قبل. فتحته، فوجدت أنه مذكرات لزوجها. نظرت إلى تاريخ الصفحة الأولى: الخامس من آذار. أي إن زوجها بدأ كتابة مذكراته قبل عشرين يومًا من وفاته، التي حدثت في الخامس والعشرين من آذار.
تسللت أصابعها المرتجفة بين الصفحات، وكأنها تلمس روحه التي غادرت جسده الواهن، وبقيت هنا، سجينة هذا البيت.
توقفت عيناها عند سطرٍ كُتب بمداد باهت، كأن يده ارتجفت وهو يخطّه:
«سامحيني… كنت أحمل على كتفي صليبًا، وأوهمك أن الوقت لم يحن بعد لإنجاب الأطفال.»
في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض تميد بها. لم يكن مجرد سر، بل جرحًا مضاعفًا… جرحَ الحرمان من طفل لم يأتِ. لقد عاشت هذه الكذبة خمس سنوات.
انهمرت دموعها، لا غضبًا، بل شفقةً موجعة على نفسها. الآن فقط أدركت سر تلك النظرات المنكسرة التي كان يرمقها بها كلما تحدثت عن رغبتها في طفلة صغيرة تكسر وحشة البيت.
تركت المذكرات تسقط من يدها، لترتطم بسجادة الغرفة، لكن ارتطامها لم يُصدر أي صوت، وبدأ شريط ذكرياتها يُعاد أمام عينيها، وهي تستحضر ساعاته الأخيرة وهو يلفظ أنفاسه.
ثم عادت إلى الدفتر، وتابعت القراءة حتى وصلت إلى الجملة الأخيرة:
«سأتوقف الآن عن كتابة مذكراتي… لأنني ذهبت إلى الحمام منذ قليل، ونظرت إلى المرآة، فلم أرَ صورتي فيها… فأدركت أنني كنت قد فارقت الحياة.»
تجمّدت في مكانها.
نظرت إلى تاريخ الصفحة… التاسع والعشرون من آذار.
بعد أربعة أيام من وفاته.
لم تستوعب ما تراه عيناها.
أغلقت الدفتر بعنف، كأنها تحاول إسكات ما قرأته، ثم نهضت ببطء، وقد بدأ شيء ثقيل يتشكل في صدرها… شعور لا يشبه الخوف بقدر ما يشبه اليقين.
اتجهت نحو الحمام.
كان الظلام يملأ الممر، والجدران باردة كأنها لم تعرف الحياة يومًا. دفعت الباب بيد مرتجفة، فصرخ المفصل المعدني صرخة حادة مزّقت الصمت.
وقفت أمام المرآة.
رفعت عينيها.
لم ترَ شيئًا.
ولا حتى نفسها.
تراجعت خطوة، ثم عادت واقتربت أكثر، حتى كاد أنفها يلامس الزجاج.
فراغ.
كأنها لم تكن هنا يومًا.
حبست أنفاسها، ورفعت يدها ببطء، ولمست سطح المرآة.
بارد… لكن ليس كبرودة الزجاج.
بل كبرودة شيءٍ… حيّ.
فجأة، ارتعش السطح.
ارتعاشة خفيفة، كأن أحدًا على الجانب الآخر قد لامسه.
تجمّدت في مكانها.
وببطء شديد… بدأت ملامح تتشكل داخل المرآة.
أولًا ظلال.
ثم خطوط.
ثم وجه.
وجه زوجها.
شاحب… ساكن… لكن عينيه كانتا مفتوحتين تمامًا، تنظران إليها مباشرة.
لم تصرخ.
لم تستطع.
كانت تحدّق فقط، وكأن جسدها لم يعد يملك قرار الهرب.
تحركت شفتاه.
ببطء.
بوضوح.
دون صوت.
لكنها قرأت الكلمة.
“تعالي.”
في تلك اللحظة، شعرت بشيء يشدها.
ليس من الخلف…
بل من الداخل.
كأن روحها تُسحب برفق عبر عينيها.
حاولت أن تتحرك، أن تصرخ، أن تغمض عينيها… لكن جسدها لم يستجب.
ثم…
انطفأ كل شيء.
في صباح اليوم التالي، حين هدأت العاصفة أخيرًا، تجرأ أحد الجيران على طرق بابها بعد أن أقلقه غيابها.
لم يتلقَّ جوابًا.
فكسر الباب.
وجد البيت باردًا، صامتًا، كما لو أنه مهجور منذ زمن.
لكن في الحمام…
كانت المرآة نظيفة تمامًا.
تعكس الغرفة بوضوح.
وتعكس الرجل الواقف أمامها.
وحده.
دون أي أثر لسلمى.





