مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

بسوم سلّوم :حكايات الجدّة المترسخة في ذاكرتنا، وأصالتها – الناقد الأدبي غرز الدين جازي

صورة لرجل مسن ذو شعر أبيض ولحية رمادية، يرتدي قميصًا بنمط مربعات، يتحدث بجدية في حديث يرتبط بالأدب.

بسّوم سلّوم، قاصّة أدركت، بل كانت على دراية تامّة، بأهمية أدب الأطفال ودوره في تنمية قدرات الطفل على التفكير والتحليل، وشمول خصائصه التخيّليّة، وتقديمه المادة المعرفيّة، والمهارات والقيم والفضائل الخلقية والاجتماعية 00 أدركت بحسّها الأدبي ووعيها ورؤيتها لهذا الأدب، أهميته كمؤسسة من مؤسسات التنمية الاجتماعية كما يُجمع النقّاد على ذلك0

أوغلت في ثناياه، وتسللت بهدوء الأديبة إلى ذهن الطفل، وعقله وقلبه، واستطاعت أن تتلمس الجوانب الظاهرة والخفية الطفولية ورؤاه ومخيّلته، فمنحته المادة المعرفية والمعلومات وسعة الخيال والمدارك من خلال متابعته للشخصيات الواردة في قصصها، سارة في جنيّة الحديقة، “سامي وصديقه في “سامي المختلف”، “يمان” وحلمه الموسيقي وكمانه 0

استخدمت المفردات والكلمات والتعابير الواضحة والتي لها دلالاتها التي لا تحتمل التأويل لأكثر من معنىً واحداً دون اللجوء إلى المصطلحات والرموز الخفية غير المفهومة، إضافةً إلى الوضوح في السرد القصصي والبساطة، واللغة السهلة، والجمل القصيرة للوصول للمعنى بأقل عدد ممكن من المفردات، وقد ظهر ذلك واضحاً في قصصها الثلاثة المختارة بما تحمله من الكثير من المقوّمات الفنية الجاذبة للطفل كالحوار والحدث البسيط والحبكة السهلة في القصة، إضافةً إلى الصور التوضيحية المرافقة لكل فقرة من حبكة القصة 0

ابتعدت عن الإطالة والتشعبات التي تشتت ذهن الطفل وتبعده عن التخيّل المرافق لنص القصة، فحافظت على التركيز الذهني لدى الطفل بتكثيف السرد بما يخدم عالم الطفل المتخيّل للحكاية، محافظة بذلك على روح القصة وبما يُتيح للطفل أن يتلقاه بكل شغف، فلم تقفز فوق مدارك الطفولة وقدراتهم العقلية والعاطفية والخيالية، بل راعت بذلك حاجات الطفل وقدراته وميوله المناسبة لعمره وسنّه 0

نتلمّس في قصصها جانب الإمتاع للطفل، فقد أثارت هذه المتعة بسياق سردها حيث الفرح والسرور والمتعة والبهجة والفرح، وهذا يُنمّي فيهم الإحساس بالجمال وتذوّقه كما يُقوّي حب الخير لديهم 0  

وتجدر الإشارة هنا إلى إجادتها في اختيار اللوحات الفنيّة التصويرية المرافقة وألوانها الزاهية الجاذبة للنظر لكل فقرة من حكايتها، مما يعطي للطفل بعداً يستطيع من خلاله إيصال معاني القصة وتوسيع خياله وإثارته وزيادة معرفته البصريّة، لتعبّر عن هدف القصة ومحتواها 0  

كان جوهر رؤيتها الأدبية لأدب الأطفال محاكاة خصوصيته في المضمون والأسلوب وملاءمته لمدارك الطفل وقدراته العقلية والعاطفية واللغوية والخيالية :

  • في مداركهم وقدراتهم العقليّة، نهجت بسّوم مراعاة سن الطفولة ومدى استيعابهم لحبكة القصة وأحداثها، حلم سارة، وحلم سامي، وحلم يمان 00 واقع طفولي قابل للتحقيق والوصول إلى الرغبات0
  • في العاطفة، أجادت في تهذيب وجدان الأطفال وعواطفهم الإنسانية النبيلة من خلال مواقف شخصيات القصة، وقد كان حضور الأم في قصصها الثلاثة لمسة جميلة تُكرّس العلاقات الأسروية، وتُزيد ارتباط الطفل بوالدته سيما في عمره هذا:
  • جنيّة الحديقة: “الأزهار من جميع الألوان ما أجملها، إنها أمي تعتني بكلّ هذا الجمال”
  • سامي المختلف: “الأجمل من كل هذا أن أمي ستفرح من أجلي 00 فأنا أُحبّ أن أرى أُمّي سعيدة من أجلي” 0
  • حلم يمان : سماع صوت الكمان كلّما وضع رأسه على صدر أمّه، ودقات قلبها كانه عزف جميل 0
  • في التعليم والمعرفة والدافع للعمل والفضيلة والأخلاق :
  • جنيّة الحديقة: الفلاحون في الحقول، والأطفال في المدارس 0
  • حلم يمان : العازف أندريه ريو 0
  • سامي المختلف : الإنسانية ومحبة الجميع من أهم مكارم الأخلاق، وبها تنهض الأمم وترتقي الشعوب 0
  • في اللغة، أدارت بحرفيّة أدبية دفّة اختيار المفردات السهلة البسيطة غير العصيّة على فهم الطفل، مع مراعاة أصول اللغة بتشكيلاتها النحويّة والحركات الإعرابية بما فيها الشدّة، وعلامات الترقيم، مما يغرس في ذهن الطفل ضرورتها ومكانها الصحيح في ترادف الجمل والفقرات 0
  • في الخيال، استدرجت ذهن الطفل وخياله للتحليق في فضاء التخيّل من خلال سردها الخيالي سيّما في قصتها “جنية الحديقة” وحوارها المُتخيل بين سارة والزهرة، واستيقاظها على ذلك الحلم، وفي قصتها “سامي المختلف”، كرة القدم، وفي “حلم يمان”، حبّ الموسيقى، وهدية الكمان له من أمه 0

بقي أن أشير إلى مناقشتها للتنمر الذي يتعرض له الطفل من أقرانه، وكيفية تجاوزها بمعيّة صديقه في قصة “سامي المختلف” وتحويله من “سامي المختلف” إلى “سامي اللطيف” بمعالجة قصصية راعت فيها مدارك الطفل وسنّه وعمره الذي يتماشى مع الحبكة والسرد واللغة 0

لقد استطاعت الكاتبة بسّوم سلّوم في قصصها أن تعيد ذاكرتنا إلى حكايا الجدّات وحضنهنّ الدافئ وترتيل حروف حكاياهنّ ونحن نهيم في سماء تخيّلاتنا المرافقة لتفاصيل الحكاية، حكت فأنصتنا، قصّت فأمتعتنا بجونا الطفولي الذي لم يغادرنا مذ زرعته الجدّات فينا 0

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading