دعوني أسأل اليوم : أين ذهبت حزمة كبيرة من المصطلحات والمفاهيم والشعارات التي راجت في القرن العشرين.. ثم ماتت اليوم؟ لماذا تضمنتها الخطابات الرئاسية والبيانات الحزبية والانقلابية والمانشيتات الصحفية واللافتات الجماهيرية وذبحت الحناجر بها في التظاهرات؟ لماذا مات وقتل وعّذب من أجلها الالاف المؤلفة ممّن سموهم شهداء الوطن؟ لماذا ماتت بهذه السرعة وبات حتى اولئك الذين كانوا يتشدّقون بها ويضطهدون غيرهم من اجلها لا يستخدمونها اليوم؟ لماذا تناقضوا مع انفسهم، فهم ما زالوا يدافعون عن احزابهم وايديولوجياتهم وراديكالياتهم ولكنهم لم يعد يوظفون شعاراتهم القديمة لا سياسيا ولا اعلاميا ؟
اين ذهب مفهوم “الاستعمار” وهو ظاهرة تاريخية حقيقية ؟ اين صارت ” حركات التحرر” ؟ أين هي” الاشتراكية ” و ” الاشتراكية العربية ” ؟ أين ذهبت ” الوحدة العربية “؟ أين غدت ” الطليعة العربية ” ؟ بل اين تبخرت ” الثورة العربية “؟اين راح “النضال والنضال السري”؟ أين هو”الحكم البائد”؟ أين هو”الصراع الطبقي”؟ أين رحلت”القوى الشعبية”؟ أين” القوى التآمرية”؟ أين” جمهوريتنا الخالدة ” ؟ أين جمهوريتنا شعبية خاكية “؟ أين هي “قوى الشعب العامل”؟ أين هو ” الرفيق المناضل” و” النضال السري” ؟ اين صارت” الاوكار الحزبية “؟ اين غدت “الرجعية”و” التقدمية”؟ أين “الامبريالية “؟ أين” الدول النامية”؟ أين ” حرق المراحل”؟ أين ” القفزة النوعية” ؟ أين “قوى الثورة”؟ أين ” الثورة المضادة ” ؟ وأين ” قوى الاحتكار ورأس المال “؟ أين ” البورجوازية العفنة” ؟ أين ” الحياد الايجابي” ؟ أين “عدم الانحياز” ؟ وغيرها كثير،
مصطلحات وشعارات اشيعت وفرضتها سلطات وجماعات واحزاب وحكومات وصحف واذاعات، وقد تربّت على سماعها أجيال وأجيال ، واستخدمت في السياسات والاعلاميات والخطابات والثقافات والكتابات والبيانات والتظاهرات طوال القرن العشرين سواء في جيل ما بين الحربين العظميين أو ابان الحرب الباردة بين المعسكرين وحركات التحرر الوطنية، وكم دبّجت من كتب ومقالات واستخدمت في الصحف والمجلات واذاعتها الاذاعات .. اليوم يندر استخدامها أو توظيفها ، كونها انتهت سياسياً وتاريخياً في كلّ العالم أولاً ، وبعضها كان مستورداً ومستلباً ومزيفاً في مجتمعاتنا ثانياً ، وهي بشكل عام تخضع لمتغيرات الحياة ، فما كان أيام الحرب الباردة هو غير ما حدث بعد العام 1979 ! وما كان يجري في الماضي لا يمكنه ان يجري اليوم حيث هيمنة العولمة وثورة المعلومات والاتصالات مع ظواهر حقيقية غير مزيفة في عالم الاقوياء والضعفاء، ولكن لم يزل الاقوياء يستخدمون المخفيات في اساليب الهيمنة في كلّ امتدادات العالم . فالاستيطان ،مثلا لم يزل أخطر أنواع الاستعمار كونه يسيطرعلى كل شيئ وقادر على استلاب كلّ الاشياء ، ويجتث كل الحياة ، ويقمع الشعوب الأصلية ويرسخ نفسه كأغلبية ديموغرافية من خلال طرد أو تهجير أو قتل السكان الأصليين، وكذلك من خلال الهجرة وولادات المستوطنين الحضريين وكذلك المستوطنين الآخرين. هنا لابد التوقف قليلا والتأمل والتساؤل : ترى ان كان كلّ شيئ في الحياة قد تغّير.. لماذا لم يزل هناك البعض يتشبّث بارثه السياسي والايديولوجي الراحل الذي ناضل من اجله قبل خمسين سنة ؟ لماذا لم يزل يؤمن بشعارات قديمة لا نفع لها أبدا ؟ وانت لم تعد تنادي بها اليوم كما كنت تفعل ليل نهار ؟ ومن قام بتسويقها لمصلحة شخصية ونفعية ووصولية وأضطهد الآخرين من اجلها ؟ لماذا بقيت مجتمعات كاملة تنادي عشرات السنين بها، ولكنها لم تحقق ما دعت اليه؟ ان من زاولها لم يفكّر ابدا في مصداقيتها ! أن مجتمعات أخرى جدّدت تفكيرها ، واعترفت باخطائها ، ولكن مجتمعاتنا تتقلب وتتلون ولكنها لم تجدد ولم تتغير .. فالملايين اليوم تغني وترقص مع القوى الجديدة في زمن يختلف تماما عن مناخات القرن العشرين . ..
ربما كانت مقالتي هذه اجابة صريحة على سؤال طرحته عليّ سيدة عراقية فاضلة مع تحياتي لها ولكلّ المهتمين الأعزاء..