نظرة جديدة للقرآن: نحو تأويل إنساني-نصر حامد أبو زيد Mp3
(٤) تعدُّد الأصوات لا الصوت الواحد: مَن يتحدَّث ومَن يستمع؟
نظرًا لأن مفهوم القرآن بوصفه «نصًّا» فحسب هو المهيمن شرقًا وغربًا، فثمَّة صعوبة في تقديم تصنيف دقيق للبنية القرآنية. فنجد على سبيل المثال أنَّ «الموسوعة الإسلامية» تصنِّف «الشكل الأدبي» للقرآن بناءً على مزيج من تركيب «الأسلوب» ومعايير «المحتوى»؛ ومن ثَم فهي تعدِّد الأشكال الأدبية على النحو الآتي: (أ) آيات القسَم وما يرتبط به، (ب) الآيات التي تشير إلى الآيات الكونية، (ﺟ) آيات القول، (د) آيات القصص، (ﻫ) آيات الأحكام، (و) الآيات الدعائية التعبدية.١٥
بالرغم من أنَّ محمد أركون يؤكِّد على بنية القرآن بوصفه خطابًا، متَّبِعًا في ذلك تصنيف بول ريكور للكتاب المقدَّس، الذي يستند إلى التعريف الموجَّه للنص، فإنه يميز بين أنواع خمسة من الخطابات المستخدَمة في القرآن: «النبوي والتشريعي والقصصي والتقديسي والتعبُّدي (الشعري)»؛١٦ بالرغم من ذلك، فهو يقول بوجود بنية واحدة من «العلاقات النحوية» و«عالَم من الاتصالات النحوية» تتضحان في الخطاب القرآني بأكمله.١٧ وفي هذه الحالة، يُختزل تنوُّع العلاقات والاتصالات النحوية وتعدُّدها في بنية واحدة مهيمنة.
القرآن كلامُ الله؛ ولا خلاف بشأن هذه العقيدة، لكنَّ بنية الخطاب القرآني تكشف عن وجود أصوات متعددة، لا صوت واحد. فالخطاب القرآني متعددُ الأصوات، لا أحادي الصوت؛ إذ يوجد العديد من الأصوات التي لا يكون فيها المتحدِّث بأحد ضميرَي المتكلم: «أنا» و«نحن» أو كليهما، الصوت الإلهي على الدوام. وفي بعض الأحيان، يُقدَّم الصوت الإلهي في صيغة ضمير الغائب «هو»، أو في صيغة ضمير المخاطب «أنت». على سبيل المثال، نجد الظهورَ الإلهي باستخدام الضمير «هو» مسبوقًا بفعل الأمر «قُل»، الذي ينطق به صوتٌ آخر — غير معروف على نحوٍ مؤكَّد — مخاطبًا محمد، في سورة الصمد، والتي تُعَد إحدى أوائل السور التي نزلت في مكة:
قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
وفقًا للاعتقاد الإسلامي، ينبغي أن يكون هذا الصوت غيرُ المحدَّد، هو صوت جبريل، وسيط الإله ورسوله الذي أوحى إلى محمد بالرسالة. وبصفته رسولًا، فإنه يبلِّغ الرسالة عبر صوته نيابةً عن الصوت الإلهي. وبعد ذلك، يتعيَّن إعلام الناس بما قاله هذا الصوت الإلهي المستتر الذي صار جليًّا لمحمد عبر صوت الملاك، من خلال صوت محمد البشري. وفي وجود هذه الأصوات الثلاثة المعنية، فإنَّ نمط الخطاب في هذه السورة هو النمط «الإعلامي».
في الآيات الأولى التي نزلت من القرآن (العلق، الآيات ١–٥) حيث المخاطَب هو محمد بلا شك، فإنَّ صوت المتحدِّث هو صوت الملاك الذي ظهر له في غار حراء،١٨ للمرة الأولى أو ربما الثانية، معرِّفًا محمدًا بالله. يُقدَّم الإله بصيغة الغائب. وفي هذا الخطاب الذي هو أول ما نُطِق به، لا يبدو أنَّ صوت الملاك يعبِّر عن صوت الإله، وإنما يعرِّف محمدًا بالإله؛ ومن ثَم فإنَّ نمط الخطاب «إعلامي».
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
إنَّ الخبر الذي ورد في «سيرة النبي»، والذي نعرف منه أنَّ محمدًا كان مترددًا في الامتثال لطلب الملاك القوي والمتكرر بأن «يقرأ»، يشير إلى أنَّ محمدًا ربما كان منخرطًا بالفعل في «قراءة» محدَّدة باسم إله محدَّد؛ إذ يبدو أنَّ صوت الملاك الذي كان يطالبه بالقراءة كان يهدف إلى إقناعه بالقراءة باسم «الإله» الذي يعرِّفه به. ونحن نجد أنَّ بنية الخطاب التي تتكرَّر فيها صيغة الأمر «اقرأ» مرتين تدعم هذا الاقتراح.
إضافةً إلى ذلك، ففي الآيات التعبُّدية و/أو الدعائية، نجد أنَّ صوت المتحدِّث هو الصوت البشري، بينما صوت المخاطَب هو الإله. ولعل المثال الأفضل على ذلك هو السورة الافتتاحية في القرآن، والتي تُقرأ في الصلوات اليومية الخمس المفروضة على كل مسلم.
الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
ومن المثير للاهتمام أنه يُنظَر إلى قراءة هذه السورة باعتبارها طلبًا لاستجابة الإله، لكنَّ القراءة صريحة، والرد الإلهي ضمني. بعبارة أخرى، إنَّ قراءة هذه الآيات ينبغي أن تكون ببطء، مع توقُّف القارئ لتلقي الإجابة. يمكننا أيضًا القول إنَّ قراءة هذه السورة تتضمن كلًّا من النطق والسماع. ثمَّة خبر يرِد بصفته حديثًا قدسيًّا يقول فيه الله:
قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، نصفها لي ونصفها لعبدي؛
فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين،
قال الله تعالى: حمدني عبدي؛
وإذا قال: الرحمن الرحيم،
قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي؛
وإذا قال: مالك يوم الدين،
قال: مجَّدني عبدي؛
فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين،
قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛
فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين،
قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل.١٩
إنَّ هذا النوع من الحوار الضمني بين الإنسان والله، حيث يصبح الإنسان هو المتحدِّث رغم أنه يتلو كلام الله، ويصبح الله — المتحدِّث الافتراضي في القرآن المتلوِّ — هو المتلقي، جليٌّ للغاية في بنية القرآن. وبناءً على هذا، فإنَّ «الحوار» من السِّمات الأخرى التي ينبغي تقديمها ضمن نطاق بنية الخطاب القرآني المتعددة الأصوات.
(٥) الحوار
إنَّ الإشارة إلى ما يدخل ضمن فئة «آيات القول»، حيث يرِد تركيب: «يقولون … قل»، تكفي لضرب كثير من الأمثلة على «التحاور». قد يكون «الحوار» جدليًّا أو دفاعيًّا، وقد يكون استيعابيًّا أو إقصائيًّا، وقد يكون أيضًا بناءً أو هدامًا. وسوف أقتصر هنا على ذكرِ أنواع ثلاثة من أنواع الحوار أصنِّفها وفقًا للمخاطب: الحوار مع الكفار، والحوار مع اليهود والنصارى في الجزيرة العربية، والحوار مع المؤمنين.
لقد بدأ الحوار مع الكفار، مُشركي مكة، هادئًا وناعمًا، لكنه احتد تدريجيًّا. فعندما بدأ وثنيُّو مكة في التفاوض مع محمد، مقترحين أن يُبدي محمد الاحترامَ لآلهتهم في مقابل الاعتراف بربه، يبدو في سياق الحوار الهادئ الناعم أن محمدًا تقبَّله. يقودنا هذا إلى القصة المثيرة للاهتمام المذكورة في المصادر التاريخية القديمة، والتي تحكي أنَّ محمدًا كان يتلو سورة النجم في حضور عدد من مشركي مكة، وحين أتى على ذكرِ ثلاثة من آلهتهم المفضَّلة في الآيتين ١٩ و٢٠، نطق محمد بآيتين قصيرتين هما: «تلك الغرانيقُ العُلى/وإنَّ شفاعتَهن لتُرتَجي.» وحين وصل النبي في تلاوته إلى الآية الأخيرة من هذه السورة: «فاسجدوا لله واعبدوا»، سجد المشركون مع المسلمين في إشارة إلى الصلح بين محمد وأهل مكة.
يرفض العديد من الباحثين المسلمين هذه القصة باعتبارها بدعةً متأخرة، بينما يقبلها معظم كُتاب السِّير الأوروبيين باعتبارها قصةً تاريخية. ولسنا معنيين الآن بالدخول في هذا الجدل؛ لأنَّ القرآن نفسه يشير إلى هذه القصة في الآية ٥٢ من سورة الحج؛ إذ ينفي صحةَ الآيتين ويعزوهما إلى تدخُّل شيطاني على لسان محمد، ويقول إنه سيُنسَخ.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
سواء أكان نفي القرآن لصحة الآيتين يعكس وجودَ عملية مفاوضات أم لا، تظل الحقيقة أنَّ ثَمة دليلًا قرآنيًّا على وقوع الحدث تاريخيًّا، وربما يُعَد هذا النفي الخطوة الأولى لتعيين حدٍّ فاصل مطلَق بين «التوحيد» و«الشرك». لكن كان ينبغي وضعُ هذا الحد تدريجيًّا.
وردت الخطوة الأولى للفصل المطلَق في إحدى أوائل السور، سورة الكافرون، التي يُنصَح فيها محمد، عن طريق صوت غير معروف — صوت الملاك — بألا يتفاوض مع الكافرين والمشركين بعد ذلك، وأن يميز اعتقاداته عن اعتقاداتهم.
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
إنَّ تَكرار نفيه لعبادةِ ما يعبدونه مرتين يشير إلى وجود معارضة قوية من جانب الكفار، مصحوبة بدعوة مضادة متكررة بالقوة نفسِها لتبادل العبادة. بعبارة أخرى، إنَّ البنية الأسلوبية لهذه السورة القصيرة تكشف عن وجود حوار نقلته هذه السورة.
لكن عندما يُهاجَم محمد ويُشكك في نبوته، يدافع القرآن عن محمد. لقد شكَّك أهلُ مكة في أصالة المصدر الإلهي للقرآن؛ مما كان يعني الطعن في صدقِ محمد وأمانته وجدارته أو مصداقيته. لا يأتي الخلاف بشأن الزعم باختلاق محمد للقرآن وافترائه، والرد على هذا الخلاف، بأسلوب «يقولون»، وإنما يُفهَم الرد من سياق التفنيد. ويُعَد ذلك من أبرز سِمات بنية «الخطاب»؛ اشتراكه مع خطاب آخر ضمني أو صريح، وتفاعله معه.
حاول العرب بكل طريقة أن يفسِّروا ما للقرآن من تأثير استثنائي عليهم، وذلك من خلال تفسير هذا التأثير في سياق جميع أنواع الخطابات المعروفة لديهم، مثل «الكهانة» والشِّعر وحتى السِّحر. وقد ذكر القرآن تفسيراتهم جميعها وفنَّدها. عندما يفسِّر العرب طبيعةَ القرآن بأنها «شِعر» ويتهمون النبي بتأليفه، تأتيهم الإجابة على مثل هذا التفسير والاتهام: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يس، الآية ٦٩). وحين يقولون إنَّ محمدًا ليس سوى كاهن، يردُّ القرآن: فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (الطور، الآية ٢٩). وفي سياق هذا الجدال، زعم الكافرون أنَّ القرآن ليس سوى قصص اختلقها محمد الذي زعم أنها أُوحيت إليه من عند الله. وزعموا أنهم قادرون على الإتيان بخطابٍ مشابه. وفي مواجهة مثل هذا التحدي، أتى القرآن بتحدٍّ مقابل، طالبًا منهم أن يأتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ (هود، الآية ١٣).
وحين عجز الكفار عن مواجهة هذا التحدي القوي، خفَّف القرآن منه بتقليله من «عشر» سور إلى «سورة» واحدة (يونس، الآية ١٣) متظاهرًا بتسهيله عليهم. وكانت الخطوة الأخيرة هي الإشارة إلى فشل العرب الذريع في تحدي أصالة القرآن:
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. (البقرة، الآيتان ٢٣–٢٤)
لقد أدَّى هذا الخلاف والجدال مع مشركي العرب إلى تأسيس مبدأ الإعجاز؛ أي التفوُّق الأسلوبي والأدبي للقرآن واختلافه المنقطع النظير عن أي خطاب آخر.
ثمَّة شكل آخر من أشكال الحوار الشائعة في القرآن، وهو الحوار مع المؤمنين في صيغة: «يسألونك … قل»، وهي الصيغة التي وردت في القرآن خمس عشرة مرة. وتغطي هذه الأسئلة التي يجيب عنها القرآن عددًا مختلفًا من الجوانب المهمة. طُرِحَت الأسئلة عن الخمر والميسر (البقرة، الآية ٢١٩)، وعن اليتامى (البقرة، الآية ٢٢٠)، وعن المحيض (البقرة، الآية ٢٢٢)، وعن الأحكام المتعلِّقة بالطعام (المائدة، الآية ٤)، وعن الصدقة (البقرة، الآيتان ٢١٥ و٢١٩)، وعن تحريم القتال في الشهر الحرام (البقرة، ٢١٧)، وعن غنائم الحرب (الأنفال، الآية ١). ومن خلال تقديم الإجابات عن مثل هذه الأسئلة، صيغ الجزءُ الأكبر من الجانب التشريعي للقرآن تدريجيًّا، مما يعكس الطبيعة التفاعلية للقرآن مع الاهتمامات البشرية.
هل ستُعَد الإجابات المقدَّمة عن هذه الأسئلة في هذا السياق الحواري تشريعاتٍ نهائية؟ ماذا عن الإجابات المختلفة التي قُدمت لأسئلة تتعلق بقضية واحدة؟ لنتناول، على سبيل المثال، قضية الزواج المختلط التي تُثار دائمًا في أي نقاش يتعلق بحقوق الإنسان في الإسلام. فمع أنَّ الآية ٥ من سورة المائدة تسمح للمسلمين بالزواج من نساء غير مسلمات، يبدو أنَّ الآية ٢٢١ من سورة البقرة تلغي هذا. ويبقى السؤال: أي قاعدة هي التي ستسود؟ وثَمة سؤال آخر لم يظهر إلا في العصر الحديث، وهو يتعلق بما إذا كان هذا الإذن مكفولًا للرجال من المسلمين فحسب، أم ينبغي أن يمتد ليشمل النساء أيضًا؟
يخبرنا ابن رشد عن رأيين تبنَّاهما الفقهاء في هذه المسألة: رأي الفقهاء الذين قالوا بالجواز يَعتبر أنَّ الآية ٢٢١ من سورة البقرة هي الحُكم العام بتفضيل الزواج من امرأة مسلمة، أما الآية ٥ من سورة المائدة، فهي تخصيص للحُكم العام. وبالنسبة إلى موقف الفقهاء القائل بعدم جواز الزواج المختلط، فهو يتأسَّس على مبدأ «النَّسخ»؛ أي إنَّ الآية ٢٢١ من سورة البقرة نسخت الآية ٥ من سورة المائدة.٢٠
•••
إذا تعاملنا مع القرآن بصفته خطابًا، فسيمكننا تجاوز منظور الفقهاء الذي ينطلق من صياغة الأحكام، والذي يستلزم نمطًا معينًا من الثبات. كلٌّ من الآيتين خطاب مستقل؛ فبينما تعبِّر الآية ٢٢١ من سورة البقرة عن اتخاذ موقف لا يقبل التفاوض مع المشركين، وهو موقفٌ أشرنا إليه سابقًا، فإنَّ الآية ٥ من سورة المائدة، تعبِّر عن «التآلف» في الحياة الاجتماعية. تتحدَّث الآية عن «إباحة الطيبات»؛ فهي تبدأ بالحديث عن «الطعام»، مشيرةً إلى أنَّ «طعام الذين أوتوا الكتاب» حلالٌ للمسلمين، وليس ذلك فحسب، بل إنَّ «طعام المسلمين» هو أيضًا حلال لأهل الكتاب.
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ.
إنَّ هذا الخطاب يتحدَّث أولًا عن «إباحة الطيبات»؛ والمثال الأول على هذه «الطيبات» هو مشاركة الطعام. وبعد ذلك، يُقدَّم الزواج المختلط بصفته جزءًا لا يتجزأ من «الطيبات» مما يؤكِّد النداء الضمني ﻟ «التآلف» الاجتماعي.
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.٢١
لمناقشة المسألة الحديثة المتعلِّقة بالمساواة في الزواج المختلط، يكفي أن نؤكد هنا على أنَّ المخاطَبين في الخطاب القرآني في أمور الزواج والطلاق هم الذكور؛ فهو خطاب قد ظهر على أي حال في بيئة أبوية. ولما كان الخطاب موجَّهًا إلى الذكور، فمن المنطقي أن يصدر الإذن إلى الذكور بالزواج أو التطليق أو تزويج أقاربهم من النساء. وإذا أدركنا هذا، فإننا نصبح أقدرَ على إعلان أنَّ تحقيق المساواة فيما يتعلق بالزواج المختلط أمرٌ ممكن؛ نظرًا للتحوُّل النموذجي في المعنى، الذي تُعَد فيه المساواة عنصرًا جوهريًّا.٢٢
إنَّ التبرير الذي قدَّمه العلماء في العصر الحديث للاحتفاظ بالرأي الكلاسيكي يمكن التفاوض بشأنه بسهولة. وفي مناقشة المسألة الحديثة فيما يتعلق بالمساواة في الزواج المختلط، يكفي أن نقول إنهم لا يزالون يعتقدون بسيادة الرجل في أمور الأسرة؛ ويحاجُّون بناءً على ذلك بأنَّ إيمان غير المسلمات اللائي يتزوجن من مسلمين سيحظى بالاحترام. غير أنهم يخشون من أن الزوج غير المسلم لن يحترم إيمان زوجته المسلمة. وقد أشاروا أيضًا إلى أنَّه لما كان الإسلام آخرَ رسالة نزلت من الله فهو يحترم كلًّا من المسيحية واليهودية؛ ومن ثَم فإنَّ إيمان الزوج المسلم يحمي إيمانَ زوجته غير المسلمة. أما الموقف المعاكس فهو غير ممكن؛ لأنَّ المسيحية لا تعترف إلا باليهودية، بينما لا تعترف اليهودية بالمسيحية ولا الإسلام.
من الجلي أنَّ العلماء لا يزالون أسرى «النظرة الأبوية» للعالم من ناحية، وﻟ «النظرة الدينية» له من ناحية أخرى. إنَّ قرار الزواج هو قرارٌ فردي — أو ينبغي له أن يكون كذلك — فتحديد الظروف التي ترغب المرأة في العيش وفقًا لها مع زوجها أو التي يرغب الرجل في العيش وفقًا لها مع زوجته هو قرار فردي. المسألة التي نناقشها إذن لا تتعلق بالزواج المختلط بقدْر ما تتعلق بالحرية الفردية، التي تتضمن حريةَ الدين والاعتقاد. لا يتَّسع المجال هنا لمناقشة هذه القضية. بالرغم من ذلك، فربما سيفي بالغرض أن نذكر أنه لا توجد آية واحدة في القرآن تنصُّ على عقاب دنيوي أو شرعي للرِّدة؛ فالعلماء — حتى التقليديون منهم — كثيرًا ما يستشهدون بصيغة «لا إكراه في الدين» دليلًا على حرية الاعتقاد الديني، وإن كانوا يفعلون ذلك على نحوٍ دفاعي.
(٦) التفاوض
مثلما بينَّا بالفعل، فإنَّ موقفَ عدم التفاوض مع المشركين يجلب نمطًا إقصائيًّا من الخطاب، حيث الطريقةُ الوحيدة الممكنة للتواصل هي الخلاف والجدال والرفض. أمَّا الخطاب مع المؤمنين، فيختلف وفقًا لطريقة تعاملهم مع مشكلتهم؛ فيُمدحون على نجاحهم ويُلامون على إخفاقهم وحتى يُدانون عليه. ينطبق ذلك على النبي محمد نفسه أيضًا. إذ بينما كان مشغولًا بوعظ أغنياء قريش أملًا في أن يقوُّوا من شوكة مجتمع المؤمنين حديث التشكل، لم ينتبه لرجل فقير أعمى — قال المفسِّرون الأوائل إنه ابن أم مكتوم — كان قد جاء طلبًا للنصيحة. ينتقد القرآن موقفَ محمد بشدة، مخاطبًا إياه في البداية بضمير الغائب، وهي علامة على التقصير.
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. (عبس، الآيات ١–١٠)
نجد أنَّ الخطاب القرآني مع أهل الكتاب، اليهود، والمسيحيين أو النصارى مثلما يطلِق عليهم القرآن، هو خطاب تفاوضي بامتياز. فمن المعروف أنَّ النبي محمدًا وزوجته خديجة طلبا النصيحة من قسٍّ عربي مسيحي، هو ورقة بن نوفل، الذي تصادف أن يكون ابن عم خديجة. كان موضوع المشورة هو اللقاء الأول مع الروح القُدس خلال الرؤية التي رآها محمد حين كان يتأمَّل على جبل حراء.٢٣
من المهم أيضًا أن نذكر أنَّ هجرة المسلمين الأولى كانت إلى الحبشة. فمن أجل الهروب من اضطهاد قريش، أمر النبي المسلمين بأن يذهبوا إلى هناك؛ حيث، وفقًا لعبارة نُسبت إلى النبي نفسه، «بها مَلِك نصراني لا يُظلَم عنده أحد». وقد نعِم المسلمون بحمايته وضيافته إلى أن عادوا بعد الهجرة إلى المدينة. خلال فترة إقامة المسلمين في الحبشة، أتى وفدٌ من قريش لزيارة الملك وإقناعه بأن يعيد المسلمين إلى مكة. قال مبعوثو مكة للنجاشي إنَّ هؤلاء الذين كانوا ينعمون بحمايته وكرمه ليسوا سوى بعض من المتمردين الذين خرجوا عن دين قومهم ودخلوا في دين جديد غير معروف، وهم أيضًا لم يعتنقوا المسيحية. ولكي يؤلبوا النجاشي على المسلمين، أخبروه أنَّهم — أي المسلمين — يقولون في المسيح قولًا عظيمًا. وحين سأل الملِك اللاجئين المسلمين عن معتقداتهم بشأن المسيح، قرءوا عليه بعض الآيات من سورة مريم.٢٤
يطلِق القرآن على المسيح ألقابًا عديدة، من أشهرها «ابن مريم»، تأكيدًا على طبيعته البشرية. بالرغم من ذلك، فهو يصفه أيضًا بأنه «روح من الله» و«كلمته ألقاها إلى مريم» عن طريق الروح القُدس. عِلاوةً على ذلك، يذكر القرآن أنَّ المسيح هو مَن تنبأ بأنَّ «أحمد» — والمقصود به محمد — هو الرسول الذي سيأتي بعده.
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. (الصف، الآية ٦)
لم يبدأ المسلمون في التواصل الفعلي مع القبائل اليهودية العربية التي كانت قد جاءت قبل فترة طويلة من اليمن واستقرت في المدينة إلا بعد هجرتهم إلى المدينة. ومن الجلي أنَّ «معاهدة أو وثيقة المدينة» المشهورة، والتي عُقِدت بين النبي من ناحية والقبائل اليهودية والوثنية من ناحية أخرى، تشير إلى وجود مساواة جوهرية بين جميع سكان المدينة. كفلت المعاهدة حريةَ ممارسة الشعائر الدينية للجميع، ما دامت الأطراف كلها ستدافع عن أمن المدينة ضد أي هجوم أو اعتداء من الخارج. وفيما يتعلق بالأنواع المختلفة من الإيمان الديني، فقد كفلت المعاهدةُ المساواة في هذا الشأن بصورة جوهرية، ما لم تُشَن حرب على المسلمين، وحينها تسري ظروف الحرب، على النحو الذي كان يجري تاريخيًّا.٢٥
في هذا السياق، فرض القرآن الصيام على المسلمين؛ وفيه أيضًا اتجه المسلمون في صلاتهم إلى حيث يتجه اليهود، إلى القدس. غير أنَّ العلاقة بين مجتمع المسلمين ومجتمع اليهود لم تستمر بهذه السلاسة التي بدأت بها. فقد اشتعلت الخلافات الجدلية التي اشترك فيها القرآن، الذي بدأ يغير مفهوم «الدين الواحد» الذي كان يتحدَّث عنه سابقًا ويسميه «الإسلام»، وهو دين جميع الأنبياء منذ آدم وحتى عيسى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. (البقرة، الآية ٦٢، وورد المعنى نفسه في المائدة، ٦٩)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (الحج، الآية ١٧)
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا. (الكهف، ٢٩)
مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. (المائدة، ٥٤)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ. (آل عمران: ٩٠، وورد المعنى نفسه في النساء، ١٣٧)
ربما يدُل تغيير قِبلة الصلاة من القدس إلى مكة على أول علامات الفصل بين المجتمعين. يصل الخلاف الجدلي في بعض الأحيان إلى حد الإدانة الحادة. غير أنه يصبح في أحيانٍ أخرى نوعًا من التذكير الهادئ بفضل الله على بني إسرائيل. يمكن تتبُّع هذا الخلاف الجدلي بصورتَيه: الحادة والهادئة، في سورة البقرة، لأنها تضم قصةً محددة تعكس غرور بني إسرائيل في الامتثال لأوامر أنبيائهم البسيطة. ونلاحظ الاستخدام المتكرر لصيغة الأمر من الفعل «ذكر» (إذ تكررت ١٩ مرةً تقريبًا في هذه السورة وحدها)، وهي موجَّهة إلى بني إسرائيل مباشرةً في استهلال سرد أجزاء من تاريخهم في التردُّد بشأن اتباع الطريق القويم ورفضه.
إنَّ عدم القدرة على استيعاب بنية «الخطاب» سيؤدي على الأرجح إلى توسيعه ليشمل كلَّ اليهود حتى العصر الحالي. المسألة لا تتعلق بالسياقية فحسب، وإن كان ذلك أمرًا مركزيًّا في تحليل الخطاب، لكن الأهم هو ما يخبرنا به الخطاب بشأن السياق والكيفية التي يخبرنا بها بذلك. إنَّ السؤال المطروح أمامنا الآن هو: ما التاريخي وما العالمي؟ وهو سؤال يشغل جميع المسلمين الليبراليين المعاصرين من الباحثين في علوم القرآن. إنَّ التقيُّد بالقرآن بوصفه «نصًّا» يؤدي إلى انتصار المحافظين في نهاية المطاف. فحين يؤكد الليبراليون على أنَّ «التآلف» مثلًا هو المبدأ العالمي الذي يحُد من «العداء» مقيدًا معناه بالماضي السلبي، فإنَّ المحافظين سيطبِّقون مبدأ «النَّسخ» ليصبح «التآلف» بذلك هو المبدأ التاريخي المنسوخ، بينما يصبح «العِداء» هو المبدأ العالمي الناسخ. تُرى أي التأويلين أو المعنيين سيفوز في السياق الحالي المتمثل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟ لا شك أنَّ المعنى الذي سيفوز هو معنى الجيتو؛ أي الانفصال والانعزال، معنى جدار السيد شارون.
ينطبق الأمر نفسه على الخلاف الجدلي مع المسيحيين، أو النصارى، فيما يتعلق بطبيعة المسيح. لقد أوضحنا بالفعل أنَّ القرآن يذكر أنَّ المسيح قد تنبأ بمجيء نبي اسمه أحمد. ورأينا أيضًا أن السورة التي تُسمَّى سورة «مريم» قد تُليَت في بلاط النجاشي وبحضور الأساقفة. إنَّ قراءةً سريعة لهذه السورة ومقارنتها مع إنجيل متَّى ستكشف لنا بسهولة عن وجود أرضية مشتركة. وبالرغم من ذلك، فثمَّة قضية لا تقبل التفاوض هي ما يبقي الحدود بين المسلمين والمسيحيين قائمةً إلى الدرجة التي تجعل مفهوم «التآلف» يكاد يكون منسيًّا.
تتمثَّل هذه القضية في الطبيعة البشرية للمسيح وفقًا للقرآن، وطبيعته الإلهية وفقًا للعقيدة المشتركة للكنائس المسيحية. إذا قيَّدنا أنفسنا بما ورد في سورة البقرة عند تناول الخطاب أو الخلاف القرآني مع اليهود، فسيجدُر بنا أيضًا أن نقيِّد تناولنا للخلاف القرآني مع النصارى، بما جاء في سورة آل عمران، التي تدافع في مستهلها في الآية ٣، عن صحة جميع الكتب المقدسة.
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ.
ومع ذلك، تطرح الآية ٤ في السورة نفسها، احتماليةَ الفهم الخاطئ فيما يتعلَّق بالحفاظ على الأرضية المشتركة متينةً قدْرَ الإمكان. غير أنه ينبغي علينا أن ندرك سياق الخلاف. فبينما يُقرُّ القرآن أنَّ المسيح «كلمة» الله (الآية ٤٥) ويقدِّم الحواريين بوصفهم مسلمين (الآية ٥٢)، فقد أشير بوضوح في الجزء الأول من سورة مريم، على لسان عيسى الطفل: إِنِّي عَبْدُ اللهِ (مريم، الآية ٣٠). ويبدو أنَّ ذلك سبَّب لبْسًا لدى نصارى نجران الذين أتَوا إلى المدينة ليتجادلوا مع محمد.٢٦ احتدَّ النقاش، وكان ذلك على الأرجح بعد أن شُرِح لهم أنَّ معجزة مولد المسيح، من عذراء لم يمسسها رجلٌ قط، لا تجعله مختلفًا عن آدم؛ فكلتا الحالتين سواء.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. (آل عمران، الآية ٥٩)
قدَّم القرآن بعد ذلك تحديًا دينيًّا خطِرًا يبدو أنه تسبَّب في خوف الوفد. وهنا يمكننا أن ندرك «قوة» الخطاب، أو الخطاب بصفته «سلطويًّا»؛ إنَّ مثل هذا الخطاب القوي لم يكن ليظهر في مكة، ببساطة لأنَّ المسلمين كانوا مجموعةً صغيرة مستضعفة. ومثلما تخبرنا المصادر، فقد انسحب أفراد الوفد المسيحي مؤثِرين أن يدفعوا مبلغًا سنويًّا من المال يجمعونه فيما بينهم (الجزية) على أن يواجهوا لعنةً قد يجلبها القرآن.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. (آل عمران، الآية ٦١)
إنَّ القضية التي لا تقبل التفاوضَ بالنسبة إلى القرآن هي ألوهية المسيح، سواءٌ أكان ذلك بوصفه إلهًا أم ابنًا له؛ فهي أمرٌ غير مقبول على الإطلاق، مثلما أنه لا توجد أية إمكانية للتفاوض مع المشركين؛ ولهذا فإنَّ القرآن يسمي من يؤمنون بألوهية المسيح بالمشركين أو بالكفار. وبناءً على هذا، فإنَّ الإمكانية الوحيدة للاتفاق مع المسيحيين لا تتأتَّى إلا بتخلِّيهم عن الزعم بألوهية المسيح، وهذا في حد ذاته طلبٌ مستحيل. إضافةً إلى ذلك، يذكر القرآن حجج المسيحيين الخاطئة بشأن الأمور التي لا يعرفونها؛ إذ إنَّ الحقيقة النهائية هي التي نزلت على محمد. يوضح القرآن أنَّ زعم كلٍّ من اليهود والمسيحيين بأنهم وحدَهم ورثة النبي إبراهيم زعمٌ خاطئ. يوضح القرآن خطأ هذا الزعم بدليل أنَّ إبراهيم لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا؛ إذ لم تنزل التوراة والإنجيل إلا من بعده (راجع آل عمران، الآيات ٦٤–٦٧).
النقطة التي أرغب في الإشارة إليها الآن أنَّ القرآن لم يتبرأ قط من النصوص المقدَّسة اليهودية والمسيحية؛ فهو يعترف أنها جاءت من نفس المصدر الذي نزل منه القرآن، ألا وهو: الوحي. لكنَّ محلَّ الخلاف على الدوام هو كيفية فهْم أهل الكتاب لهذه النصوص وتفسيرهم إياها؛ فالقضية إذَن هي التأويل الخاطئ، وبهذا تتضح لنا أهميةُ الآية ٧ من سورة آل عمران، التي اتخذها علماء الدين المسلمون مبدأً أساسيًّا للتأويل. والآية هي:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.٢٧
تقييمي هنا هو أنه في سياق إنكار الفهم المسيحي فإن الآيات التي يصف فيها القرآن المسيح بأنه «روح» و«كلمة» من الله عُدت «متشابهة»، في حين عُدت تلك التي تؤكد على إنسانيته باعتباره نبيًّا ورسولًا فقط «محكمات»، بحيث تمثل عماد الكتاب.
من القضايا الخلافية بين المسلمين والمسيحيين أيضًا عقيدة الصلب، التي يؤمن المسلمون بأنَّ القرآن ينكرها. لا يرى المسلمون تضاربًا بين الموت العادي والرفع؛ فالقرآن يؤكد على كليهما. ولا يرى المسلمون تضاربًا بين الموت الطبيعي للمسيح ورفعه؛ فالقرآن يؤكد على كليهما. ليس السياق الذي تُذكَر فيه قضية الصلب سياقَ الخلاف مع المسيحيين، بل الجدال مع اليهود والخلاف معهم دفاعًا عن مريم والمسيح (النساء، ١٥٣–١٥٨). في هذا السياق، ينكر القرآن افتراء اليهود على مريم واتهامهم لها بالزنا ويدينه بشدة. وفي السياق نفسه، ينكر القرآن أيضًا زعمَ اليهود بأنهم قتلوا المسيح، وهو زعمٌ ينطوي على تهديد بأنهم قد يقتلون النبي محمدًا.
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا * وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. (النساء، ١٥٣–١٥٨)
لو أنَّ لقضية صلبِ المسيح في القرآن أهميةً تعادل قضية طبيعته، لورد ذكرها مرارًا وفي سياقات مختلفة. وبما أنها لا توجد إلا في سياق الرد على زعم اليهود، فإنَّ بنية الخطاب تشير إلى إنكار مقدرة اليهود على أن يكونوا قد فعلوا ذلك، وإخبار محمد ضمنيًّا بأنَّ تهديدهم الضمني بقتله، كما قتلوا عيسى، غير ممكن؛ إذ لن يسمح الله بذلك. مرةً أخرى، نجد أنَّ السؤال المطروح أمامنا: أيٌّ من هذين المعنيين سيسود، التآلف أم الانعزال؟ لا شك أنَّ هذا يستدعي العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي إلى نقاشنا. فكيف تؤثِّر هذه العلاقة في كيفية تبني المسلمين لنظرة جديدة لتراثهم من أجل تحديث حياتهم دون التخلي عن قوَّتهم الروحية، لا سيما في ضوء المشروع الاستعماري الأمريكي؟
اسمحوا لي الآن أن أقدِّم لكم إمكانيةَ الإصلاح الحقيقي في مجال الشريعة، إذا كان المفهوم الذي قدَّمته للقرآن مقبولًا.





