نظرة جديدة للقرآن: نحو تأويل إنساني-نصر حامد أبو زيد Mp3
(٧) تفكيك الشريعة
هل سيساعد التعامل مع القرآن بوصفه خطابًا، منخرطًا للغاية في الحوار مع المؤمنين وغير المؤمنين أيضًا، في معالجة القضايا الشرعية الشائكة التي لم تُحَل بعدُ لأنَّ غالبية المسلمين يَعُدونها وحيًا إلهيًّا؟ ربما توجد بعض الجماعات الراديكالية التي لم تزل تصرخ وتقاتل من أجل استعادة الخلافة، لكن الدولة الوطنية الراسخة في جميع البلدان المسلمة في عصرِ ما بعد الاستعمار قد حقَّقت تحولًا باتجاه مسألة القانون. والآن، صار الالتزام بإقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة بالكامل قضيةً خلافية بين التوجهين الأساسيين في الخطاب الإسلامي الحديث. ونجد أنَّ دساتير جميع الدول الإسلامية تتضمن المادة «الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ومبادئ الشريعة هي مصدر التشريع».
إنَّ الصراع بين الدول وبين الجماعات الراديكالية، الذي يتسم بالعنف والحِدة في بعض الأحيان، لا يرتبط كثيرًا بتطبيق الشريعة في الحياة الاجتماعية والفردية من عدمه. وإنما يتعلَّق أكثر بدرجة تطبيق الشريعة، وبما إذا كان النظام السياسي مستغرِبًا أم لا، ومن ثَم معاديًا للإسلام.
إذا كان كافيًا للفرد أن يشهد بالإسلام وأن يؤديَ الأركان الأربعة الأخرى: إقامة الصلوات اليومية الخمس، وصيام شهر رمضان، وأداء الزكاة، وأداء الحج إن توافرت لديه الاستطاعة المادية؛ فإنَّ ذلك غير كافٍ للمجتمع. ففي حالة عدم إقامة دولة إسلامية، سوف يُسأل كل فرد مسلم أمام الله عن هذا الفشل الديني؛ هذا ما يعظ به ممثلو الجماعات الإسلامية الراديكالية وممثلو ما يُسمى بالخطاب الإسلامي «الوسطي».
إنَّ المفكرين المسلمين الذين يتبنَّون وجهةَ نظر مختلفة بشأن العلاقة بين الإسلام والسياسة، يُدانون بوصفهم «مستغربين»؛ أي إنهم ليسوا بالمفكرين المسلمين الحقيقيين. ولا تشتهر آراء هؤلاء المفكرين المسلمين غير التقليديين وغير الراديكاليين خارج حدود العالم الإسلامي، لا سيما آراء مَن يفضِّلون مخاطبةَ قرائهم بلغتهم الإقليمية. أما الدعاة الراديكاليون المحرِّضون، فيحرص بشدةٍ الإعلام الغربي على تقديم أفكارهم، مما يخلق الانطباعَ لدى العقل الغربي بأنه ليس للإسلام سوى وجه واحد: وجه بن لادن.
اسمحوا لي الآن أن أطرح عليكم بإيجاز رؤيتي البحثية بشأن مفهوم الشريعة. وفقًا للمصادر التراثية، فإنَّ الآيات القرآنية التي تتضمَّن دلالات تشريعية وتُعتبر هي أساس الشريعة تبلغ حوالي ٥٠٠ آية. وبناءً على هذه الآيات، التي تمثِّل سدس القرآن أو ١٦٪ منه، بنى الفقهاء نظامًا من الاستنباط والاستدلال يُسمى ﺑ «علم أصول الفقه». ووفقًا لهذه المبادئ، أضافوا إلى القرآن مصدرًا ثانيًا، وهو «السُّنة النبوية». صنَّف الفقهاء السُّنة النبوية على أنها المصدر الثاني للتشريع، وقالوا بأنها إلهية بقدْر ما أنَّ القرآن ذاته إلهي. ولأنَّ مصدرين إلهيَّين لم يكونا كافيَين لحل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والجنائية المتزايدة، اضطُر الفقهاء إلى تبني مبدأ ثالث يستند إلى القواعد الفقهية المتَّفق عليها بالفعل يُسمَّى «الإجماع»، ويُقصَد به إجماع جيل المسلمين الأول من صحابة النبي. ظهرت بعد ذلك حاجةٌ شديدة إلى وجود مبدأ رابع هو «الاجتهاد»؛ وذلك لحل المشكلات التي لم يجدوا حلًّا لها في المصادر الثلاثة السابقة. غير أنَّ مبدأ الاجتهاد هذا كان مقتصرًا في حقيقة الأمر على تطبيق طريقة القياس، التي تتمثَّل في التوصل إلى حلٍّ لمشكلة محدَّدة من خلال مقارنة هذه المشكلة مع أخرى مماثلة قد حلَّها أحد المصادر الثلاثة.
تستند أدبيات الشريعة بأكملها، في سياق المذاهب السُّنية الأربعة الكبرى على الأقل، على المبادئ التي سبق ذكرها، مما يعني أنَّ الشريعة منتجٌ بشري، وليست إلهية على الإطلاق. من المحال أيضًا أن ندعي صلاحيتها لكل زمان ومكان.
إذا درسنا سياق بعض التشريعات القانونية التي نصَّ عليها القرآن، مثل عقوبة الزنا أو السرقة أو الحِرابة أو القتل، والتي تُسمى بالحدود، فإنَّ السؤال الذي يُطرَح أمامنا هو: أكانت هذه العقوبات من ابتكار الإسلام بالكلية، ومن ثَم فهي إسلامية؟ والإجابة هي «لا» بكل تأكيد؛ فجميع هذه العقوبات ظهرت بوجه عام قبل الإسلام؛ إذ يعود بعضها إلى الديانة اليهودية التي كانت قد تبنَّتها أصلًا من القانون الروماني، وبعضها يعود إلى نظمٍ أقدمَ بكثير. ولا يجوز في عصرنا الحديث الذي نراعي فيه احترامَ حقوق الإنسان وسلامة جسده، أن نفكِّر في بتر أعضاء من الجسد البشري أو تطبيق عقوبة الإعدام باعتبارهما من العقوبات الدينية الإلزامية التي فرضها الله.
ثمَّة جوانبُ أخرى من الشريعة، مثل الجوانب المتعلقة بحقوق الأقليات الدينية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان بصفة عامة، ينبغي مراجعتها أيضًا وتناولها بمنظور جديد. إنَّ وضع التشريعات القرآنية في سياقها، إضافةً إلى دراسة بنيتها اللغوية والأسلوبية — بوصفها خطابًا — سيوضح أنَّ وظيفة الفقهاء في الأصل كانت هي الكشف عن معنى تلك التشريعات، وإعادة توظيف هذا المعنى في سياقاتهم الاجتماعية المختلفة. فليس القرآن في حد ذاته كتابًا قانونيًّا، بل ترِد التشريعات القانونية — مثلما أثبتنا بالفعل — بأسلوب الخطاب، مما يعكس وجود سياق من التفاعل مع الاحتياجات البشرية في زمن محدَّد، مما يتيح بدوره تخصيص «المعنى» المقصود لكل نموذج من نماذج المعنى.
إنَّ التعامل مع القرآن بوصفه خطابًا يوفِّر خيارات متعددة وحلولًا متعددة ومجالًا مفتوحًا للفهم. وما نستنتجه إذَن هو أنَّ الزعم بأنَّ الشريعة ملزِمة لجميع المجتمعات المسلمة بصرف النظر عن الزمان والمكان هو ببساطة إضفاء للقداسة على الإنتاج الفكري التاريخي البشري. ولمَّا كانت الحال كذلك، فلا إلزام إذَن بإقامة دولة دينية تُدعى إسلامية. فليس هذا الطلب سوى دعوى أيديولوجية لتأسيس سلطة ثيوقراطية سياسية لا تخضع للمساءلة؛ ليس هذا الطلب سوى إعادة إحياء لأسوأ الأنظمة السياسية الديكتاتورية على حساب البُعد الروحاني والأخلاقي للإسلام.
(٨) تحدِّي الحداثة: سياق مُربِك
لم يفتأ المسلمون يعيدون التفكير في مصادر المعرفة الإسلامية ويعيدون تعريفها ويعدِّلونها. وخضعت أمورٌ مثل السُّنة والإجماع والقياس إلى مناقشات وجدالات عميقة وخلافية منذ القرن الثامن عشر. ولم يزل معنى القرآن، ومن ثَم معنى الإسلام، موضوعًا للاستقصاء والبحث والتخصيص وإعادة التخصيص والتفاوض منذ أواخر القرن التاسع عشر. كان الحافز الجوهري والأولي لهذا النوع من «النظرة الجديدة» هو السعي القوي لتطوير المجتمعات المسلمة في اتجاه الحداثة من جانب، والإبقاء على روح الإسلام وقواه من الجانب الآخر؛ فقد كانت الحداثة رغم كل شيء قوةً أجنبية فرضتها من أعلى الهيمنةُ الأوروبية الاستعمارية على العالم الإسلامي بأكمله بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية.
بنهاية القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا قد نجحت بالفعل في استعمار الجزء الأكبر من الهند. ونجحت فرنسا، تحت قيادة نابليون بونابرت، في احتلال مصر عام ١٧٩٨. وبعد ذلك، احتلت فرنسا الجزائر في عام ١٨٣٠، ثم تونس في عام ١٨٨١، وزحفت بريطانيا على مصر عام ١٨٨٢. وقبل ذلك بفترة طويلة، كانت هولندا قد احتلت إندونيسيا بالفعل. وكانت هناك كثير من الحملات الأخرى خلال الفترة التي تكشَّف فيها برنامج الغرب الاستعماري في أنحاء العالم الإسلامي.
وفي هذا السياق، يمكن للمرء أن يذكر ثلاثة على الأقل من التحديات التي حفزت المسلمين على إعادة التفكير في تراثهم، وشكَّلت أيضًا كيفيةَ قيامهم بذلك. أول هذه التحديات الثلاثة هي الاكتشافات العلمية والتكنولوجيا المتقدمة. وبالنسبة إلى التحدي الثاني، فهو مسألة العقل والعقلانية، وأما التحدي الثالث فهو التحدي السياسي. وغنيٌّ عن القول أنَّ هذه التحديات الثلاثة، التي نطرحها هنا كلًّا على حدة، كانت متشابكة على الدوام في كلٍّ من توجُّهات التفسير التي سنعرضها.
- (١) عرف العالم الإسلامي العلومَ والتكنولوجيا الحديثة في شكل معدَّات عسكرية غريبة تسبَّبت في هزيمتهم أمام القوى الغربية التي تتبنَّى المنهج التجريبي، وأدَّت إلى احتلال غزاة غير مسلمين لبلادهم. فحين وصل الجيش الفرنسي إلى الإسكندرية عام ١٧٩٨، كان جنود المماليك جاهزين للقتال رجلًا لرجل. غير أنهم ذُهِلوا لرؤية المدافع القوية التي قتلت عشرات الجنود بقذيفة واحدة ومن مسافة بعيدة. أحضر نابليون بونابرت مع جيشه عددًا من علماء علوم الطبيعة والاجتماع. ويخبرنا الجبرتي في عمله التاريخي عن تلك الفترة عن ردِّ فِعل علماء الأزهر حين دُعوا لمشاهدة تجارب كيميائية في المختبر الذي أنشأه الفرنسيون بالقاهرة. لقد كانوا مرعوبين حتى إنَّ بعضهم قد فرَّ هاربًا وهو يتعوَّذ؛ إذ رأوا أنَّ هذه التجارب ضربٌ من السِّحر. كان هذا هو اللقاء الأول بين المفكِّرين المصريين والتكنولوجيا الحديثة الناتجة عن البحث والاستقصاء العلمي الحديث. وكانت استجابتهم لذلك أن يتعلموا ليكتسبوا القوة التي تمكِّنهم من المقاومة. إن تعلُّم العلوم الحديثة من خلال إرسال بعثات من الطلاب لدراسة العلوم في أوروبا واستيراد التكنولوجيا الحديثة، لا سيما الأسلحة العسكرية، كانت إذَن هي الاستجابة الأساسية التي صدرت عن كلٍّ من مصر وتركيا.
- (٢) وفي خِضم القوة العسكرية، كان ثمَّة سلاح فكري يعزو مسئولية ضَعف العالم الإسلامي إلى الإسلام. في هذا السياق، كانت عقلية المستعمِر تنظر إلى دول العالم الإسلامي وتتعامل معها وتخاطبها بصفتها مسلمة فقط، دون أي هوية فرعية أخرى، كالهوية الهندية أو الإندونيسية أو العربية. وازداد الأمر تعقيدًا حين قبِل المستعمَرون هذه الهويةَ التي فرضها عليهم المستعمِر دون أي مناقشة؛ ومن ثَم فقد تقمَّصوا هذه الهوية واختزلوا أنفسهم فيها، مما أدَّى إلى تشكيل أزمة هوية لديهم.لقد ظهرت دعاوى صريحة بأنه لا بد لهذا الجزء من العالم أن يتجاهل الإسلام ويهجره إن كان له أن يحرز أيَّ تقدُّم في اللَّحاق برَكْب الحداثة. ويكفي أن نذكر ما قاله الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان (١٨٣٢–١٨٩٢) والسياسي والمؤرخ الفرنسي جابرييل هانوتو (١٨٥٣–١٩٤٤)،٢٨ الذي شغل منصب وزير الشئون الخارجية من عام ١٨٩٤ حتى ١٨٩٨. رأى رينان أنَّ الإسلام لا يتلاءم إطلاقًا مع العلم أو الفلسفة. وزعم في رسالته للدكتوراه، التي صدرت عام ١٨٥٢ تحت عنوان «ابن رشد والرشدية» أنَّ أيًّا ما يُدعى بالعلوم الإسلامية والفلسفة الإسلامية ليس سوى ترجمة لما قاله الإغريق. ووفقًا لرينان، إن الإسلام، شأنه شأن العقائد الدينية الأخرى التي تستند إلى الوحي، يعادي المنطق والتفكير الحر. هانوتو أيضًا كان يرى أنَّ الإسلام مسئول عن تخلُّف العالم الإسلامي. وقد بنى زعمه بناءً على الاختلاف اللاهوتي بين الإسلام والمسيحية. فوفقًا لهانوتو، إنَّ عقيدة التجسُّد في المسيحية ينتج عنها بناءُ جسر بين الإنسان وبين الله، مما يحرِّر الإنسان من أي اعتقاد بالجبرية. على النقيض من ذلك، فإنَّ عقيدة التوحيد الخالص التي يتبنَّاها الإسلام قد خلقت فاصلًا واضحًا بين الإنسان والله، فلم تسمح بمجال للإرادة البشرية الحرة. وبناءً على هذا السبب اللاهوتي، فسَّر هانوتو الاستبداد السياسي الذي يميز العالم الإسلامي.٢٩هاجم كلٌّ من جمال الدين الأفغاني (١٨٣٨–١٨٩٧)٣٠ ومحمد عبده (١٨٤٨–١٩٠٥) هذه الادعاءات، مشيرين إلى أنَّ السبب في تخلُّف المسلمين لا يعود إلى الإسلام في حد ذاته، بل إلى سوء فهْم المسلمين المعاصرين للإسلام. وزعم كلاهما أنه إذا فُهِم الإسلام على نحو ملائم وفُسِّر على نحو صحيح، مثلما كانت الحال في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، فما كانت القوة الأوروبية لتهزم المسلمين ولا أن تهيمن عليهم بسهولة.كان السؤال الأساسي الذي واجه المصلحين المسلمين المعاصرين الأوائل هو هل كان الإسلام متوافقًا مع الحداثة أم لا. كيف يمكن لمسلم مخلِص أن يعيش في بيئة سياسية واجتماعية حديثة دون أن يفقد هُويته الإسلامية؟ هل يتلاءم الإسلام مع العلم والفلسفة؟ بعد ذلك، ظهر السؤال المتعلِّق بمدى ملاءمة الشريعة التي تحكم المجتمع التقليدي، ومدى ملاءمة القانون الوضعي الذي يحكم الدول الوطنية الحديثة. أيقبل الإسلام الأعراف السياسية الحديثة مثل الديمقراطية والانتخابات والبرلمان، وهل من الممكن أن تُستبدَل هذه الأعراف بمؤسسة «الشورى» التقليدية وسلطة نخبة العلماء «أهل الحَل والعَقد»؟
- (٣) إنَّ مناقشة مثل هذه الأسئلة تشكل جزءًا أساسيًّا من مسألة الدِّين والسياسة. لقد ظهرت مسألة الإسلام السياسي في ظل الاحتلال الاستعماري لمعظم الدول الإسلامية، وذلك منذ زمن بعيد يعود إلى عام ١٧٩٨ في مصر على سبيل المثال، حيث عرف المسلمون أنماطًا مختلفة من الحياة جلبها المستعمِرون إلى حياتهم اليومية. فهم يختلفون عنهم في الشكل وفي طريقة الملبس، وفي التصرفات، وفي اللغة التي يتحدثون بها. وهم يأكلون المحرَّم من الطعام ويشربون الخمر ويتواصلون بحرية مع نساءٍ لَسْن من محارمهم، وحتى نساؤهم يرتدين ثيابًا غير لائقة. باختصار، إنَّ وجود هؤلاء الدخلاء في إقليم إسلامي تمامًا هم وحدهم مَن يختلفون عنه كان انتهاكًا شديدًا للهوية الدينية والاجتماعية للمسلمين.مما يدعو إلى السخرية، أو ربما المفارقة، أنَّ بونابرت قدَّم نفسه للعلماء المصريين بصفته حامي «الإيمان» في وجه كلٍّ من البابا الكاثوليكي والسلطان العثماني الفاسد. وبعد ذلك، عزَّز زعمه بالتظاهر بالدخول في الإسلام. غير أنَّ كِلا الزعمين لم يُجدِ شيئًا. وظهرت مشكلة السياسة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وأدَّى قرار الحركة التركية الوطنية الجديدة بإلغاء الخلافة إلى إثارة السؤال عما إذا كانت الخلافة مؤسَّسة إسلامية أم إنها كانت شكلًا من أشكال الأنظمة السياسية يمكن الاستعاضة عنه بنظام آخر دون التخلي عن الهوية الإسلامية. وفي خِضم هذا التوتر والغموض الذي يحيط بمثل هذه الفترات الانتقالية، وجد العالم الإسلامي نفسه مجردًا فجأةً من هويته، متمثلةً في الخلافة. وقد حاولت شخصياتٌ سياسية، مثل الملك فؤاد في مصر والشريف حسين في الجزيرة العربية، استعادةَ الخلافة، وسعى كلٌّ منهما لأن يُبايَع خليفةً لجميع المسلمين.كان المصري علي عبد الرازق (١٨٨٨–١٩٦٦) هو مَن أيَّد إلغاء الخلافة مبرهنًا على أنه لا يوجد نظام سياسي محدَّد يوصَف بأنه إسلامي. لكنَّ استجابة محمد رشيد رضا (١٨٦٥–١٩٣٥) جاءت مختلفة. فقد دافع عن الخلافة بصفتها نظامًا إسلاميًّا أصيلًا لا بد من إقامته مجددًا، وإلا فسيعاني المسلمون العودةَ للجاهلية.٣١ وكردِّ فعلٍ سياسي على ذلك، تأسَّست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام ١٩٢٨. كان هدفها الأساسي هو إعادة تأسيس المجتمع الإسلامي في مصر باعتباره نموذجًا مثاليًّا ينبغي تطبيقه في كل مكان قبل استعادة الخلافة. ونتيجةً لهذا، أصبحت إعادة الأسلمة مضادةً للتحديث، الذي قُدِّم بصفته تغريبًا للمجتمع. إنَّ جميع الحركات الإسلامية السياسية الحديثة، التي توصَف عادةً في الخطاب العام الغربي بأنها حركات أصولية، تُعَد خلفًا لجماعة الإخوان المسلمين.في مثل هذا السياق التاريخي المربِك، لم يجرِ التعامُل عن قربٍ قَط مع السؤال المتعلق ﺑ «طبيعة» القرآن و«بنيته»، وكذلك خلفيته التاريخية. ولما كان القرآن هو النص التأسيسي الأسمى للإسلام، فقد ظل بعيدًا عن متناول أي دراسة نقدية؛ إذ إنه مصدر الوحي الأساسي والجوهري الأوحد الذي يمكن الاعتماد عليه؛ فهو، أولًا وأخيرًا، كلام الله. وقد نظر المسلمون إلى دراسة المستشرقين للقرآن وتاريخه وبنيته على أنها جزء من المؤامرة الأوروبية ضد الإسلام والمسلمين.
(٩) نظرة جديدة للتراث
بدايةً، أود أن أعرض بإيجاز الوجهَ الآخر من الإسلام الحديث، ذلك الوجه غير العنيف والأكثر انفتاحًا والليبرالي على الأرجح، الذي لا يعرفه سوى المخلصين من الباحثين غير المنحازين، وهو وجهٌ خفي بعض الشيء في وسائل الإعلام الغربية والشرقية على حد سواء، وصوت مكتوم فيها. وسيتضح من هذا العرض — كما أرجو — أنَّ مسألة «تبني نظرة جديدة للقرآن» ضرورية إن أراد المسلمون حقًّا تبنِّي مشروع الحداثة الأساسي والجوهري بمزيد من المشاركة البناءة.
ومن أجل تقديم سردٍ موجَز لهذه العملية، ينبغي تحديد المبادئ المعرفية للإسلام منذ بداياته إلى أن وصل إلى العصر الحديث، واستوجب الأمر تناوُله بنظرة جديدة. يجب أن أوضح أنَّ المصادر الأربعة التي سأذكرها هنا لا تمثل سوى وجهٍ واحد من الثقافة الإسلامية المتعددة الأوجه؛ وهو وجه الشريعة. هذه المبادئ هي المبادئ المعرفية التي تسمَّى أصولَ الفقه، والتي تُستخرج القواعدُ الفقهية وفقًا لها. وقد تأثَّرت كل الحركات الإحيائية إلى حد كبير بالظروف التي جرى فيها حصر الإسلام: إيمان قائم على الشريعة فقط. يعرف دارسو الإسلام أنَّ الشريعة هي وجه واحد فقط من الأوجه المتعددة للتقاليد والثقافات الإسلامية، وهو وجهٌ يمكن التفريقُ بينه وبين عدد من الأوجه المتعددة الأخرى، مثل الفلسفة وعلم الكلام والصوفية وغير ذلك.
إنَّ السبب وراء اختزال الإسلام في نموذج الشريعة هو أنَّ الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام الإسلامي وكذلك الفلسفة الصوفية الإبداعية قد هُمِّشَت تدريجيًّا منذ القرن الخامس الهجري؛ أي القرن الثاني عشر الميلادي. فقد عانى الفلاسفة وعلماء الكلام غير الأصوليين، كالعالم الشهير ابن رشد، درجاتٍ مختلفةً من الاضطهاد. ويكفي هنا أن نذكر اثنين فقط من كبار المتصوفين الذين أُعدموا، وهما: الحلاج (الذي أُعدم عام ٩١٠) وشهاب الدين يحيى السُّهرَوَردي (الذي أُعدم عام ١١٩١). ووفقًا لمذاهب الفقه الكبرى، مصادر المعرفة مرتبةٌ ترتيبًا هرميًّا كما يأتي:
يأتي في المرتبة الأولى على الإطلاق القرآن وتفسيره اللذان يمثِّلان النبع المعرفي الرئيسي؛ فهو كلام الله الموحى به بالعربية إلى النبي محمد في القرن السابع الميلادي. ورغم أنه يخاطب العرب بصفة أساسية، فإنَّ رسالته موجَّهة إلى البشرية جمعاء أيًّا كان زمانها ومكانها. فالقرآن هو مصدر الهداية والنور، وهو الخطة الإلهية النهائية للخلاص في هذا العالم وفي الحياة الأخرى.
في المرتبة الثانية بعد القرآن، تأتي أقوال النبي محمد وأفعاله، بما في ذلك ما استحسنه من أقوال صحابته وأفعالهم وما استهجنه منها. ويُعرَف هذا بالسُّنة النبوية. وقد اعتُبرَت السُّنة النبوية إلهية بقدر القرآن نفسه؛ لأنَّ كليهما وحي من الله. ووُضِّح الاختلاف بينهما من خلال التمييز بين «المحتوى» والتعبير اللغوي أو «الشكل» في كلٍّ منهما. فالقرآن كلام الله؛ ومن ثَم فكلٌّ من محتواه وشكله إلهي. على الجانب الآخر، فإنَّ محتوى السُّنة وحي من الله، لكنه بشري الشكل؛ أي إنَّ محمدًا هو مَن صاغه في كلمات. بالرغم من ذلك، فهي ليست أقل منزلة من القرآن، بل هي مساوية له في المكانة وإن كانت تالية له في الترتيب. لقد ذهب الفقهاء أيضًا إلى حد التأكيد على أنَّ القرآن يحتاج إلى السُّنة أكثر مما تحتاج السُّنة إلى القرآن. ليست السُّنة للتفسير فحسب، بل لتوضيحِ ما ذُكر فيه ضمنيًّا أيضًا، مثل كيفية أداء الصلاة والصيام أو معرفة شروط الطهارة ومقدار الزكاة التي ينبغي دفعها، وما إلى ذلك. فمن دون السُّنة، يصبح القرآن أقلَّ وضوحًا. وحتى فهمُ سياق آيات القرآن وسوره ومعرفة الأحداث التاريخية المحيطة بالوحي، وهي عملية استمرَّت على مدار أكثر من عشرين عامًا، أمرٌ لا يتحقَّق إلا من خلال المعلومات التاريخية التي تُقدِّمها السُّنة.
المبدأ المعرفي الثالث، أو مصدر المعرفة الثالث، هو إجماع العلماء. لم يوجد اتفاق بين العلماء بشأن الشرعية المعرفية لمبدأ «الإجماع»، ولم يوجد أيضًا اتفاقٌ على تعريفه، وقد أدَّت الصياغة النهائية لهذا المبدأ إلى تضييق نطاقه وتأثيره. لقد اقتصر نطاقه على الإشارة إلى ما اتَّفق عليه الجيل الأول من المسلمين؛ أي صحابة النبي، وذلك بناءً على الافتراض القائل بأنَّ هذا الإجماع ينبغي أن يكون قد تأسَّس على سننٍ نبوية معينة لم تُنقَل إلى الجيل التالي. ونتيجةً لهذا، فقد اقتصر تأثيره على القضايا التي لم تُذكَر تصريحًا ولا تلميحًا في المصدرين السابقين.٣٢
المصدر الرابع والأخير لاكتساب المعرفة هو تطبيق القياس؛ أي استنباط قاعدة لقضية غير مذكورة في المصادر السابقة الذكر، من خلال قياسها على قاعدة مماثلة راسخة. يستند القياس إلى التشابه بين القضايا، مثل الشبه بين تناول الكحوليات وتدخين الحشيش، أو إلى الحكمة وراء القاعدة المذكورة. ويستلزم هذا النوع الثاني من القياس تبنِّي الاعتقاد الذي يقول بوجود «سبب منطقي» لجميع القواعد الإلهية، وهو اعتقاد لم تقبله جميع مذاهب الفقه. وعلى خلاف «الإجماع»، بالرغم من أنَّ القياس لم يكن بالمبدأ الذي استخدمه جميع الفقهاء، فقد حظي بتأييدٍ أكبر من الأغلبية.٣٣
(١٠) الإجماع من منظور جديد: ظهور «العلماء» الجُدد
يبدو أنَّ آلية «تبني نظرة جديدة» للتراث، التي بدأت بصفتها استجابةً لانحدار وضع المجتمعات الإسلامية، قد اتخذت خطوتها الأولى بالمبدأ الثالث، الإجماع، وكان من السهل تخطِّيه من خلال الحاجة إلى نوع جديد من العلماء. يُعَد شاه ولي الله (١٧٠٢–١٧٦٢) الأبَ الروحي للإسلام «الإحيائي» في الهند. ونظرًا للتوجُّه الخاص للإسلام في الهند، فقد جاءت صيغته الإصلاحية مزيجًا من «الصوفية» والتفكير المعني بالشريعة. على عكس الحركة الوهابية التي بدأها محمد بن عبد الوهاب (١٧٠٣–١٧٩٢) في الجزيرة العربية، والتي اتخذت اتجاه الإصلاح الأصولي، يمكن تفسير الاختلافات بين كلتا الحركتين في ضوء الخلفية التاريخية والثقافية المختلفة للإسلام، في كلتا البيئتين الاجتماعيتين. فبينما أدَّى تفاعُل الإسلام في الهند مع التراث الهندي السابق على الإسلام مثل الهندوسية والبوذية إلى إعادة تشكيله، كان الإسلام في الجزيرة العربية متجذرًا إلى حد كبير في تراثه البدوي وعاداته.
كان شاه ولي الله شديدَ التأثُّر بانهيار سلطة المغول التي أدَّت إلى ضياع سلطة المسلمين، فسعى إلى التشجيع على إحياء سلطة مركزية قوية من خلال تقديم مفهوم وجود سلطتين مكمِّلتين بعضهما بعضًا تتمثَّلان في خلافتين: إحداهما سياسية والأخرى فقهية، وكلتاهما مسئولتان عن الحفاظ على الإسلام. للسلطة السياسية، يستخدم ولي الله مصطلح «الظاهر»، وهو يعزو إلى هذه السلطة مسئولية الحفاظ على النظام الإداري والسياسي ومسئولية تطبيق الشريعة. وللسلطة الفقهية، يستخدم ولي الله مفهومَ «الباطن»، ويعزو إليها مسئولية إرشاد القادة الدينيين في المجتمع، وهو دور اضطلع به بنفسه.٣٤
ليس التشابه بين هذا النهج ونهج ابن عبد الوهاب بخفيٍّ؛ إذ يتمثَّل في الجمع بين السلطة السياسية وبين سلطة الفقيه للسعي نحو إحياء الإسلام من حالة التردي التي بلغها. بالرغم من ذلك، فلا يزال الاختلاف بين النهجين جليًّا في تلك الصبغة الصوفية التي تميز الإسلام في الهند.
في ظل هذه الصبغة الصوفية، وكي يتمكَّن من ترسيخ وضْع الفقيه بصفته شريكًا في أمور الدولة، تمكَّن شاه ولي الله من نقْد البنية الكلاسيكية للشريعة؛ فتمكَّن من رفضِ «التقليد»، الذي يعني الاتباعَ غير النقدي لآراء علماء مدارس الفقه الكلاسيكية، وإحياء الاهتمام بالاجتهاد، وذلك عن طريق القياس. ومن خلال إحياء مبدأ الاجتهاد، تمكَّن شاه ولي الله من تجاوز حالة الجمود التي سادت مجال دراسة الشريعة.
أكَّد ولي الله أنَّ روح الفقه، هي التي يمكن تطبيقها في جميع الأزمان والأماكن لا قالبه؛ إذ يتشكَّل القالب ويُصاغ بما يتفق مع ظروف الزمان والمكان. لم يُحيِ شاه ولي الله مفهومَ «المصلحة»٣٥ المأخوذ من المذهب المالكي فحسب، لكنه اعتمد، بصورة جوهرية، على التمييز الصوفي الراسخ بين «الشريعة» و«الحقيقة»؛ فالشريعة تاريخية ومحدودة بالزمان والمكان، بينما الحقيقة ما يُدرَك بالممارسة الروحانية التي تكسبك البصيرةَ بالواقع.
ولما كان ولي الله فقيهًا صوفيًّا، فقد حاول تنقية السُّنة من أي تأثير لعلم الكلام؛ لأنَّ علم الكلام يفرض التأمُّل العقلاني لأمورٍ وردت صراحةً في القرآن والسُّنة النبوية أو أمور لم تُذكَر في أيٍّ منهما. ويرى، على العكس من ذلك، أنَّ السُّنة هي الممارسات المتفَق عليها في المجتمع المسلم. ومن خلال هذا التمييز، نجح في فصل السُّنة عن علم الكلام الذي يرى أنه أدَّى إلى انقسام أهل القِبلة (المسلمين) إلى طوائفَ مختلفة وفصائل محددة تتعارض مع اتباعهم لأساسيات الدين.٣٦
وبينما شجَّع الخطاب الهندي الإحيائي المبكر الذي طرحه شاه ولي الله على مزيد من التطورات، مثلما سيتضح لنا، فإنَّ الوهابية لم تتطوَّر قط عن أفكارها الأساسية التي صاغها مؤسِّسها في البداية. ذلك أنَّ الوحدة المطلَقة بين العقيدة والنظام السياسي لم تسمح بتوفير أيِّ نطاق للمعارضة السياسية، بل أيَّدت أيديولوجيات أكثرَ راديكالية وأصولية. والآن في سياق الضغط الأمريكي لإعادة تشكيل العالم العربي بأكمله سياسيًّا وفكريًّا، يوجد كثير من الاجتماعات والمؤتمرات وغير ذلك التي تهدف في الأساس إلى تقديم الوهابية بوصفها نظامًا ديمقراطيًّا ليبراليًّا منفتحًا. إنها محاولة لتجميل الوجه القديم ذاته.
في مصر، ظهر نهجٌ إحيائي مماثل، لكنه ربما ليبرالي أكثر، وكان ذلك بعد اللقاء الأول مع أوروبا. أُرسِل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (١٨٠١–١٨٧٣) بصفته إمامًا لأول بعثة مصرية عسكرية إلى فرنسا (التي أُرسِلت لتلقي تدريبات عسكرية حديثة). كان الطهطاوي متأثرًا بشدة بأستاذه حسن العطار، الذي تولَّى منصب شيخ الأزهر لخمس سنوات (١٨٣٠–١٨٣٤)، وحاول تضمين العلوم الدنيوية في مناهجِ أقدمِ مؤسسة تعليمية إسلامية في مصر، وهي مؤسسة الأزهر. ومن عجيب المفارقات أنَّ الاعتراض جاء من المدير الفرنسي لمدرسة الطب في القاهرة، الذي رأى أنَّ الأزهر ينبغي أن يستمر بصفته مؤسسةً دينية فحسب. ولمَّا كان الشيخ حسن العطار نفسه ضليعًا في العلوم الدنيوية، بما في ذلك الفلك والطب والكيمياء والهندسة، إضافةً إلى الأدب والموسيقى، فإنه لم يرَ تعارضًا بين المعرفة الدينية والعلوم الدنيوية.٣٧
وتأثرًا بمعلِّمه، تمكَّن الطهطاوي من تعلمِ الفرنسية وقراءة بعض أعمال الفكر والأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر. وربما يكون الأهم من ذلك أنه كان لديه الوقت ليرى الحياةَ اليومية في باريس ويلاحظها، وأن يدوِّن ملاحظاته في كتابٍ نُشِر عقِب عودته إلى مصر بعنوان «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». وعند عودته، عُيِّن الطهطاوي مديرًا لمدرسة الألسن التي كانت حديثة التأسيس آنذاك. وفي عام ١٨٤١، أُلحِق بالمدرسة قلم للترجمة. ومن خلاله، تُرجِمَت كتبٌ كثيرة تغطي مجالات متنوعة مثل الجغرافيا والتاريخ والرياضيات والهندسة والقانون وغير ذلك، وكانت هذه الكتب تُنقَل من مختلف اللغات الأوروبية وإليها. وإضافةً إلى كل هذه المهام، عُيِّن الطهطاوي رئيسًا لتحرير أول صحيفة رسمية، وهي: «الوقائع المصرية».٣٨
إنَّ إسهام الطهطاوي في دراسة الإسلام و«تبني نظرة جديدة للتراث» إلى جانب ريادته في عملية الصحوة الفكرية، يكمُن في حقيقة أنه يقدِّم تصورًا جديدًا لفكرة «العلماء». فالطهطاوي لا ينظر إلى العلماء بصفتهم حراسًا لتراث ثابت وراسخ. ولما كان هو نفسه متمرسًا في الفقه على المذهب الشافعي، فقد كان يعتقد بضرورة تكييف الشريعة بما يتلاءم مع الظروف الجديدة، وأنَّ ذلك جائز. وعلى غرار شاه ولي الله، فقد دعا إلى فتح باب الاجتهاد الذي كان قد أُعلِن إغلاقه. وذهب الطهطاوي حتى إلى أبعد من ذلك، فاقترح أنه لا يوجد فرْق كبير بين مبادئ الشريعة وبين مبادئ «القانون الطبيعي»، الذي تأسَّست الأنظمة القانونية في أوروبا الحديثة بناءً عليه. كان معنى هذا الاقتراح أنه يمكن إعادة تأويل القانون الإسلامي في اتجاه التوافق مع الاحتياجات الحديثة، وقدَّم مبدأً يمكن الاستعانة به في تسويغ هذا المقترح، وهو أنه يجوز لأي مؤمن، في ظروف معينة، أن يقبل بأحد التأويلات الفقهية المستمَدة من نظام فقهي يختلف عن نظامه الخاص. وبعد تبنِّي كُتابٍ لاحقين لهذا الاقتراح، استُخدم في تشكيل نظام حديث وموحَّد للقانون الإسلامي في مصر وغيرها من البلدان.٣٩
من الجدير بالذكر أيضًا أنَّ المصلحين المسلمين تمكَّنوا من تجاوز مبدأ الإجماع بإحياء مبدأ الاجتهاد، وهو ما كان إلى حدٍّ كبير ميسورًا وناجحًا، عن طريق تأييد المبدأ الرابع المتمثل في القياس. ونتيجةً لتقويض مبدأ الإجماع، أصبحوا قادرين على مراجعة كتب الفقه، دون تقييد أنفسهم باتباع مذهب محدَّد، مما منحهم مزيدًا من الحرية في اختيار الآراء وبناء القياسات الفقهية. وقد صار لهذا النوع من الإصلاح دورٌ أساسي في مجال صياغة القانون وتقنين الشريعة في كثير من البلاد الإسلامية.
استمرَّت عمليةُ الخروج عن «الإجماع» في أن تكون مصدر التطورات المهمة على مدار القرن العشرين. وبفضل عصر الطباعة والصحافة وظهور النُّظم التعليمية الجديدة، اشتركت فئة جديدة من المفكرين في هذه العملية، مُتَحدِّين بذلك سلطةَ الفئة التقليدية من العلماء، والتي كانت السلطة المهيمنة عبْر العالم الإسلامي. وقد كان لكل هذه العناصر دورٌ جوهري في عملية بناء الدول الوطنية في فترةِ ما بعد الاستقلال. والآن، مع الاستخدام المكثَّف للإنترنت، تفكَّكت سلطة «العلماء» التقليدية، بل سلطة مفكري العصر الحديث أيضًا. إذا كان «العلماء» التقليديون هم مَن تحدَّوا مبدأ «الإجماع» وأعادوا النظر فيه، مما أدَّى إلى فتحِ مجال جديد للتفكير العقلاني في التراث، فإنَّ الفئة الجديدة من المفكرين هي التي كان عليها إحراز مزيد من التقدُّم في آلية «النظرة الجديدة».٤٠





