مقالات فكرية

ماذا يعني «التراث والتجديد»؟ حسن حنفي(Mp3)

(٢) الوضع الحالي للمشكلة

وقضية «التراث والتجديد» حتى الآن تتنازعها حلول ثلاث:

(٢-١) الاكتفاء الذاتي للتراث

وذلك يعني أن تراثنا القديم حوى كل شيء مما مضى أو مما هو آت، وهو فخرنا وعزنا، وتراث الآباء والأجداد، علينا الرجوع إليه ففيه حل لجميع مشاكلنا الحاضرة، وتبرز معانٍ كثيرة من الأحاديث مثل: «لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها»، أو حديث: «خير القرون قرني ثم الذي تلاني»، فلا يتقدم الحاضر إلا بالرجوع إلى الماضي، وأن التاريخ يسير في تدهور مستمر، وأن قمة التاريخ كانت في عصر ذهبي في الماضي، وأنه لا يمكن اللحاق بهذه القمة من جديد، فذاك عصر الطهارة قد انقضى وولى، ليس التراث قضية فخر واعتزاز بالماضي، بما تركه الآباء والأجداد لأن الاعتزاز بالماضي إسقاط من الحاضر عليه بمعنى أنه تعويض عن قصور جيلنا بالهروب إلى الماضي، وتخل عن معارك العصر، كما أن الاعتزاز بالماضي انصياع للعواطف القومية المعاصرة التي تقوم على بعث النعرة القومية التي تسربت إلينا من مسار الحضارة الغربية في القرن الماضي، الاعتزاز بالماضي استسلام للنزعة الخطابية السائدة في عصرنا والتي تغطي الواقع بسيل من الخطب الحماسية، وفي غياب العقل يسود الانفعال، ولا يمكن تسمية هذا الموقف بالموقف المحافظ، فالموقف المحافظ يدل على وعي فكري بالقضية واختيار لأحد الحلول الثلاثة، وهو موقف اليمين الواعي، ولكن هذا الموقف يكشف عن وضع اجتماعي لفئة معينة من الناس، تبغي المحافظة على مكاسبها والبقاء في مناصبها أو ترنو إلى مكاسب أعظم ومناصب أعلى عن طريق المزايدة في الدين، والحمية في الدفاع عنه، فهي ظاهرة اجتماعية أكثر منها ظاهرة فكرية، وكثيرًا ما تحدد الظواهر ببنائها الاجتماعي، ويكشف هذا الموقف عن الآتي:

  • النفاق؛ وذلك لأن أصحاب دعوة الاكتفاء الذاتي للتراث لا يؤمنون بشيء، ولا يبغون إلا المحافظة على مصالحهم الخاصة، فبما أنهم رجال الدين، وحملة العمائم، فإن التأكيد على الماضي كقيمة مطلقة فيه تثبيت لمناصبهم، وتأكيد لسلطانهم، متسترين وراء العلم، والدعوة إلى نصرة القديم ضد البدع المستحدثة، فهو إذن موقف يقوم على النفاق، ولا يبغي إلا المحافظة على المصالح الشخصية، ويكفي إقامة جدول إحصائي لجماعة العلماء والهيئات الدينية، والمبشرين بهذه الدعوة في أجهزة الإعلام لمعرفة نسبة دخولها من المناصب الدينية والمواقف السلفية والمزايدة على بعضهم البعض وكأنهم في حلبة سباق!
  • العجز، ولما كانت هذه الفئة بطبعها إحدى طفيليات المجتمع المتخلف فإنها تتعيش عليه، وتستمد وجودها من وجوده، ويستغلها الوضع السياسي القائم من أجل إضفاء الشرعية على نفسه، وتبرير وجوده أمام الجماهير، فهي إذن عاجزة عن فعل شيء، ولو كانت قادرة لفعلت، وتعويضًا عن هذا العجز تقيم معركتها في الهواء، وتبعد أنظار الحاضرين عن واقعهم، وتجعلهم يعيشون في الماضي، يجدون فيه عزاء عن واقعهم المرير، وهو عجز فكري لأنها فئة غير قادرة على القيام بأي دور في قضية التغير الاجتماعي، مع أنها زالت مرتبطة بالشعب في المواسم والأعياد والمآتم ودروس العصر والمغرب والعشاء.
  • النرجسية، وعلى أحسن تقدير، ومع افتراض الأمانة في مثل هذا الموقف، وأنه يعبر عن قضية، ويلتزم بمبدأ، فإن هذا الموقف ذاتي خالص تنقصه الموضوعية ويكشف عن ذاتية فارغة خالية من أي مضمون، هو موقف نرجسي لا يرى فيه الإنسان أبعد من مصالحه الخاصة، يعيش ويدور في فلك أهوائه، ولا ينكشف إلا بتأثر من خلاله وهو ما يسمى بالمصلح الديني الذي يرفض النفاق، ويكشف عن الدين في نقائه وصفائه، أو بتأثير من الجماعة العريضة، وهو ما يسمى بالمصطلح الاجتماعي أو إن شئنا بالثائر الذي يغير من بناء الواقع نفسه، فتتغير أبنيته الطفيلية التي تعيش عليه، وهذه النرجسية ناشئة في الحقيقة إما عن نفاق وتستر ومساومة وممالأة كما هو الحال في الأول، أو عن عجز وضعف وخنوع واستكانة كما هو الحال في الثاني.

(٢-٢) الاكتفاء الذاتي للجديد

وذلك يعني أن التراث القديم لا قيمة له في ذاته، كغاية أو وسيلة ولا يحتوي على أي عنصر من عناصر التقدم، وبأنه جزء من تاريخ التخلف أو أحد مظاهره، وأن الارتباط به نوع من الاغتراب ونقص في الشجاعة، وتخل عن الموقف الجذري، ونسيان للبناء الاجتماعي الذي هو إفراز منه في حين أن الجديد علمي عالمي، يمكن زرعه في كل بيئة، والحقيقة أن هذا الموقف يكشف أيضًا عن وجود فئة من الناس استطاعت أن تتحقق بما لم يصل إليه سائر أفراد المجتمع من علم وحماسة وشجاعة ورغبة في التغيير وجذرية ونقاء، ولكنها تسبق الغالبية العظمى بمراحل، وتنتهي إلى العزلة، فهي على حق من حيث المبدأ وعلى خطأ من حيث الواقع، فتسرع بإعادة البناء والقديم ما زال قائمًا بعد، تبني فوق بنيان متهدم قائم دون أن تكمل الهدم لتعيد البناء من جديد، وحياة الشعوب لا تتغير في لحظة، ولربما يستغرق التغير أجيالًا وأجيالًا لو أردنا للتغير أن يكون جذريًّا من الأساس وليس تغيرًا سطحيًّا متسرعًا، ويكشف هذا الموقف عن الآتي:

  • قصور النظرة العلمية، فليس التراث بغير ذي قيمة، إن لم يكن كغاية في ذاته فعلى الأقل كوسيلة، فالتراث جزء من المخزون النفسي للمعاصرين، فهو إذن إحدى مكونات الواقع، كالعادات والتقاليد والأمثلة الشعبية، وهذه لا تلغي أو تسقط من الحساب بل تستخدم ويعاد صياغتها، وتغيير الجماهير وتطوير الواقع لا يتم بطريقة آلية عن طريق استبدال جماهير بأخرى أفضل، وواقع بواقع آخر أكمل بل بتطوير الموجود بالفعل دون نظر إلى التكاليف أو الوقت أو الجهد، فهذا هو البناء الأبقى، وأنه ليمكن بسهولة تصنيع الريف عن طريق وضع آلة في القرية تدخل من جانب الفاكهة وتخرجها من جانب آخر معلبات، فينظر إليها الريفي بعين الدهشة والإعجاب وينقل نظرته إلى الضريح، القادر على القيام بالمعجزات، وإلى الولي القادر على القيام بالكرامات — ينقل نظرته هذه إلى الآلة، فالكل بالنسبة إليه شيء يثير الدهشة في غياب الرابطة بين العلة والمعلول، فبتغير البناء التحتي لا يتغير البناء الفوقي آليًّا بل لا بد من عملية إعادة تفسير القديم من أجل تغير النظرة للعالم، وهذا هو شرط التصنيع وأساس التقدم.
  • التقليد، تخاطر هذه الفئة بالوقوع في التقليد، وباستعارة تجارب سابقة، وبالوقوع في العمومية ونسيان الخصوصية — وقد يصل الأمر إلى حد الخيانة للواقع بالإضافة إلى التبعية الفكرية التي قد تصل أيضًا إلى حد العمالة، ذلك لصدور الجديد عن بيئة ثقافية مغايرة لبيئة الثقافة الوطنية، وهي في الغالب البيئة الأوروبية سواء كانت الدعوة إلى النظم الليبرالية أم إلى النظم الاشتراكية؛ لذلك كان أنصار التجديد متأوروبون، سلوكيًّا أم ثقافيًّا، وقد نبهت حركات الإصلاح الحديثة على خطورة التقليد والتبعية، ولكن دون جدوى، فنظرًا لانفصام عديد من المثقفين عن التراث القديم نتيجة للاغتراب الحضاري فإنهم لا يجدون بديلًا إلا في التراث الغربي الذي كانت له الريادة منذ أربعة قرون دون وعي منهم بانحسار هذه الريادة الآن، ودون دراية بأن هذه الثقافة التي ينهلون منها الثقافة محلية صرفة، وليس فيها أي أثر لدعوى العالمية والشمول.١٤
  • الازدواجية، وذلك أن أكثرية هذه الفئة تربطها بأوروبا أوشاج ثقافية أو دينية، فقد تربت في مدارس غربية خاصة، دينية أم علمانية، كما نشأت في الغرب وتكونت ثقافيًّا فيه، وتظن أن التراث القديم تراث إسلامي لا يرتبطون به دينيًّا أو ثقافيًّا،١٥ ومن ثم، وجدت هذه الفئة نفسها تدعو للحديث وترك القديم «الإسلامي» ولكنها بينها وبين نفسها تحرص على القديم «المسيحي» وترى في تاريخ الكنيسة القبطية تاريخًا لمصر، وفي تاريخ الكنيسة المارونية تاريخًا للبنيان … إلخ، فهي تدعي الإلحاد أمام المسلمين، وتؤمن بالله بينها وبين نفسها، تريد للمسلمين المواقف الجذرية، وتعيب عليهم الأساطير والغيبيات، وسيادة الوهم والخرافة، ثم تتعبد لله وتنشط داخل الكنيسة، تريد منهجًا اجتماعيًّا جذريًّا يحدد العلاقة بين الإنسان والإنسان، وتؤمن بمنهج صوفي خالص يحدد العلاقة بين الإنسان والله في حين أن النظرة العلمية تحتم عليهم وحدة المنهج، هذا بالإضافة إلى أن التراث القديم تراث سامي لا فرق فيه بين لحظاته الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام بل إنه يجمع كل التراث السامي القديم، الفرعوني والأشوري والبابلي والكلداني.

الثقافة العصرية ليست غاية في ذاتها يمكن الكتابة عنها، والتعرف بها، وتقديمها والدعوة لها، فذلك ما تم منذ أكثر من قرنين من الزمان منذ بداية عصر الترجمة الثاني،١٦ الثقافة العصرية هي ما سماه القدماء علوم الوسائل من أجل علوم الغايات، وأفضل المؤلفات في مذاهبها لن تغير الواقع قيد أنملة بل على العكس قد تطمس معالمه، وتكدس عليه معلومات قد لا يحتاجها كلها، وقد لا يحتاجها على الإطلاق، فانشغال الباحثين بعلوم الوسائل ضياع للوقت والجهد والعمر، وترسيخ للاغتراب الحضاري في شعور الناس، إن لم تستغل لتجديد القديم، وفك عقد الناس منه، الثقافة العصرية واردة من حضارة غازية، وهي ثقافة بيئية مغايرة لواقعنا المعاصر، فهي تعمي أكثر مما تكشف، وتغلف أكثر مما تبين،١٧ موقفنا من الثقافة العصرية لا يكون فقط باستعمالها كعلوم للوسائل بل أيضًا بأن نأخذ منا موقفًا وردها إلى بيئتها المحلية، واكتشاف أوجه قصورها في تحليل واقعها المحلي بشعور محايد هو شعورنا، ويكون هذا أكبر إضافة جديدة منا على الحضارة البشرية والاكتفاء بين الحضارات.

(٢-٣) التوفيق بين التراث والتجديد

ويعني هذا الموقف الثالث الأخذ من القديم ما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم، فهو موقف شرعي من الناحية النظرية يود أن يستوعب مزايا كلا الموقفين السابقين وأن يتخلى عن عيوبهما، وقد عبر الكثيرون عن نواياهم للقيام بهذا الدور، ولكن إعلان النوايا شيء، وتحقيقها شيء آخر خاصةً ولو تم ذلك بأسلوب خطابي، فإذا تم شيء فإما يتم لحساب القديم وبذلك يرجع إلى الموقف الأول وإما لحساب الجديد وبذلك يرجع إلى الموقف الثاني؛ لذلك بقت المشكلة تحتاج إلى دراسة وإلى تحديد الصلة الدقيقة بين التراث والتجديد بنظرة علمية بعيدة عن كل خطابة أو عن تحقيق أية مصلحة شخصية، وقد ظهرت عدة محاولات جادة للتراث والتجديد تتم بطريقتين:

  • التجديد من الخارج، وذلك عن طريق انتقاء مذهب أوروبي حديث أو معاصر ثم قياس التراث عليه، ورؤية هذا المذهب المنقول في تراثنا القديم وقد تحقق من قبل، ومن ثم نفتخر بأننا وصلنا إلى ما وصل إليه الأوروبيون المعاصرون بعشرة قرون أو أكثر من قبل، فهناك أرسطية ليبرالية، ومادية اشتراكية، وديكارتية إصلاحية وكانطية أخلاقية، وماركسية غربية، وشخصانية إسلامية، ووضعية أصولية١٨ … إلخ وهي اتجاهات نشأت بعد أن استطاع عدد من الباحثين الذهاب إلى الخارج في بعثات أولى، وتعلموا المذاهب السائدة في ذلك الوقت أو نقلوها طبقًا للمزاج والبيئة والثقافة، ثم رجعوا يروجون للمنقول، وبعد حين وجدوا أنفسهم أيضًا في بيئتهم المحلية فلم يتنكروا لها منذ البداية أو تنكروا لها ثم عادوهم الحنين إلى الماضي بعد اكتشاف اغترابهم وانعزالهم عن الثقافة القومية أو ربما على أسوء تقدير تبعًا للتيار ودخولًا في التيار الثقافي الوطني، أخذوها في الاعتبار، ودرسوا التراث بمنظور مذهبهم المنقول ولكن النية لم تكن معقودة أولًا للتراث والتجديد بل خضعت إما للتطور الفكري للباحث أو لتنوع كتاباته أو رغبةً منه في إعادة التأقلم مع بيئته الثقافية ورفضه أن يكون دائرة منعزلة هامشية غريبة على التراث القديم، ويكون الكاتب دخيلًا على مجتمعه وقومه، وفي كل الحالات ينشأ التجديد من الخارج عرضًا وليس قصدًا، وما زال هدفه هو الإعلان عن الباحث والدعاية للكاتب، وأخذ شرف التجديد والمعاصرة.
  • التجديد من الداخل، وذلك عن طريق إبراز أهم الجوانب التقدمية في تراثنا القديم، وإبرازها تلبيةً لحاجات العصر من تقدم وتغير اجتماعي، فتبرز الاتجاهات الاقتصادية في الملكية العامة وفي تنظيم الزكاة، أو نظرياته القانونية في التشريع بوجه عام، ولكنها جميعًا محاولات جزئية تبرز بعض الجوانب التقدمية الأصلية، في تراثنا القديم، ولا تعطي صورة عامة للتراث كله وإعادة بنائه طبقًا لحاجات العصر، في حين أن المطلوب تطويرها وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر، وإعطاء نظرة متكاملة للتراث، كما أنها تقع في الانتقائية وأخذ ما تريد وترك ما لا تريد، فالمحافظ له نفس الحق الذي للتقدمي في انتقاء بعض الجوانب المحافظة في تراثنا القديم والاعتماد عليها في الحد من التغيرات الاجتماعية، ويكون كلاهما على صواب ينتسب إلى التراث، ويحافظ عليه، ويربطه بحاجات العصر، والمطلوب هو إعادة تفسيرها لمعرفة أسباب وجودها في تراثنا القديم وكيف أنها كانت قديمًا تمثل جوانب تقدمية بالنسبة للعصر الذي نشأت فيه، كما يغلب على هذه المحاولات أحيانًا الطابع الخطابي الحماسي الدفاعي تعبيرًا عن الإحساس بالنقص وتعويضًا عن ذلك بالعظمة بالنسبة للغير، فهي قد ترضي الأذواق وإن لم تكن كافية لإقناع العقول، ولا توجد إلا محاولات معدودة لإعادة بناء علم بأكمله أو العثور على محور أساسي للقديم كله.

قضية التراث والتجديد هي في الحقيقة قضية «التنظير المباشر للواقع» ضد خطأين شائعين: الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في ذاته وأنه يكفي مجرد إجابة متطلباته حتى تحل مشاكله، ويتحرك بعد ركود، ولكن العصر ذاته يحتوي على المخزون النفسي القديم باعتباره أحد مكونات الواقع، أما الدخول في الواقع مباشرةً ومحاولة تنظيره فهو نقص في النظرة الموضوعية، وإغفال للأساس النفسي لسلوك الجماهير، والتعامل مع الظواهر الإنسانية وكأنها ظواهر طبيعية خالصة، وقد تتضارب التفسيرات للواقع الواحد بناءً على الاختلاف النظري المسبق لدى الباحثين، ولو أخذ الواقع النفسي في الحسبان لتكاملت نظرتهم، واتفقت تفسيراتهم، إنه لمن السهل على أي باحث أن يحلل الواقع المسطح مباشرةً، فما أسهل على القارئ أن يسمع تحليلًا لواقعه مباشرةً، ولكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ لأنه يقوم على الزمان وعلى التراكم الزماني، الواقع تاريخ ممتد كميدان للفعل، ولا يمكن فهمه إلا داخل مسار التاريخ — الوحدة الكلية، وقد يود الباحث إظهار براعته في التحليل ووصف الواقع المسطح للإعلان عن نفسه متوشحًا بالأسلوب، ولكنه إن لم يأخذ الواقع ذاته بجميع مكوناته مكان الصدارة، وتخفى الباحث وراءه، فإن الواقع سيظل عنيدًا مقاومًا لا يتغير، إن التحليل المباشر للواقع بلا تنظير ما راجع إلى نقص أيديولوجي عند الباحث، ناشئ عن نقص في الوعي النظري أو عن خوف من الانتساب إلى نظرية، أو عن تراجع في الإعلان عن موقفه بالرغم من رؤيته بينه وبين نفسه مدى صدق أيديولوجية ما، ويظل الباحث يتخبط في كل اتجاه فهذا أسلم له من أخذ موقف معين، وهنا يكون الموقف هو عدم اتخاذ موقف.

والخطأ الثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث والمنقول، فالتراث والتجديد ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية والإصلاح بينها بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية، ويقوم أصحاب الموروث وأصحاب المنقول في نفس الخطأ وهو البدء بنظرية مسبقة وعلى الواقع أن يتكيف طبقًا لها، وإن اختلفا معًا في مصدر هذه النظرية وليس في أسسها وصلاحيتها، فكلاهما يدافعان عن فكر لا عن واقع وكلاهما من أنصار التراث وليس من أنصار التغيير، أما محاولات التجديد فإنها أيضًا تتم عن طريق الجمع بين التراثين الموروث والمنقول من أجل التوفيق بينهما وكأن العصرية تعني اتفاق التراث القديم مع التراث العصري، فهي محاولات فكرية وإن كان الواقع هو المقصود، أما «التراث والتجديد» فهو القادر على التنظير المباشر للواقع لأنه يمد الواقع بنظريته التي تفسره، وقادرة على تغييره، فالتراث هو نظرية الواقع، والتجديد هو إعادة فهم التراث حتى يمكن رؤية الواقع ومكوناته، وسواء بدأنا من التراث لفهم الواقع أو التنظير المباشر للواقع، فكلا المنهجين، النازل والصاعد، يؤديان إلى نفس النتيجة، ويصلان إلى نفس التحليل إن تم تطبيقهما معًا وليس كلًّا منهما على انفراد، فلا الواقع يستنبط من الفكر، ولا الفكر يأتي من الواقع المسطح الجزئي وإن كان يأتي من الواقع العريض، وذلك راجع إلى واقعة الوحي الذي هو مصدر التراث، وكيف أنه جاء تلبيةً لنداء الواقع، وتكيف على أساسه.

١  «الجمهور» لفظ مستعمل في تراثنا القديم على نحو معرفي خالص ويعني العامة، ويقابل العقلاء أو الفلاسفة وهم الخاصة. «الجمهور» له معنى سلبي يرادف السطحية أو البلاهة أو عدم القدرة على فهم الحقائق النظرية المجردة ولا يقدر إلا على التشبيه والتجسيم، والجمهور أيضًا غير قادر على التحقق من صدق ما يقال له لأنه أقرب إلى الطاعة العمياء أو التقليدي، وهذا المعنى غير مقصود هنا، بل نعني بالجماهير المعنى العملي الخالص، كما نعني أيضًا الصدق في التعبير والحدس في الإدراك والحس الشعبي التلقائي، فالجمهور هو التاريخ، عملًا ونظرًا؛ ومن ثَم فاللفظ له مدلول إيجابي.
أما لفظ «نفسي» فهو لا يدل على مدلوله في علم النفس، بل يدل على الوعي أو الشعور، وهو عالم البواعث والدوافع والموجهات دون الوقوع في أي من نظريات علم النفس من حيث هو علم، بل يكفي المعنى الشائع من اللفظ.

٢  انظر مقالنا «العرب والفكر التاريخي»: قضايا معاصرة، ج٣ «في الثقافة الوطنية» (تحت الطبع).

٣  يتضح هذا في أعمال ماو تسي تونج المبكرة لإعادة تفسير الكونفوثيوسية تفسيرًا ثوريًّا، وكذلك في إعادة تفسير البوذية في فيتنام، والكاثوليكية الرومانية في أمريكا اللاتينية، والديانات الثورية الأفريقية مثل «أنبياء بانتو» و«الإسلام الأسود» في حركة «أمة الإسلام» في أمريكا التي أسسها إليجا محمد وانضم إليها مالكوم إكس، والأمثلة كثيرة من «دين التحرر» في بلدان العالم الثالث خاصةً عند جواتيريز وتوريز.
انظر مقالنا «كاميلو توريز، القديس الثائر»: قضايا معاصرة، ج١ «في فكرنا العربي المعاصر»، ص٢٨١–٣١٨، وأيضًا كتابنا: Religionus Dialogue and Revolution, part. II PP. 125–243.

٤  الغربة عن الماضي مثلًا في تركيا وألمانيا والجمهوريات السوفيتية في وسط آسيا، والغربة عن الحاضر في المجتمعات التقليدية كالحجاز ودويلات الخليج، ووضع طبقتين متجاورتين كما هو الحال في المجتمعات النامية في العالم العربي في مصر والعراق وسوريا والجزائر، والتحليل هنا على مستوى الشعوب وليس على مستوى الأنظمة الاجتماعية.

٥  انظر مقالنا «العرب والفكر التاريخي»: قضايا معاصرة، ج٣.

٦  هذا هو موضوع القسم الثاني من التراث «التراث والتجديد» بعنوان «موقفنا من التراث الغربي».

٧  هو مذهب أصحاب الطبائع عند الجاحظ، والنظَّام، ومعمر بن عباد، وثمامة بن الأشرس.

٨  وهذا هو معنى حديث المجددين المشهور: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها».

٩  لذلك يكون من السخف البحث عن هوية فرعونية أو قبطية أو عربية أو إسلامية.

١٠  لذلك نأسف كل الأسف لغياب هذا الطابع الوطني من معظم دراسات معاصرينا في التراث، وكأنهم لا يعيشون عصرهم أو أي عصر بالمرة، وربما يرجع ذلك إلى أن الدافع على التأليف هو الكتاب الجامعي المقرر، أو على أكثر تقدير الحصول على درجة علمية دون الالتزام بأي هدف، أو مجرد الشهرة والتشدق بقضية يتاجر بها المشاهير على صفحات الجرائد بغية التصدر والزعامة، وهم أقرب الناس إلى الارتزاق والعهر الفكري.

١١  لذلك نعيب على معظم دراسات باحثينا في التراث عدم أخذ قضاياه كقضايا شخصية، والاكتفاء بعرض المادة القديمة كما هي إلى حد التبسيط الرخيص المخل بأهمية مثل هذه القضايا للقدماء، وقد تطايرت من أجلها الرقاب حينذاك، في حين أن المعاصرين وقد ضاعت أرضهم وثرواتهم لم يهتزوا ولم يلتزموا، وظل التراث بالنسبة لهم قضية ميتة لأنهم ميتون؛ لذلك استعملنا ضمير المتكلم الجمع مثل «تراثنا»، «موقفنا»، «جيلنا» للدلالة على الطابع الشخصي للقضية، وهو الأسلوب الذي يعبر عن الطابع الحضاري والانتماء الشخصي؛ ولذلك أيضًا كان «التراث والتجديد» تعبيرًا عن الحياة الشخصية للباحث، والمشاكل التي عرضت له إبان العشرين سنة الماضية، وحرصه على التراث على تغيير الواقع في آن واحد، وهي قضية المثقفين الثوريين لهذا الجيل.

١٢  الأيديولوجية والعلم ضدان في التراث الغربي وفي مصطلحات الماركسية، ولكن في الشعور القومي لبلدان العالم الثالث يحرك كلا اللفظين أشواق الجماهير نحو هدف واحد، هو الالتزام بالثقافة الوطنية التي يتحد فيها الأيديولوجية والعلم.

١٣  استُعمل هذا الأسلوب وما زال يُستعمل في الحضارة الغربية، ولكن للدلالة على موقف عنصري قومي شوفيني متمركز حول الذات.

١٤  انظر مقالنا «موقفنا من التراث الغربي» في: قضايا معاصرة، ج٢ «في الفكر الغربي المعاصر»، ص٣–٣٣.

١٥  معظم الداعين من المفكرين المسيحيين مثل سلامة موسى، شبلي شميل، فرح أنطون، يعقوب صروف، نقولا حداد، لويس عوض، وليم سليمان، مراد وهبة وأقلهم من المسلمين مثل إسماعيل مظهر.

١٦  انظر مقالنا «موقفنا الحضاري» في: قضايا معاصرة، ج١، ص٤٦–٥٠.

١٧  انظر مقالنا «رسالة الفكر» في: «قضايا معاصرة»، ج١، ص٣–١٦.

١٨  نظرًا لأهمية هذه الدراسات فإننا نكتفي هنا بإعطاء نماذج منها إلى حين عرضها عرضًا مستقلًّا وإيفائها حقها من التحليل والنقد كما قمنا بذلك من قبل مع أعمال د. عبد الله العروي في مقالنا «العرب والفكر التاريخي».

  • د. زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، دار الشروق، ١٩٧١م.
  • د. زكي نجيب محمود: المعقول واللامعقول، دار الشروق.
  • د. زكي نجيب محمود: ثقافتنا في مواجهة العصر، دار الشروق، ١٩٧٦م.
  • د. عبد الله العروي: الأيديولوجية العربية المعاصرة (بالفرنسية)، ماسبيرو، ١٩٧٠م.
  • د. عبد الله العروي: العرب والفكر التاريخي، دار الحقيقة، ١٩٧٣م.
  • د. محمد عزيز الأحبابي: الشخصانية الإسلامية، دار المعارف، ١٩٦٩م.
  • أدونيس: الثابت والمتحول ثلاثة أجزاء، دار العودة، ١٩٧٤م / ١٩٧٧م / ١٩٧٩م.
  • صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني.
  • الطيب تيزيتي: مشروع رؤية جديد للفكر العربي من العصر الجاهلي حتى المرحلة المعاصرة من التراث إلى الثورة، حول نظرية مقترحة في التراث العربي، الجزء الأول، دار ابن خلدون، ١٩٧٦م.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading