مقالات فكرية

إِبْطَالُ قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” للإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ-لطفي خيرالله-تونس

10) [اُلثَّانِي]، أَمَّا اُلْجِهَةُ اُلثَّانِيَةُ فِي خَلَلِ اُلدَّلِيلِ.

11) [أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ هَذَا وَأَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ أَنَّهُ لاَ يَعْتَرِيهَا اُلذُّبُولُ]، ثُمَّ هَبْ أَنَّ “اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ بِاُلذُّبُولِ فَقَطْ” قَدْ كَانَ مَعْرُوفًا إِمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِبَيَانٍ، فَمِنْ أَيْنَ اِسْتَيْقَنَ جَالِينُوسُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ اِعْتَرَاهَا ذُبُولٌ أَصْلاً، حَتَّى يَصِحَّ اِسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ اُلتَّالِي.

12) [أَمَّا اِلْتِفَاتُهُ إِلَى اُلأَرْصَادِ فَمُحَالٌ لِأَنَّهَا لاَ تُعْرَفُ مَقَادِيرُهَا إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ]، أَمَّا اُلرُّكُونُ إِلَى الأَرْصَادِ اُلْمُتَّصِلَةِ فِي آلاَفِ اُلسِّنِينَ إِذْ لَمْ تَذْكُرْ اِخْتِلاَفًا أَوْ تَحَلُّلاً وَاحِدًا قَدِ اِعْتَرَى اُلشَّمْسَ، فَمُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الآلاَتِ اُلْمُسْتَعْمَلَةَ فِي اُلرَّصْدِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحَصِّلَ مَقَادِيرَ اُلشَّمْسِ فِي اُلْمُدَدِ اُلطَّوِيلَةِ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ، فَمَا أَدْرَانَا إِذَنْ أَنَّ اُلْمِقْدَارَ اُلْمُتَحَلَّلَ مِنَ اُلشَّمْسِ فِي مُدَّةِ اُلرَّصْدِ مِمَّا لَيْسَ لِلآلَةِ أَنْ تُحَصِّلَهُ.

13) [وَاُلشَّمْسُ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا كَاُلأَرْضِ مِائَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ]، بَلْ إِنَّ اُلشَّمْسَ كَاُلأَرْضِ 1295029 مَرَّةً، وَهْوُ مُكَعَّبُ اُلْعَدَدِ 109 الَّذِي هُوَ عَدَدُ أَمْثَالِ نِصْفِ قُطْرِ اُلشَّمْسِ مِنْ نِصْفِ قُطْرِ اُلأَرْضِ.

14) [وَلَوْ نَقُصَ مِنْهَا مِقْدَارُ جِبَالٍ… لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ]، وَذَلِكَ أَنَّ إِدْرَاكَ نُقْصَانِ مِقْدَارٍ مِنْ مِقْدَارٍ هُوَ إِدْرَاكٌ تَابِعٌ لِنِسْبَةِ اُلْمَنْقُوصِ مِنْ اُلْمَنْقُوصِ مِنْهُ، حَتَّى أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ اُلْمِقْدَارُ عَظِيمًا، كَانَ اُلْمَنْقُوصُ اُلْوَاجِبُ حَتَّى يُدْرَكَ اُلنُّقْصَانُ، عَظِيمًا. فَإِنْ كَانَ اُلْمَنْقُوصُ أَعْظَمَ مِنَ ذَلِكَ اُلْعِظَمِ، كَانَ تَبَيُّنُ اُلنُّقْصَانِ أَظْهَرَ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ اُلنِّسْبَةُ قَلِيلَةً جِدًّا فَقَدْ لاَ يَضْبِطُهُ اُلْحِسُّ، وَلَوْ كَانَ اُلْمِقْدَارُ اُلْمُطْلَقُ اُلْمَنْقُوصُ عَظِيمًا جِدًّا، إِنْ كَانَ اُلْمَنْقُوصُ مِنْهُ وَافِرَ اُلْعِظَمِ. فَمَثَلاً إِنَّهُ يُدْرَكُ اُلنُّقْصَانُ فِي جُمْلَةٍ ذَاتِ ثَلاَثِ حَبَّاتٍ بِنُقْصَانِ حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ لاَ يَتَبَيَّنُ اُلْحِسُّ نُقْصَانَ مِائَةِ حَبَّةٍ فِي جُمْلَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنْ أَلْفِ حَبَّةٍ. لِأَنَّ نِسْبَةَ وَاحِدٍ إِلَى ثَلاَثَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ نِسْبَةِ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ. وَإِذَا زِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اُلْوَسَائِطَ اُلْمُسْتَعْمَلَةَ كَعِلْمِ اُلْمَنَاظِرِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحَصِّلَ هَذِهِ اُلْمَقَادِيرَ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إِذَنْ أَنْ تَكُونَ اُلشَّمْسُ قَدْ نَقُصَتْ بِمِقْدَارٍ ذِي نِسْبَةٍ قَلِيلَةٍ إِلَى مِقْدَارِهَا، لَكِنَّ اُلْحِسَّ مَعَ قُصُورِ اُلآلَةِ هُوَ قَاصِرٌ عَنْ ضَبْطِهِ.

15) [وَهَذَا كَمَا أَنَّ اُلْيَاقُوتَ وَاُلذَّهَبَ مُرَكَّبَانِ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ عِنْدَهُمْ وَهْيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ]، لِأَنَّ كُلَّ جَوْهَرٍ مُرَكَّبٍ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْبَسِيطَةِ، عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، فَهْوَ مُنْحَلٌّ إِلَيْهَا بِأَخَرَةٍ. إِذَنْ فَكُلُّ مُرَكَّبٍ كَاُلْيَاقُوتِ وَاُلذَّهَبِ، قَابِلٌ لِلْفَسَادِ اِضْطِرَارًا.

16) [ثُمَّ لَوْ وُضِعَتْ يَاقُوتَةٌ مِائَةَ … وَذَلِكَ لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ]، وَلَمَّا كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اُلشَّمْسَ قَدْ تَنْقُصُ بِمِقْدَارٍ نِسْبَتُهُ إِلَى مِقْدَارِهَا لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ. لَكِنَّهُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ اُلرَّصْدِ كَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ اُلْمَقَادِيرُ اُلنَّاقِصَةُ اُلْمُجْتَمِعَةُ قَدْ صَارَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى مِقْدَارِ اُلشَّمْسِ نِسْبَةً ظَاهِرَةً لِلْحِسَّ. فَقَالَ هَذَا إِنَّمَا يَجِبُ لَوْ كَانَ تَحَلُّلُ اُلشَّمْسِ سَرِيعًا. بَلْ لَعَلَّ نِسْبَةَ مَا يَنْقُصُ مِنْ اُلشَّمْسِ إِلَى مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلْيَاقُوتَةِ الَّتِي هِيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ، كَنِسْبَةِ مُدَّةِ اُلأَرْصَادِ إِلَى مِائَةِ سَنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَبِنْ لِلْحِسِّ فِي مِائَةِ سَنَةٍ أَيُّ نُقْصَانٍ فِي اُلْيَاقُوتَةِ، كَذَلِكَ هُوَ لَمْ يَبِنْ لِلْحِسِّ فِي مُدَّةِ اُلرَّصْدِ أَيُّ نُقْصَانٍ فِي اُلشَّمْسِ.

17) [فَدَلَّ أَنَّ دَلِيلَهُ فِي غَايَةِ اُلْفَسَادِ]، فَبَانَ بِمَا رَأَيْنَا أَنَّ دَلِيلَ جَالِينُوسَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يَفْسُدُ بِاُلضَّرُورَةِ، غَيْرُ دَالٍّ أَلْبَتَّةَ.

-IV قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلدَّلِيلُ اُلثَّانِي لَهُمْ فِي اِسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ أَنْ قَالُوا1، إِنَّ اُلْعَالَمَ لاَ تَنْعَدِمُ جَوَاهِرُهُ2 لِأَنَّهُ لاَ يُعْقَلُ سَبَبٌ مُعْدِمٌ لَهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْعَدِمًا ثُمَّ اِنْعَدَمَ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ3 وَذَلِكَ اُلسَّبَبُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِرَادَةَ اُلْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ وَهْوُ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِعَدَمِهِ ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ4، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ اُلْقَدِيمُ وَإِرَادَتُهُ عَلَى نَعْتٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ اُلأَحْوَالِ، وَاُلْمُرَادُ يَتَغَيَّرُ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ، ثُمَّ مِنَ اُلْوُجُودِ إِلَى اُلْعَدَمِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اِسْتِحَالَةِ وُجُودِ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ يَدُلُّ عَلَى اِسْتِحَالَةِ اُلْعَدَمِ5.

   وَيَزِيدُ هَاهُنَا إِشْكَالٌ آخَرُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ اُلْمُرَادَ فِعْلُ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ6، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً ثُمَّ صَارَ فَاعِلاً، إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ هُوَ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا7، فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ كَمَا كَانَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ، وَالآنَ أَيْضًا لاَ فِعْلَ لَهُ، فَإِذَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا8، وَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ فِعْلاً9. فَإِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ وَتَجَدَّدَ لَهُ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ10، فَمَا ذَلِكَ اُلْفِعْلُ11، أَهُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ مُحَالٌ إِذْ اِنْقَطَعَ اُلْوُجُودُ12، أَوْ فِعْلُهُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ13، وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ فِعْلاً14، فَإِنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ شَيْئًا مَوْجُودًا حَتَّى يُقَالَ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ اُلْفَاعِلُ وَأَوْجَدَهُ اُلْمُوجِدُ15. وَلِهَذَا اُلإِشْكَالِ16 زَعَمُوا اِفْتِرَاقَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ فِي اُلتَّفَصِّي17 عَنْ هَذَا أَرْبَعَ فِرَقٍ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ اِقْتَحَمَتْ مُحَالاً18.

   أَمَّا اُلْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا19 فِعْلُهُ اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَوْجُودٌ20 وَهْوَ اُلْفَنَاءُ21 يَخْلُقُهُ لاَ فِي مَحَلٍّ22 فَيَنْعَدِمُ اُلْعَالَمُ كُلُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً23، وَيَنْعَدِمُ اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ بِنَفْسِهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ24 فَيَتَسَلْسَلَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ25، وَهْوَ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ26 :

   أَحَدُهَا أَنَّ اُلْفَنَاءَ لَيْسَ مَوْجُودًا مَعْقُولاً حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى خَلْقِهِ27. ثُمَّ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَلِمَ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعْدِمٍ28. ثُمَّ بِمَ يَعْدِمُ اُلْعَالَمَ29. فَإِنَّهُ إِنْ خُلِقَ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ وَحَلَّ فِيهِ فَهْوَ مُحَالٌ30، لِأَنَّ اُلْحَالَّ يُلاَقِي اُلْمَحْلُولَ فِيهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ31، فَإِذَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَكُونَا ضِدَّيْنِ32، فَلَمْ يُفْنِهِ33. وَإِنْ خَلَقَهُ لاَ فِي اُلْعَالَمِ وَلاَ فِي مَحَلٍّ، فَمِنْ أَيْنَ يُضَادُّ وُجُودُهُ وُجُودَ اُلْعَالَمِ34. ثُمَّ فِي هَذَا اُلْمَذْهَبِ شَنَاعَةٌ أُخْرَى، وَهْيَ أَنَّ اُللهَ تَعَالَى لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْدَامِ بَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ لاَ يَقْدِرُ إِلاَّ عَلَى إِحْدَاثِ فَنَاءٍ يُعْدِمُ جَوَاهِرَ اُلْعَالَمِ كُلَّهَا، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ، كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ35.

   اُلْفِرْقَةُ اُلثَّانِيَةُ اُلْكَرَّامِيَّةُ، حَيْثُ قَالُوا إِنَّ فِعْلَهُ اُلإِعْدَامُ36، وَاُلإِعْدَامُ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ37، فَيَصِيرُ اُلْعَالَمُ بِهِ مَعْدُومًا38. وَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ عِنْدَهُمْ بِإِيجَادٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ فَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ بِهِ مَوْجُودًا39، وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ40. إِذْ فِيهِ كَوْنُ اُلْقَدِيمِ مَحَلَّ اُلْحَوَادِثِ41. ثُمَّ خُرُوجٌ عَنِ اُلْمَعْقُولِ، إِذْ لاَ يُعْقَلُ مِنَ اُلإِيجَادِ إِلاَّ وُجُودٌ مَنْسُوبٌ إِلَى إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ42. فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى اُلإِرَادَةِ وَاُلْقُدْرَةِ، وَوُجُودِ اُلْمَقْدُورِ وَهْوَ اُلْعَالَمُ، لاَ يُعْقَلُ43، وَكَذَا اُلإِعْدَامُ44.

   اُلْفِرْقَةُ اُلثَّالِثَةُ الأَشْعَرِيَّةُ45 إِذْ قَالُوا أَمَّا اُلأَعْرَاضُ فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا وَلاَ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا46، لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ بَقَاؤُهَا لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى47، وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَلَيْسَتْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا وَلَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى وُجُودِهَا، فَإِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اُلْبَقَاءَ، اِنْعَدَمَتْ لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ48، وَهْوَ أَيْضًا فَاسِدٌ49. لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاكَرَةِ اُلْمَحْسُوسِ فِي أَنَّ اُلسَّوَادَ لاَ يَبْقَى وَاُلْبَيَاضَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ50، وَاُلْعَقْلُ يَنْبُو عَنْ هَذَا كَمَا يَنْبُو عَنْ قَوْلِ اُلْقَائِلِ إِنَّ اُلْجِسْمَ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ حَالَةٍ51، وَاُلْعَقْلُ يَقْضِي بِأَنَّ اُلشَّعَرَ الَّّذِي عَلَى رَأْسِ اُلإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ هُوَ اُلشَّعَرُ الَّذِي كَانَ بِاُلأَمْسِ لاَ مِثْلُهُ، يَقْضِي أَيْضًا بِهِ فِي سَوَادِ اُلشَّعَرِ52. ثُمَّ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ53، وَهْوَ أَنَّ اُلْبَاقِي إِذَا بَقِيَ بِبَقَاءٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَبْقَى صِفَاتُ اللهِ تَعَالِى بِبَقَاءٍ، وَذَلِكَ اُلْبَقَاءُ يَكُونُ بَاقِيًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَقَاءٍ آخَرَ وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ54.

   وَاُلْفِرْقَةُ اُلرَّابِعَةُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ اُلأَشْعَرِيَّةِ55 قَالُوا إِنَّ اُلأَعْرَاضَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا56 وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ57 فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ لاَ يَخْلُقَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا حَرَكَةً وَلاَ سُكُونًا وَلاَ اِجْتِمَاعًا وَلاَ اِفْتِرَاقًا، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَبْقَى جِسْمٌ لَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلاَ مُتَحَرِّكٍ فَيَنْعَدِمُ58. وَكَأَنَّ فِرْقَتَيَّ اُلأَشْعَرِيَّةِ مَالُوا إِلَى أَنَّ اُلإِعْدَامَ لَيْسَ بِفِعْلٍ إِنَّمَا هُوَ كَفٌّ عَنِ اُلْفِعْلِ59 لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا كَوْنَ اُلْعَدَمِ فِعْلاً60.”

شَرْحٌ -IV-

1) [اُلدَّلِيلُ اُلثَّانِي لَهُمْ فِي اِسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ أَنْ قَالُوا]، وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ اُلْعَالَمِ بَعْدَ وُجُودِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.

2) [إِنَّ اُلْعَالَمَ لاَ تَنْعَدِمُ جَوَاهِرُهُ]، اُلْمُمْتَنِعُ عَنْ اُلْعَدَمِ هُوَ جَوَاهِرُ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَادَّةُ فِي اُلْمَوْجُودَاتِ اُلَّتِي تَقَعُ تَحْتَ اُلْكَوْنِ وَاُلْفَسَادِ، وَاُلأَجْرَامُ اُلسَّمَاوِيَّةُ. أَمَّا اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ فَمِمَّا يَلْحَقُهَا اُلْعَدَمُ عَلَى رَأْيِ اُلْفَلاَسِفَةِ.

3) [لِأَنَّهُ … بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ]، إِنَّ الاِنْعِدَامَ هُوَ اِنْتِقَالٌ مِنْ حَالِ اُلْوُجُودِ إِلَى حَالِ اُلْعَدَمِ، وَنَفْسُ هَذَا الاِنْتِقَالِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، كَمَا كَانَ نَفْسُ الاِنْتِقَالِ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْوُجُودِ قَدْ اِقْتَضَى أَيْضًا سَبَبًا. وَاُلتَّرَقِّي فِي مَرَاتِبِ اُلأَسْبَابِ مُنْتَهِيَةٌ لاَ مَحَالَةَ إِلَى أَوَّلٍ قَدِيمٍ. لَكِنَّ الأَوَّلَ اُلْمُعْدِمَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْدَامُهُ لِلْعَالَمِ بِسَبَبِ وُجُودِهِ اُلْقَدِيمِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ مُوجَبًا بِاُلذَّاتِ عَنْ ذَاتِهِ، فَلاَ يَكُونُ لِلْعَالَمِ وُجُودٌ أَصْلاً. وَهَذَا مُحَالٌ.

4) [وَذَلِكَ اُلسَّبَبُ … ثُمَّ صَارَ مُرِيدًا فَقَدْ تَغَيَّرَ]، فَوَجَبَ إِذًا أَنْ يَكُونَ فِعْلُ اُلْقَدِيمِ بِالإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ اُلإِرَادَةِ. وَهَذِهِ اُلإِرَادَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً حُدُوثًا مُوَافِقًا لِانْعِدَامِ اُلْعَالَمِ. وَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبُ اُلْوُجُودِ مُتَغَيِّرًا.

5) [أَوْ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ اُلْقَدِيمُ … يَدُلُّ عَلَى اِسْتِحَالَةِ اُلْعَدَمِ]، أَوْ تَكُونُ اُلإِرَادَةُ قَدِيمَةً، وَهَذَا أَيْضًا مُحَالٌ، إِذْ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا لِأَجْلِهِ كَانَ اُلْبَارِئُ مُؤَثِّرًا بِاُلْعَدَمِ كَانَ حَاصِلاً فِي اُلأَزَلِ مِنْ دُونِ أَثَرِهِ، أَعْنِي اُلْعَدَمَ. عَلَى مِثَالِ مَا قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ أَنَّ حُدُوثَ اُلْعَالَمِ مِنَ اُلْقَدِيمِ مِنْ دُونِ أَيِّ تَغَيُّرٍ فِيهِ أَوْ فِي إِرَادَتِهِ، هُوَ أَيْضًا مُحَالٌ.

6) [وَيَزِيدُ هَاهُنَا إِشْكَالٌ آخَرُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، هُوَ أَنَّ اُلْمُرَادَ فِعْلُ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ]، إِنَّ اُلْمُرَادَ هُوَ أَثَرُ اُلْفَاعِلِ اُلْمُرِيدِ لاَ مَحَالَةَ. أَيْ أَنَّ اُلْغَزَالِيَّ إِنَّمَا يَدُلُّ بِاُلْفِعْلِ هَاهُنَا عَلَى اُلْمَفْعُولِ، أَوِ اُلأَثَرِ.

7) [وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً ثُمَّ صَارَ فَاعِلاً، إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ هُوَ فِي نَفْسِهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ فِعْلُهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا]، وَبَيِّنٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ فَاعِلاً، ثُمَّ صَارَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ فَاعِلاً، وَإِنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ شَيْءٌ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِعْلٌ، أَيْ أَثَرًا حِينَمَا صَارَ فَاعِلاً، بَعْدَمَا أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ حِينَمَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً. وَقَدْ اِشْتَرَطَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَدْرَكُ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لاَزِمٍ، لِأَنَّ ضَرُورَةَ تَجَدُّدِ اُلأَثَرِ بَعْدَ عَدَمِهِ هُوَ وَاجِبٌ، لَوْ كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى تَجَدُّدٍ مَا، فِي نَفْسِ اُلْفَاعِلِ. فَقِيلَ هَبْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ نَفْسَ الاِنْتِقَالِ مِنْ لاَ وَصْفِ اُلْفَاعِلِ إِلَى وَصْفِ اُلْفَاعِلِ إِنَّمَا يُوجِبُ اُلاِنْتِقَالَ مِنْ عَدَمِ اُلأَثَرِ إِلَى وُجُودِ اُلأَثَرِ.

8) [فَإِنَّهُ لَوْ بَقِيَ كَمَا كَانَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ، وَالآنَ أَيْضًا لاَ فِعْلَ لَهُ، فَإِذَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا]، إِذْ لَوْ بَقِيَ اُلْفَاعِلُ الآنَ بِلاَ أَثَرٍ، كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً، بِلاَ أَثَرٍ، فَهْوَ الآنَ، وَهْوَ اُلْفَاعِلُ، لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا حِينَمَا لَمْ يَكُنْ فَاعِلاً.

9) [وَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ فِعْلاً]، أَيْ فَاُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَثَرًا لِفِعْلٍ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، لِأَنَّ عَدَمَ اُلأَثَرِ هُوَ أَثَرٌ لِعَدَمِ اُلْفِعْلِ. وَاُلْفِعْلُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ اُلأَثَرُ اُلْمَوْجُودُ. إِذَنْ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا مَفْعُولاً.

10) [فَإِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ وَتَجَدَّدَ لَهُ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ]، فَلَوْ أَعْدَمَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى اُلْعَالَمَ بَعْدَمَا أَنْ لَمْ يَكُنْ مُعْدِمًا لَهُ، فَلاَ بُدَّ لِهَذَا اُلْفِعْلِ، فِعْلِ اُلإِعْدَامِ مِنْ أَثَرٍ مُتَجَدِّدٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ قَبْلَ اُلإِعْدَامِ. لِأَنَّ تَجَدُّدَ اُلْفِعْلِ يُوجِبُ تَجَدُّدَ اُلأَثَرِ.

11) [فَمَا ذَلِكَ اُلْفِعْلُ]، فَمَا ذَلِكَ اُلأَثَرُ اُللاَّزِمُ عَنِ اُلإِعْدَامِ.

12) [أَهُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ، وَهْوَ مُحَالٌ إِذِ اِنْقَطَعَ اُلْوُجُودُ]، وَاُلْجَوَابُ لاَ يَخْرُجُ عَنْ وَجْهَيْنِ. اُلْوَجْهُ اُلأَوَّلُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ وُجُودُ اُلْعَالَمِ. وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ مَوْجُودٌ قَدْ اِنْقَطَعَ وُجُودُهُ، أَيْ تَمَّ وُجُودُهُ، وَإِيجَادُ اُلْمَوْجُودِ مُحَالٌ.

13) [أَوْ فِعْلُهُ عَدَمُ اُلْعَالَمِ]، اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِعْلَهُ، أَعْنِي اُلأَثَرَ اُلْمُتَجَدِّدَ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ عَدَمُ اُلْعَالَمِ عَدَمًا مَحْضًا.

14) [وَعَدَمُ اُلْعَالَمِ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ فِعْلاً]، وَلَكِنَّ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَثَرًا.

15) [فَإِنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ اُلْفِعْلِ … وَأَوْجَدَهُ اُلْمُوجِدُ]، فَإِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنِ اُلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ مَوْجُودًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَدَمًا مَحْضًا لَكَانَ اُلْفِعْلُ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ، وَاُللاَّفِعْلُ، شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَكَانَ كَوْنُ اُلْفَاعِلِ فَاعِلاً وَغَيْرَ فَاعِلٍ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَصْلاً تَجَدُّدٌ مِنَ اُللاَّوُجُودِ إِلَى اُلْوُجُودِ.

16) [وَلِهَذَا اُلإِشْكَالِ]، وَتَلْخِيصُ اُلإِشْكَالِ : لَوْ كَانَ اُلْعَالَمُ قَابِلاً لِلانْعِدَامِ فِي نَفْسِهِ، وَاُلْبَارِئُ مَوْصُوفًا بِاُلْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ “إِنَّ إِعْدَامَ اُلْبَارِئِ لِلْعَالَمِ مُمْكِنٌ”. وَلَكِنَّ اُلإِعْدَامَ هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ. وَلُزُومُ اُلْعَدَمِ عَنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ أَثَرًا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَهَذَا مُحَالٌ.

17) [فِي اُلتَّفَصِّي]، فِي اُلنُّسْخَةِ اُلْمَطْبُوعَةِ “تَقَصِّي”، وَهْوَ خَطَأٌ. “يُقَالُ تَفَصَّى اُلإِنْسَانُ، إِذَا تَخَلَّصَ مِنَ اُلْمَضِيقِ وَاُلْبَلِيَّةِ” اُلصِّحَاحُ، اُلْجَوْهَرِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 393 مِنَ اُلْهِجْرَةِ.

18) [وَكُلُّ فِرْقَةٍ اِقْتَحَمَتْ مُحَالاً]، رُكُوبُ اُلْمُتَكَلِّمِينَ لِكَثِيرٍ مِنَ اُلأَعَاجِيبِ مَشْهُورٌ بَيْنَ اُلنَّاسِ، وَمِنْ قُدَمَاءِ اُلأُدَبَاءِ مَنْ أَوْرَدَ بَعْضَهَا فِي كُتُبِهِ، عَلَى سَبِيلِ اُلتَّمَلُّحِ وَاُلتَّنَدُّرِ. وَقَدْ قِيلَ فِيهِمْ أَيْضًا “عَجَائِبُ اُلْكَلاَمِ ثَلاَثٌ، طَفْرَةُ اُلنَّظَّامِ، وَكَسْبُ اُلأَشْعَرِيِّ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ”. وَاُلْمُتَكَلِّمُونَ جَمِيعًا أَوْجَبُوا أَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلْعَدَمِ غَيْرُ وَاجِبِ اُلْبَقَاءِ. وَاحْتِيَالُهُمْ لِلإِشْكَالِ هُوَ أَنْ يَجِدُوا سَبِيلاً يُعَلِّقُونَ بِهِ عَدَمَ اُلْعَالَمِ بِاُلْبَارِئِ، بِلاَ ضَرُورَة أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ وَاجِبًا عَنِ اُلْفِعْلِ بِعَيْنِهِ لِلاِمْتِنَاعِ اُلْمَذْكُورِ.

19) [أَمَّا اُلْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا]، أَمَّا حَلُّ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِلإِشْكَالِ مَعَ قَوْلِهَا بِجَوَازِ عَدَمِ اُلْعَالَمِ، خِلاَفًا لِلْفَلاَسِفَةِ اُلْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ وَاجِبُ اُلأَبَدِيَّةِ، فَبِأَنْ قَالُوا.

20) [فِعْلُهُ اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَوْجُودٌ]، إِنَّ اُلْبَارِئَ تَعَالَى إِذَا أَعْدَمَ اُلْعَالَمَ، فَاُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِهِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ فِعْلاً مَوْجُودًا، أَيْ أَثَرًا مَوْجُودًا.

21) [وَهْوَ اُلْفَنَاءُ]، وَهَذَا اُلأَثَرُ اُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ اُلْفَنَاءُ. وَاُلْفَنَاءُ هُوَ عَرَضٌ مُضَادٌّ لِلْجَوَاهِرِ. إِذًا فَاُلصَّادِرُ مِنْ فِعْلِ اُلإِعْدَامِ إِنَّمَا هُوَ أَثَرٌ مَوْجُودٌ.

22) [يَخْلُقُهُ لاَ فِي مَحَلٍّ]، وَاُلْفَنَاءُ هُوَ عَرَضٌ يَخْتَلِفُ عَنِ اُلأَعْرَاضِ اُلْمَعْرُوفَةِ بِأَنَّ هَذِهِ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ مَوْضُوعٍ تَقُومُ بِهِ. وَاُلْفَنَاءُ إِنَّمَا يُوجِدُهُ اللهُ تَعَالَى غَيْرَ قَائِمٍ فِي مَحَلٍّ أَصْلاً. إِذَنْ فَلَيْسَ هُوَ بِذِي مَوْضُوعٍ مُخْتَصٍّ بِهِ.

23) [فَيَنْعَدِمُ اُلْعَالَمُ كُلُّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً]، وَهَذَا اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ هُوَ فَنَاءٌ وَاحِدٌ تَنْعَدِمُ بِهِ كُلُّ جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِلاَ تَمْيِيزٍ، وَلَيْسَ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ.

24) [وَيَنْعَدِمُ اُلْفَنَاءُ اُلْمَخْلُوقُ بِنَفْسِهِ حَتَّى لاَ يَحْتَاجَ إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ]، أَمَّا اُلْفَنَاءُ بِعَيْنِهِ فَلاَ يَكُونُ فَنَاؤُهُ بِفَنَاءٍ. بَلْ إِنَّمَا يَفْنَى بِنَفْسِهِ وَمِنْ تِلْقَائِهِ.

25) [فَيَتَسَلْسَلَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ]، إِذْ لَوْ اِفْتَقَرَ اُلْفَنَاءُ إِلَى فَنَاءٍ، لَافْتَقَرَ فَنَاؤُهُ أَيْضًا إِلَى فَنَاءٍ آخَرَ، فَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ. وَاُلتَّسَلْسُلُ مُحَالٌ.

26) [وَهْوَ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ]، قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ وَهَذَا اُلْحَلُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِلأَسْبَابِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا.

27) [أَحَدُهَا أَنَّ اُلْفَنَاءَ لَيْسَ مَوْجُودًا مَعْقُولاً حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى خَلْقِهِ]، إِنَّ إِثْبَاتَ أَنَّ اُلْفَنَاءَ مَوْجُودٌ يَخْلُقُهُ اُلْبَارِئُ كَضِدٍّ تَفْنَى بِهِ جَوَاهِرُ اُلْعَالَمِ هُوَ إِثْبَاتٌ لِشَيْءٍ بِمُجَرَّدِ اُلدَّعْوَى، وَلَسْنَا نَتَصَوَّرُ مَعْنَاهُ كَمَا شَأْنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ مِنْ سَائِرِ اُلْمَوْجُودَاتِ اُلْمُثْبَتَةِ فِي اُلشَّاهِدِ أَوْ فِي اُلْغَائِبِ. فَإِذْ كَانَ هَذَا اُلْمَوْجُودُ غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ، فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ أَيْضًا غَيْرَ مُتَصَوَّرٍ.

28) [ثُمَّ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فَلِمَ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعْدِمٍ]، يُرِيدُ إِنْ كَانَ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودًا، وَاحْتَاجَتِ اُلْجَوَاهِرُ إِلَى فَنَاءٍ لِتَفْنَى لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، فَلِمَ اِخْتَصَّ وُجُودُ اُلْفَنَاءِ بِعَدَمِ اُلاِفْتِقَارِ إِلَى مُعْدِمٍ فِي عَدَمِهِ، بَلْ يَفْنَى بِنَفْسِهِ، وَاحْتَاجَهُ وُجُودُ اُلْجَوَاهِرِ فِي عَدَمِهِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ وُجُودٍ وَوُجُودٍ فِي أَنَّ فَنَاءَهُ إِنَّمَا بِسَبَبٍ. لَكِنَّ اُلْمُعْتَزِلَةَ لاَ تَقُولُ بِبَقَاءِ اُلْفَنَاءِ، كَاُلأَشَاعِرَةِ لاَ تَقُولُ بِبَقَاءِ اُلأَعْرَاضِ. لِأَنَّ اُلإِعْدَامَ عِنْدَهُمْ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِاُلضِدِّ، وَلاَ ضِدَّ لِلْفَنَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ بَاقٍ لَامْتَنَعَ فَنَاؤُهُ، وَلَوْ اِمْتَنَعَ فَنَاؤُهُ، لَمْ تَصِحَّ كَثِيرٌ مِنَ الآيَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى “هُوَ اُلأَوَّلُ وَاُلآخِرُ”. الحديد، 3.

29) [ثُمَّ بِمَ يَعْدِمُ اُلْعَالَمَ]، ثُمَّ هَذَا اُلْفَنَاءُ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ، فَكَيْفَ يَخْلُقُهُ اللهُ حَتَّى يُعْدِمَ اُلْعَالَمَ. إِذِ اُلأَمْرُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَخْلُقَهُ مُبَايِنًا لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُوجِدَهُ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ حَالاًّ فِيهِ، كَمَا قَدْ يُوجِدُ مَثَلاً أَحَدُنَا اُلسَّوَادَ فِي اُلْجِسْمِ.

30) [فَإِنَّهُ إِنْ خُلِقَ فِي ذَاتِ اُلْعَالَمِ وَحَلَّ فِيهِ فَهْوَ مُحَالٌ]، فَإِنْ كَانَ اُلثَّانِي، فَهْوَ مُحَالٌ.

31) [لِأَنَّ اُلْحَالَّ يُلاَقِي اُلْمَحْلُولَ فِيهِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ]، لِأَنَّ كُلَّ حَالٍّ فِي شَيْءٍ، فَلاَبُدَّ مِنْ أَنْ يُلاَقِيَهُ، وَأَنْ يَصِيرَ بَيْنَهُمَا اِجْتِمَاعٌ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِلاَّ لَمَا صَحَّ اُلْقَوْلُ إِنَّ اُلْحَالَّ قَدْ حَلَّ فِي اُلْمَحْلُولِ فِيهِ. فَمَثَلاً لاَ يُقَالُ اُلسَّوَادُ حَلَّ فِي اُلْجِسْمِ إِلاَّ إِذَا لاَقَاهُ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ. أَعْنِي أَنَّ اُلْمُلاَقَاةَ بَيْنَ اُلْحَالِّ وَاُلْمَحْلُولِ فِيهِ، هِيَ وَاجِبَةٌ لاَ مَحَالَةَ فِي كُلِّ حُلُولٍ فِي مَحَلٍّ.

32) [فَإِذَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لَمْ يَكُونَا ضِدَّيْنِ]، كَذَلِكَ فَلَوْ قُلْنَا اللهُ خَلَقَ اُلْفَنَاءَ حَالاًّ فِي اُلْعَالَمِ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اِجْتِمَاعٌ بَيْنَ اُلْفَنَاءِ اُلْحَالِّ وَاُلْعَالَمِ اُلْمَحْلُولِ فِيهِ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمَا جَازَ اِجْتِمَاعُهُمَا لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، جَازَ لَهُمَا ذَلِكَ لِأَكْثَرَ مِنْ لَحْظَةٍ. إِذًا فَاُلْفَنَاءُ وَاُلْعَالَمُ لَيْسَا بِضِدَّيْنِ. إِذِ اُلضِّدَّانِ هُمَا مَا لاَ يُوجَدَانِ مَعًا، وَإِنْ كَانَا قَدْ يَرْتَفِعَانِ مَعًا، خِلاَفَ اُلنَّقِيضَيْنِ.

33) [فَلَمْ يُفْنِهِ]، أَيْ فَلَمْ يُفْنِ اُلْفَنَاءُ اُلْعَالَمَ، لِأَنَّهُ إِذَا خُلِقَ فِي اُلْعَالَمِ لَمْ يَكُنْ ضِدًّا لَهُ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضِدًّا لَهُ لَمْ يُفْنِهِ إِفْنَاءَ اُلضِدِّ لِلْضِدِّ، كَمَا تَصَوَّرَتِ اُلْمُعْتَزِلَةُ فِي فَنَاءِ اُلْعَالَمِ.

34) [وَإِنْ خَلَقَهُ لاَ فِي اُلْعَالَمِ وَلاَ فِي مَحَلٍّ، فَمِنْ أَيْنَ يُضَادُّ وُجُودُهُ وُجُودَ اُلْعَالَمِ]، وَإِنْ كَانَ اُلأَوَّلُ، وَهْوَ أَنْ يَخْلُقَ اُلْبَارِئُ تَعَالَى اُلْفَنَاءَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ، لاَ فِي مَحَلٍّ، فَكَيْفَ يَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اُلْفَنَاءُ ضِدًّا لِلْعَالَمِ. إِذْ مِنَ اُلْمَعْرُوفِ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَوَافَقَتْهُمُ اُلأَشَاعِرَةُ أَنَّ اُلتَّضَادَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي اُلأَعْرَاضِ، وَبَيْنَ اُلأَعْرَاضِ الَّتِي مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَاُلأَعْرَاضُ لاَ تُوجَدُ إِلاَّ فِي مَحَلٍّ. لِذَلِكَ كَانَ مِنْ شَرْطِ اُلتَّضَادِّ اِتِّحَادُ اُلْمَحَلِّ اُلَّذِي يَتَعَاقَبُ فِيهِ اُلضِّدَّانِ. أَمَّا عَلَى ذَلِكَ اُلْقَوْلِ فَفِيهِ مُحَالاَنِ : اُلأَوَّلُ، إِثْبَاتُ مُضَادَّةٍ بَيْنَ عَرَضٍ، وَهْوَ اُلْفَنَاءُ، وَبَيْنَ جَوْهَرٍ، وَهْوَ اُلْعَالَمُ، وَاُلتَّضَادُّ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اُلأَعْرَاضِ كَمَا قُلْنَا. وَاُلثَّانِي، إِثْبَاتُ مُضَادَّةٍ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ لاَ يَشْتَرِكَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، إِذِ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ، وَكَذَلِكَ اُلْجَوْهَرُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ.

35) [ثُمَّ فِي هَذَا اُلْمَذْهَبِ شَنَاعَةٌ أُخْرَى… كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ]، لَقَدْ كَانَ حَلُّ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِلإِشْكَالِ اُلْمَذْكُورِ بِأَنْ قَالُوا إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فَنَاءً مَوْجُودًا لاَ فِي مَحَلٍّ، تَفْنَى بِهِ كُلُّ جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ. وَمَنَعَ أَبُو عَلِي اُلْجُبَّائِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 303 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اُلسَّلاَمِ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 301 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، وَهُمَا مِنْ مُعْتَزِلَةِ اُلْبَصْرَةِ، أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِيَ بِاُلْفَنَاءِ بَعْضُ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ. فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اُللهَ اُلْمُفْنِي لِلْعَالَمِ بِوَاسِطَةِ اُلْفَنَاءِ هُوَ قَادِرٌ فَقَطْ عَلَى إِعْدَامِ كُلِّ اُلْعَالَمِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى إِفْنَاءِ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ. وَهَذَا شَنَاعَةٌ فِي اُلْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي تَعْجِيزَ اُلْبَارِئِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ “لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ، كَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْكُلِّ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ” فَهْوَ مِنْ تَعْلِيلِ اُلْمُعْتَزِلَةِ لِمَ هِيَ أَوْجَبَتْ أَنْ يَنْتَفِيَ بِاُلْفَنَاءِ كُلُّ اُلْعَالَمِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِيَ بِهِ بَعْضُ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ. فَقَالَتْ : لَمَّا كَانَ اُلْفَنَاءُ مَوْجُودًا لاَ فِي مَحَلٍّ، وَكَانَ عَرَضًا، صَارَتْ حَالُهُ إِلَى جَوَاهِرِ اُلْعَالَمِ حَالاً وَاحِدَةً، لَيْسَ لَهَا اِخْتِصَاصٌ أَصْلاً بِبَعْضِهَا دُونَ جَمِيعِهَا. لِأَنَّ اُلشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا. فَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا، كَانَ ذَا جِهَةٍ لاَ مَحَالَةَ، وَهْوَ بِوَاسِطَةِ جِهَتِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ اِخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ إِذْ هِيَ أَيْضًا ذَوَاتُ جِهَةٍ. وَإِنْ كَانَ عَرَضًا، فَاُلْعَرَضُ إِنَّمَا يَقُومُ بِاُلْمَحَلِّ، وَهْوَ لاَ يَخْتَصُّ إِلاَّ بِمَحَلِّهِ. أَمَّا اُلْفَنَاءُ، فَهْوَ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ، إِذَنْ فَلاَ جِهَةَ لَهُ، وَإِذْ لاَ جِهَةَ، اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ اِخْتِصَاصُهُ بِبَعْضِ اُلْجَوَاهِرِ دُونَ بَعْضٍ فِي اُلإِفْنَاءِ، بِوَاسِطَةِ اُلْجِهَةِ. وَهْوَ عَرَضٌ بِلاَ شَكٍّ، لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ لاَ فِي مَحَلٍّ، أَيْ هُوَ غَيْرُ حَالٍّ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكُمُ اُلْجَوَاهِرِ. إِذَنْ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اِخْتِصَاصُهُ بِاُلإِفْنَاءِ لِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ بِوَاسِطَةِ اُلْحُلُولِ فِيهَا. فَلَزِمَ أَنَّ حَالَ اُلْفَنَاءِ مَعَ كُلِّ اُلْجَوَاهِرِ حَالٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذْ لاَ اِخْتِصَاصَ أَصْلاً، فَيَجِبُ إِذَنْ أَنَّ اُلْفَنَاءَ كَمَا يُفْنِي اُلْبَعْضَ، أَنْ يُفْنِيَ اُلْكُلَّ.

36) [اُلْفِرْقَةُ اُلثَّانِيَةُ اُلْكَرَّامِيَّةُ، حَيْثُ قَالُوا إِنَّ فِعْلَهُ اُلإِعْدَامُ]، أَمَّا اُلْحَلُّ اُلثَّانِي لِلإِشْكَالِ، فَلِلْكَرَّامِيَّةِ اُلْمَنْسُوبَةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ اُلْمُتَوَفَّي سَنَةَ 255 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، إِذْ قَالَتْ نَعَمْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مُعْدِمٌ كَوَصْفِهِ بِأَنَّهُ مُوجِدٌ. لَكِنَّ اُلأَثَرَ اُللاَّزِمَ عَنْ قُدْرَتِهِ فِي اُلإِعْدَامِ لَيْسَ هُوَ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ، بَلْ فِعْلُ الإِعْدَامِ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ. وَمَحَلُّ هَذَا اُلْفِعْلِ هُوَ اُلذَّاتُ. وَهْوَ بِاُلإِعْدَامِ اُلْحَاصِلِ مِنْهُ بِاُلْحَقِيقَةِ إِنَّمَا يَكُونُ اُلْعَدَمُ اُلْمَحْضُ بِعَيْنِهِ. إِذْ أَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ تُفَرِّقُ بَيْنَ اُلْخَلْقِ وَاُلْمَخْلُوقِ، وَاُلإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وُاُلإِعْدَامِ وَاُلْمُعْدَمِ.

37) [وَاُلإِعْدَامُ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْجُودٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ]، أَيْ أَنَّ اُلإِعْدَامَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ قُدْرَتِهِ بِلاَ وَاسِطَةٍ، لِذَلِكَ فَهْوَ مَوْجُودٌ. وَلِأَنَّهُ مَوْجُودٌ عَنْهُ بِلاَ وَاسِطَةٍ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ اُلْحَادِثُ قَائِمًا بِذَاتِهِ. أَعْنِي أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا اُلْوَاجِبَ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ.

38) [فَيَصِيرُ اُلْعَالَمُ بِهِ مَعْدُومًا]، وَيَتْبَعُ هَذَا اُلإِعْدَامَ اُلْمَوْجُودَ فِي اُلْوَاجِبِ أَنْ يَصِيرَ اُلْعَالَمُ مَعْدُومًا.

39) [وَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ عِنْدَهُمْ بِإِيجَادٍ يُحْدِثُهُ فِي ذَاتِهِ فَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ بِهِ مَوْجُودًا]، وَقَوْلُهُمْ فِي اُلإِعْدَامِ كَقَوْلِهِمْ فِي اُلإِيجَادِ، إِذْ هُمْ يُفَرِّقُونَ أَيْضًا بَيْنَ اُلإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وَيَجْعَلُونَ اُلإِيجَادَ كَفِعْلٍ بِمَعْنَى اُلْحَرَكَةِ لاَزِمًا عَنِ اُلْقُدْرَةِ بِلاَ وَاسِطَةٍ، مَحَلُّهُ ذَاتُ اُلْوَاجِبِ تَعَالَى. وَهْوَ بِوَاسِطَةِ هَذَا اُلإِيجَادِ إِنَّمَا يَحْدُثُ اُلْحَادِثُ، وَيَصِيرُ اُلْمَوْجُودُ مَوْجُودًا.

   اِعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ اُلْغَزَالِيُّ فِي اُلْكَرَّامِيَّةِ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَ فِي “اُلْمِلَلُ وَاُلنِّحَلُ” لِلشَّهْرِسْتَانِيِّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 548 مِنَ اُلْهِجْرَةِ. لَكِنَّ اُلإِيجِيَّ فِي “اُلْمَوَاقِفُ”، وَ اُلْفَخْرَ اُلرَّازِيَّ فِي “اُلْمُحَصَّلُ”، قَدْ ذَكَرَا أَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ قَدْ خَالَفَتْ كُلَّ اُلْفِرَقِ اُلإِسْلاَمِيَّةِ فِي قَوْلِهَا، مَعَ قَوْلِهَا بِحُدُوثِ اُلْعَالَمِ، بِأَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، مُمْتَنِعُ اُلْفَنَاءِ. وَذَكَرَا اُلاِثْنَانِ دَلِيلَ هَذِهِ اُلْفِرْقَةِ فِي ذَلِكَ، وَنَقَضَاهُ. أَمَّا عَبْدُ اُلْقَاهِرِ اُلْبَغْدَادِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 429 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ “اُلْفَرْقُ بَيْنِ اُلْفِرَقِ”، بِأَنَّ اُلْكَرَّامِيَّةَ تَقُولُ بِإِعْدَامِ اُلأَعْرَاضِ، وَأَنَّ أَكْثَرَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ عَدَمِ اُلأَجْسَامِ.

40) [وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ]، وَهَذَا اُلْحَلُّ أَيْضًا فَاسِدٌ.

41) [إِذْ فِيهِ كَوْنُ اُلْقَدِيمِ مَحَلَّ اُلْحَوَادِثِ]، وَوَجْهُ فَسَادِهِ اُلأَوَّلُ أَنَّهُ جَعَلَ اُلْقَدِيمَ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ، وَهَذَا يُخْرِجُهُ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبَ اُلْوُجُودِ بِذَاتِهِ.

42) [ثُمَّ خُرُوجٌ عَنِ اُلْمَعْقُولِ… إِلَى إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ]، وَاُلْفَسَادُ اُلثَّانِي أَنَّ اُلْمَفْهُومَ مِنْهُ غَيْرُ اُلْمَفْهُومِ اُلطَّبِيعِيِّ. إِذْ اُلْمَفْهُومُ مِنَ اُلإِيجَادِ إِنَّمَا هُوَ فَقَطْ اُلنِّسْبَةُ الَّتِي بَيْنَ اُلْمَوْجُودِ وَاُلْقُدْرَةِ اُلْمُقْتَرِنَةِ بِإِرَادَةٍ.

43) [فَإِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى … لاَ يُعْقَل]، فَإِنَّ إِثْبَاتَ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. لِأَنَّ هَذَا اُلشَّيْءَ مَا نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ. فَغَيْرُ نِسْبَةِ اُلْمَوْجُودِيَّةِ وَاُلْمَفْعُولِيَّةِ، هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ اُلنِّسْبَةَ بِعَيْنِهَا، فَهَلْ لَهَا شَيْءٌ آخَرُ يَثْبُتُ مَعَهَا. فَإِنْ كَانَ، تَسَلْسَلَ اُلأَمْرُ بِلاَ نِهَايَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالإِيجَادُ لاَ مَحَالَةَ هُوَ نِسْبَةُ اُلْمَوْجُودِ بِاُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ فَقَطْ، وَلاَ يُعْقَلُ إِثْبَاتُ شَيْءٍ آخَرَ هُوَ اُلإِيجَادُ يَكُونُ حَالاًّ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى.

44) [وَكَذَا اُلإِعْدَامُ]، كَذَلِكَ اُلإِعْدَامُ، لَوْ صَحَّ، فَهْوَ نِسْبَةُ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ وَاُلإِرَادَةِ، وَلاَ يُعْقَلُ إِثْبَاتُ إِعْدَامٍ يَكُونُ حَالاًّ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى.

45) [اُلْفِرْقَةُ اُلثَّالِثَةُ الأَشْعَرِيَّةُ]، أَوِ اُلطَّائِفَةُ اُلأُولَى مِنْهَا، وَهْيَ اُلشَّيْخُ أَبُو اُلْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ بِعَيْنِهِ، صَاحِبُ اُلْمَذْهَبِ، وَأَصْحَابٌ لَهُ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading