مقالات نقدية

بعضُ حسن طلب .. بعضُ تأويل – د. سعيد شوقي

صورة شخصية لأستاذ الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب جامعة المنوفية، يظهر فيها رجل يرتدي نظارات وقميصاً رسميًا، ويبتسم في الكاميرا.

     عندما يُذكر اسمُ الشاعر حسن طلب تتداعى إلى المخيلة باقاتٌ من أتواجِ اللفظِ وبتلاتهِ ، تحلق حوله ناسجةً إكليلا قلبيا من عصارات مرافئ : التاريخ والمعاصرة ، الأصول والفروع ، الفرعوني والعربي ، التراثي والحداثي ، الشعري والفلسفي ، الأكاديمي والبسيط ، السياسي والفني ، الدفاعي والمدني ، التجريبي والتحسسي ، التمردي والحذري ، التفردي والجمعي ، الانتظاري والاندفاعي ، العقلي والمؤسسي ، الخبيء والمباشر ، النبوءة والواقع ، الخيال والمرجع ، القيد والحرية ، الوهج والإركان .

     كان مرفأ البداية ، هنالك في الخزندارية في طهطا في سوهاج يؤهله وهو تحت ظل لسان عربي رصين لوالد أزهري ؛ ليصير شاعرا تقليديا يقدس المدح ويمدح المقدس كما بدا في قصيدته المراهقة التي تنفستها بيئته ثناءً :

عليكَ سلامُ اللهِ يُلقيه ذاهبُه *** صباحا وفي الإمساءِ يُلقيه آيبه

لكنه استطاع أن يفر من قبضة تراث الصبا الفولاذية ، ويتصاعد بشعره الكائن فيه قوةً ؛ صوب جامعة القاهرة ، وكان هذا هو الفرار الأول .

     في جامعة القاهرة شَخَصتْ ذائقتُه الغريزية تجاه قسم اللغة العربية وآدابها ، لكنه ما إن وعي أن ما يدرسه لا يخرج عن إسار ذخيرته التراثية التي أحاطت به في موطنه الطِفْلي فر فراره الثاني إلى قسم الفلسفة .

     وبهذين الفرارين تبدت في سياقات طلب جملةُ ملامح :

أولها – إرهاصُ قطعٍ مع ذخيرة بناء شعر تقليدي ، ومن ثم كان متوجبا عليه أن يبحث عن تجريب شعري آخر .

ثانيها – لم يعد يتبقى لطلب من تقاليد ذخائر لَبَنِيَّة بعدُ ، إلا نبض ذخائر ألفاظ وصوتيات حروف وأحاسيس إيقاعات ، ووعي جنوب ونيل وفرعنة وتنوير ، ميز شعره بامتياز بعدُ .

ثالثها- لم يتشكل وعيه العقلي الفلسفي المبكر صوب التنوير ، الذي دفع به بالقوة الكامنة فيه إلى قسم الفلسفة إلا دفقة من روح تنوير ابن بلدته رفاعه الطهطاوي ، والذي صرح طلب نفسه في أكثر من لقاء بأنه كان يتمنى دوما أن يكون نفثةً منها .

رابعها – كان من الأسباب المبكرة لدلوف طلب لقسم الفلسفة كما صرح أكثر من مرة تلك اللغة البليغة التي وجد أساتذة الفلسفة في آداب القاهرة يقدمون بها محاضراتهم لطلابهم ؛ مما يبين مبكرا كيف كان حسه اللغوي من محددات خياره الوجودي .

     معنى ذلك أن طلب بمغادرته الخزندارية واستقراره في قسم الفلسفة ، بدت تظهر كوامنُ محركاتِ سعيه الأولي بعد ، ولا أقول ذلك بأثر رجعي كما أفهمه الآن ، ولكن المتأمل في مسيرته يكتشف وحدَه ذلك . بدا بطريقة مجهرية أن بذور الاستخدام اللغوي الرصين قائمة به ، وأن الموقف التجريبي من التقليد راسخٌ فيه ، وأن الحس الجنوبي النيلي الفرعوني مهيمنٌ عليه ، وأن العقل التنويري يكتنفه ويحتويه ، وكأن كل ذلك من هرمونات نضج جسده في مسعي الاكتمال .

     تشكلت في هذه الفترة الدوائر التي تحرك فيها طلب بعد : اللفظ التراثي الرصين ، والحس الجنوبي النيلي الفرعوني القار ، والتجريب الحداثي الحثيث والمحايث ، والتنوير العقلي المستديم .    

     ولقد صدّق طلب الرؤية والرؤيا ، وظل طيلة مسيرته الشعرية التي فاقت الخمسين عاما مخلصا لتلك الدوائر .     

ثم يأتي المرفأ الثاني بعد ؛ مرفأ الجيش . مرفأ مَنْ لم يمر به يفقد من تجريبه المصري الكثير ؛ فكانت حرب الاستنزاف وكانت حرب أكتوبر ، عَبَرَهُما طلب جنديا يتلفعُ بالموت في مدفعية الميدان في بلدة : الأدبية ، وهي بلدة قريبة من السويس ، وهنا تتشكل مفردات تأويلية عبر أسئلة بادية ؛ لماذا الأدبية التي خَدَمَ فيها طلب ؟ هل ثمة من يحدد له عبر الأثير الميتافزيقي مستقبله ويذكره بمصيره الأدبي ؟ يجوز . هل ثمة من يرسم له دوره المدفعي الذي مارسه أيضا بعدُ ، مثل قصيدته عن نبوءة لرئيس سابق ، ودوره الميداني في مجال الثقافة ؟ ربما . هل ثمة علاقة في سعي طلب بين لفظ الثقافة التراثي بمفهومه الحربي عبر مادته الأصلية : ثقف ، ولفظ الثقافة بمفهومه الثقافي المعاصر عبر مادته الأصلية أيضا ؟! ربما .

هل استطال طلب بحرب استنزاف خدمته في الجيش داخل الثقافة أيضا ؟ لا شك في ذلك . لكن هل عَبَرَ طلب ثقافيا مثلما عبر حربيا ؟ أكيد . أسئلة قد نختلف فيها ونفتح أفق تأويلها ، لكنها مرتسمة شاخصة .

     ثم يأتي المرفأ الثالث ، ليجمع بين المرفأين السابقين ؛ مرفأ البداية الذي انتهى به في جامعة القاهرة ، ومرفأ الثقافة بمعني جذرها الذي أشرت إليه ؛ فكان عمله مسئولا للثقافة في جامعة القاهرة . وبالمعنيين الثقافيين مارس طلب دوره في جامعة القاهرة ، الثاني مارسه وسط أنشطتها ، والأول مارسه وسط أكاديميتها ، حين هم بتسجيل أطروحته عن الفلسفة عند الفراعنة ، إذ أصرَّ طلب على موضوعه بعد أن بدت غيوم رفضه تلوح في أفقه ؛ لدرجة أنه ذهب متعمقا إلى كلية الآثار ليحصل منها على دبلوم في الفرعونيات ، ونجح طلب بعد أن قاوم الاستبعاد ثلاث سنوات في تسجيل موضوعه . واستطاع بذلك أن يذهب بالفلسفة إلى أبعد من طاليس ؛ إلى منابعها الفرعونية الأولى على خلاف ما يتعارف عليه العالم .

     ولعلنا نلاحظ هنا ملمحَ الرابطِ الجنوبي النيلي الفرعوني ، والرابطَ الفلسفي ، الذي تحدثنا عنه سابقا . ليس هذا فقط ، ولكن يمكن تسجيلُ ملمحٍ آخرَ هنا وهو أن ديوانه : لا نيل إلا النيل ، ظهر بعد أن أتم طلب رسالته الفلسفية الفرعونية ، رغم بواكيرِ كتابةِ بعضِ قصائدِه . 

     ثم يأتي مرفأ ساكن رابع ؛ مرفأ يتوقف فيه طلب عن كتابة الشعر ، ولقد حدث ذلك بعد ديوانه الأول : وشم على نهدي فتاة ، الصادر عام 1972م . وفي هذا المرفأ يتضح أمران :

الأول – ويحتاج توقفٌ أمام التوقف ؛ لأن توقف طلب يشبه توقف نجيب محفوظ بعد كتابة ثلاثيته ؛ إذ بعد قيام ثورة يوليو ، انتهت واقعية محفوظ ، فأُسْقِطَ في يده ، وظل ساكنا قرابة سبع سنوات ، عاد بعدها ممتلئا بمرحلة جديدة فكانت أولاد حارتنا ، وهي رواية فلسفية رمزية بامتياز . فهل لطلب نصيب من ذلك ؟ هل توقف طلب وعودته بعدُ ، جعله أكثر استقطارا للفلسفة أيضا ؟ أم أكثر استقطارا للرمز ؟ أسئلة وأسئلة تحتاج إلى مزيد تأمل لا تُجْبِرُه هذه الوقفة .

الثاني – أن التجربة : وشم على نهدي فتاة ، ربما كانت السبب في التوقف ؛ إعادةً لدوائر البدايات التي ذكرتها آنفا ؛ إذ بدا العنوان في هذا الديوان مخاتلا وكأنه من هرمونات الصبا ، التي تُناص طفولةَ نهد لنزار ، ولا أدل على ذلك من أن الشاعر نفسه غالبا ما يذكر هذا الديوان بلفظ الوشم فقط دون بقيته ، وكأنه يعيدُ ترتيبَ مفرداتِ تجربتِه عبرَ جذبِ دوائرِه الأولى ، ليبرزَ الوشمَ في مقابل الطلل ؛ إنه إعادةُ استحضارٍ للبعد الجنوبي النيلي الفرعوني ، وكأنه ” شنو ” الفرعوني ؛ المنحوت عبر الأزمنة . وقد كدت أتناسى أن تناسي الدواوين الأولى للشعراء يكون أشهرها لأسباب سياسية ، مثلما فعل محمود حسن إسماعيل ؛ لا فنية ، لكن طلب أعاد لي تذكري .

     مرافئ طلب كثيرة ؛ متداخلة ؛ متقاطعة ، دائرية ، تُنتَجُ معا وتنفصلُ معا ، لذا يصعب تتبعه في خط مستقيم ، واستصفاءٍ صافٍ ؛ فالديوان توأم لديوان ، ولكنه يُولد بعده بسنين ، كل دواوينه ؛ توائم غير متماثلة ، ينزل بعضها ، ويترك الآخر حتى يكتمل لينزل بعد ، وهكذا دواليك .

     يتبقى في تصوري مرفأ هام وحيوي ومحوري ، ولا أقول أخيرا ، لأن مرافئ طلب لن تنقضي بإذن ربة الشعر ، وهو مرفأ : إضاءة 77 ، ذلك المرفأ الذي غزا الشعر العربي بل فتحه ، بثلة من الأولين ، منهم : طلب وحلمي سالم ورفعت سلام وجمال القصاص وعلي قنديل ، وقليل من الآخرين ، منهم : ماجد يوسف وأمجد ريان محمد خلاف ومحمود نسيم . فيها يتأصل طلب وبعدُ ، عبرَ مراحلَ تطوريةٍ مدمجةٍ بينَ : شموسِه وأزل ناره وصباباته ونيله وبنفسجياته وزبرجدياته ومواقفَ أبي عليه وجيم آياته وغاية مراده ، إلخ . ولي شرف دراسة في مرحلة الزبرجديات عن زبرجدة الخازباز بعنوان : نسق إيقاع المعنى في قصيدة زبرجدة الخازيار لحسن طلب ؛ دراسة بنيوية ؛ منشورة في سلسلة كتابات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة ، برئاسة الدكتور سيد خطاب ، وإدارة الدكتور أيمن تعيلب .

     في هذه المراحلِ تجلى مشروعُ طلب الشعري التجريبي الأصيل دواليك ، والتنويري الحق أيضا ، خلص فيه طلب لشعره ولعقله وحدهما ، إذ لا سيد عنده فنيا إلا سيد الشعر ، ولا سيد عنده تنويريا إلا سيد العقل ، فالشعر والعقل لا يمكن أن يكونا خادمين لسيدين . كل التابوهات خادمة لا مخدومة . ظل طلب وفيا لشعر التفعيلة ، ولم يقترف قصيدة النثر ، ودائما ما يرى أن ثمة إمكانات في قصيدة التفعيلة الإيقاعية لم تكتشف بعد ، وهي منظورة إلى يوم يبعثون . في ديوانه الأول ساد إيقاع بحر الرجز ، فبدا طلب وكأنه يتقهقر بإيقاعه بعيدا عن إيقاع القصيد إلى تاريخ موغل في التاريخ لعله يلامس جنوبيته البكر ، عندما كان النثر بداية والسجع تاليه والرجز ثالثه والقصيد نهايته . ربما لهذا أيضا يَعُدُّ طلب ديوانه الأول من هامش متنه .  لم يغفل طلب التراث إذ له فيه مختاراته ، وكثيرا ما فتن بأبي العلاء لأن سيدَّهُ هو الشعر وحدَه أيضا . أخذ طلب من التراث لب لبابه ؛ حرفا وجرسا ولفظا وصوتا وإيقاعا ، أقام فيه كثيرا لكن كانت في يده دوما تذكرةُ العودةِ لحداثته ؛ مقولةٌ حفظها قالبا عن د. شكري عياد ووقرتْ في سعيه قلبا . أحيانا يقع في المباشرة ويرى أنها مقصودة وضرورية في مواقف بعينها لا يقوم مكانها إغماض أو ترميز . لم يهتم طلب بالنقاد كثيرا ، ولا بمغازلة تلحين وغناء ، وهذا من باب إخلاصه لتجربته أيضا . بدا طلب دوما واعيا بعقله التنويري حريصا على إبعاده عن تجربه إبداعه . وما بدا من فلسفة وتعقيل وتنوير في شعره بدا كالماء الذي خُلِقَ منه كلُّ شيء حي . عقلن طلب فنه وفنن طلب عقله . تماما كنجيب محفوظ في واقعيته النقدية ، فكلاهما رأى التمرد في حدود ما يخدم الفن ليكونَ الفنُ فريدا وجديدا . وكلاهما رأى أن التمردَ المطلقَ عبثٌ . 

     وفي النهاية أعود إلى ثالثِ ملامحِ مرفأِ البدايةِ في الخزندارية وأسأل : هل حظيتْ جماهيرُ طلب بنصيبِ تنويرِ جماهيرِ ابن بلدته الطهطاوي ، الذي تمنى ويتمنى طلب قبسا من تنويرِ مثله دوما ؟! إن الطهطاوي نفسَه بعد مئة عام من التنوير ، وقع حفيده في قبضة اليمين ، وتكاد مصر أن تقع معه في القبضة ذاتِها – لولا شرفاء ” يشيلون حمولها ويعدلون المايل ” – . لم يتبق من تنوير الطهطاوي كثيرٌ ، اللهم إلا كوكبةٌ تقبضُ على تنويرِها كالجمر ، وتَدّخِرُ فسيلتَه لتُغْرِسَها في جبهة التصحر قبل رمقها الأخير ، وذكرى جهود سعيه الأكاديمية ، وذكرى طُرْفَةِ غنى ما تبقى من ثروته التي أخذها من محمد علي وأولاده ، والتي قدرها علي باشا مبارك في خططه بألف وستمائة فدان غير العقارات في بلده طهطا وفي القاهرة .  هل سيتبقى من تنوير طلب شيءٌ غير جهود سعيه الأكاديمية أيضا ؟ هل سيحصل طلب على شيء من طرفة غنى مال ؟! طبعا لا . ولا حتى على مواعيده . كل ما حصل عليه طلب وسيحصل عليه ، هو لقب شاعر ، الذي هو أشرف الألقاب ، ولقب تنويري وكفى به لقبا . ولعل لمحة تأويلية عظيمة باقية أختم بها احتفائي ؛ عندما علق أمل دنقل قصيدة طلب : زبرجدة إلى أمل دنقل ، على سرير مرضه في الغرفة ثمانية فبدت أول معلقة شعرية تنويرية في العصر الحديث على أستار كعبة شعرية تنويرية عريقة تمثل شعلة جيل الرواد في انتقالها إلى جيل طلب . أتمنى من المستقبل أن لا يخرج من أحفاد طلب ، ومن طهطا ، ومن مصر ، مَنْ يقع في قبضة اليمين مثلما وقع حفيد الطهطاوي .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading