كتابات حرة

رقص على إيقاع الذاكرة-2- الكتابة والناس..محمد الجلايدي – المغرب

5E0377D6 E4EB 11EC 811C 0EEA65513999

إهداء:-إلى سي ادريس الصغير..

(…)
بداية البدايات في العلاقة مع لذة الكتابة، كنت خلالها أخربش، وأتوقف. ثم أخربش وأتوقف، إلى أن استقام الدق في قلبي بنبضٍ خاص للكتابة. لأدرك فيما بعد أن تميز النبض لا يشابهه في الدق إلا نبض العشق! لكن «عشق الكتابة» أمر، أما ترجمته بشكل سليم إلى أقوال خطية متماهية مع الأفعال في الحياة تؤطرها رؤية للحياة؛ فذلك أمر مختلف تماما! 

ف «عشق الكتابة» ليس كافيا لجعل فعل «الكتابة» مطاوعاً.. لأنه ليس في المتناول بيسر، أمام سلطة اللغة، التي لا تعلو عليها أية سلطة قهرية في الوجود! وإن لم تخضع لسلطة اللغة – وأنت عاشق للكتابة- فإنك ستصنع لمعشوقتك، بدل الفساتين الانسيابية التي تمنحها إبراز جمالها الفاتن وبيدها إكليل ورود؛ نوعا آخر من الفساتين المضادة، فتنحو بمعشوقتك نحو تشويه خلقتها! 
(…)
لذلك أوقفت الكتابة، وقدمتُ الولاء لسلطة اللغة، سعيا بالاجتهاد والمثابرة، لامتلاك حسها الصوتي والتركيبي والدلالي، بما يحملني على التعبير والتواصل بشكل سليم، أو يكاد. توقفت زمنا ممتدا في تراخيه، لأتحول من الكتابة كيفما اتفق، إلى مدمن على القراءة، ومواظب عليها. وبعدها بزمن طويل، عدت إلى الكتابة! ولما عدت ، كنت أكتب على رحاب صفحاتي البيضاء سواد خواطري، ولا أتجاوز ذلك. لست شاعرا، أعرف ذلك جيداً، لكن الذي لا أجهله أني وأنا أكتب كنت أخط مشاعري على أوراقي.. فتأخذ شكل سوادها على البياض كخواطر لا غير.. وأحتفظ بالخواطر تلك، إن رضيت عنها، في دفاتري، التي اخترت لها مكانا آمنا ضمن حمّالةِ كتبي..
(…)
لكن «سي ادريس الصغير» كان له رأي آخر، لما «ورّطني» بجماليةٍ سلوكيةٍ منه، فوضعني وجها لوجه أمام مسؤوليةِ قلبِ هذا المسار من الكتابة للذات إلى الكتابة للناس! اقتناعا منه، وتقديرا منه، أن ما أكتب يفتقد إلى ركن أساسي في الكتابة! وهذا الركن هو بالتحديد «الكتابة كمسؤولية»! ولكي أكمل أركان الكتابة من هذه الزاوية، علي أن أخرج بما أكتب إلى أحضان الناس، عندما تتوفر الكتابة على مقومات هذا الخروج! و«سي ادريس» بفطنته المعهودة منه، وبتجربته الطويلة والخصبة مع الكتابة- وهو كاتب روائي ومن رواد الكتابة القصصية في بلدي ومن أبناء مدينتي البررة- اقتنع بتوفر هذه المقومات في نص وضعته بين يديه للاستشارة معه بخصوصه، من أجل أن يساعدني على تصنيفه من حيثُ النوعُ الفني- هل هو خاطرة أم هو خروج عنها نحو نوع آخر من الكتابة الفنية! وتتعلق الاستشارة، بنص «الكومباطا حمان» الذي اعتبره «سي ادريس» نصا قصصيا على مستوى مقوماته البنائية، ويستحق أن يقرأه الناس!
(…)
هو أول نص قصصي كتبته، لكنني وجدت نفسي أمامه وجها لوجه مع بداية خط جديد في العلاقة مع الكتابة، ليحضر فيه الناس، كركن أساسي من أركان «مسؤولية الكتابة»! وهذا الخط الجديد لم أعهده من قبل..! لذلك لما قرأت قصتي تلك، بعد أن نشرها «سي ادريس» ضمن صفحة (على الطريق) بجريدة (الاتحاد الاشتراكي)، عظُم الخطب في كياني على مستوى العلاقة بالكتابة! فوجدتُ نفسي أمام الناس أعزل لا أمتلك في يدي إلا نصا واحداً على صفحة جريدة! وكان سؤالي لنفسي من طبيعة الأسئلة الوجودية:- هل أتلحف بالجريدة وظهري على الحائط، وأشكو سوء أحوالي، وألقي باللوم على ظروفي النفسية والحياتية.. أم أشدّ الرحال بالعزم على مواصلة المسير؟! والمسير في هذه الحالة، من أثقل المسؤوليات؟! خاصة وأنه بداية خط ينهي مع خط، في عوالم الكتابة! والخط الذي انتهى، أَغلقَ على الخاطرة لينطلق خط التعاطي مع القصة. وأَغلقَ في الآن نفسه على الكتابة للذات إلى الانتقال بها للناس!
(…)
أذكر جيدا بأن لحظات هذا المخاض، كانت في سياق أجواء نفسية مغمورة بالسوداوية، التي حملها لي عالم السياسة! وهو السياق الذي دفع بي إلى مستويين من نهاية عهد وبداية عهد: 

المستوى الأول تبلور في نهاية عهد التصدعات التي أفرزتها عذابات سنين طويلة، والتي طالت الكيان عقلاً ووجداناً، فعطَّلتْ بندول الساعة النفسي، لتهمد فيه تلك الحركة الدؤوبة، وهي تُحرّك العقربين في وجودي الإنساني وموقعي الحياتي.. 

والمستوى الثاني تبلور مع انطلاق عهد مغاير تماما لكل الأوضاع الحياتية التي عشتها من قبل.. وأنا أنتقل من الكتابة للذات في سجن الخلوات مع الذات، إلى انفتاحي على الناس عبر الكتابة. مع استحضار أن هذا الانتقال وإن أخرجني من حالة المخاض السوداوي الذي كنت في غمرته؛ فقد زج بي نحو نوع آخر من المخاضات، مرعبة- نعم- لكنها لم تكن سوداء:
(…)
فأن أكتب، وأن أنشر أمران مختلفان: الأول عهدته، والثاني لا عهد لي به على الإطلاق. مما حملني على اعتبار هذا الانتقال ولادة ثانية لي في خضم الكتابة وفي الحياة أيضا! لأنها أخرجتني من رحم اللاجدوى الوجودي والخواء الحياتي الداخلي! إلى بداية الإمساك بتلابيب نفسي لأقودها بخطو حثيث نحو مدارات الجدوى الوجودي والامتلاء بألق ما يشدني إلى عبق الحياة!
(…)
وككل البدايات، وككل الولادات، أقر بأن هذه البداية كانت صعبة، ومخاض هذه الولادة كان أصعب!! فحين شرعت أكتب للناس، لم يطاوعني القلم بسهولة. فأنا لم أكتب لهم من قبل، ولم أخطط لذلك من قبل. ولا عهد لي بهذا النوع من الكتابة. كنت أكتـــب عن نفسي، وأحتفظ بذلك لنفسي. وكنت أعتبر ذلك نوعا من المتعة: أتطهر فيها ومن خلالها!
(…)
لذلك وأنا أكتب أولى نصوصي للناس، كنت أمتلئ بالرعب! وكان الرعب يأتيني من حضور الناس فيما أكتب! وكان هذا الحضور للناس يأخذ شكل وجوده في صيغة أسئلة مركبة تزلزل النفس:

-ما الذي سيفيد الناس من كتابة تتمحور حول بكائيات طللية؟!
-وإذا كان أقرب الناس إلى قلبي- و«سي ادريس» واحد منهم- يعتبرون ما أكتب يدخل في صميم قضية إنسانية نبيلة؛ فهل كل الناس هم هؤلاء الأقرب من ناسي؟!
-وإذا كان أقرب ناسي، يلحون علي بأن أكتب عن جراحي ما دامت لها علاقة بجراح عامة في بلدي؛ فهل يقبل كل الناس، أو أغلبهم، أن جراحي الخاصة لها علاقة، بشكل أو بآخر، بالجراح العامة؟!
(…)
ولأحقق نوعا من التوازن في الخطو الكتابي، أمام هذه الأسئلة، قررت أن أمضي في مسرب الكتابة عن الجمال الوجودي والحياتي والعلائقي، اقتناعا مني بأن القبح في الهواء الذي نستنشق! مما يجعل كلَّ جميل في بيئتنا محاصرا. ولأنه كذلك، فإن الأعين الجميلة، وأصحابها هم الأغلب الأعم من ناسنا، قد تعلو أعينهم البريئة غشاوة! ومهمتي الأساس، أن أساهم قدر المستطاع في مقارعة هذه الغشاوة. هذا التوازن في الخطو الكتابي، الذي شكَّلتُ منه قاعدةَ سِلمٍ مع «فعل الكتابة» لم يصمد بها خطوي بعد ميل أو نصفه! إذ سرعان ما شنَّت الكتابة حربها علي وعلى قاعدة السلم التي ظننت أني أبرمتها معها! فأعلنت لي رفضها لسِلمٍ لم يحصل بالتوافق معها، لأنه كان من طرفي ولم تكن هي راضية عنه! ولكي تحاصرني بحربها من كل الجهات هجوما، حملت لي أسئلة موجعة بتناقضها، مثل:
(…)
-أوليس الاهتمام حصرا بالكتابة عن الجمال، هو نوع من الهروب الجبان، من ساحة الوغى ضد «القبح» و«الظلم»؟!
-وإن وجّهتُ بوصلة الكتابة ضد «القبح» و «الظلم»، فهل أمنحهما «البطولة» في نصوص الكتابة، دون وعي مني، وهم معا «بطلان» بتحصيل الحاصل، يتسيد حضورهما في بيئتي عبر قلة من الحمقى؟! أفلا أمنحهما وأمنح أولئك الحمقى «بطولة» إضافية تمتد إلى أوراقي؟!
(…)
وبعد مخاض موجع، استدركت لأحسم أمري لما طرحت سؤال «الجدوى وشرط الوجود» بالنسبة لأي كتابة، بهذه الصيغة:
-ما جدوى «فعل الكتابة» إذا جنحت إلى السلم مع الظلم، تعلق الأمر بالظلم العام أو الخاص؟!
(…)
لذلك، وبناء عليه، حزمت أمتعتي، وهيأت زادي، وامتطيت جواد جدي، وقررت الرحيل إلى جبهات المنازلة! وفي سياق الجنوح بالكتابة إلى مواجهة الظلم، أشكر (واحداً من الظّلَمة) الذي لا أبعاد إنسانيةَ له! لأنه، صحح فهمي للكتابة لحظة التفكير في جدواها، وقومني -دون قصد منه- كي لا أنتمي لكُتَّاب الفساد في بلدي.. أولئك الذين طفح كيل نتانتهم من فرط العَفَن، والركوع أمام أعتاب السلطة، بغاية الظَّفر ببعض اللَّقط، في الفنادق الفخمة! فتصالحوا مع الظلم والظّلَمة!!
(…)
ف( شم الهوى) في مدينتي بطل و (ميري) في مدينتي خائنة ! ولا مجال لي كي أتخذ موقعا وسطا بين (شم الهوى) و (ميري)، مثلما لا وسط بين المواجهة والخيانة.. ولا توسط بين الشجاعة والجبن.. ولا وجود للوسطية بين الجمال والقبح.. وبين الظلم والعدل.. فأنا مع (شم الهوى) وأنا استمرار له، وضد (ميري) التي باعت نفسها للأمريكان، فأتقنت لغتهم، ولما عادت إلى لغة الأهل، بعد أن غادر الأمريكان مدينتنا؛ أصيبت بانكسار في اللسان، ولم تجد في رحاب القنيطرة مترا من مكان.. فصارت عبرة على كل لسان!!! 
(…)
إن أمثال (شم الهوى) بين الناس هم كثر وهم ناسي، وأنا ابنهم، وإن توجهت إليهم ب «فعل الكتابة» فأنا منهم، وما أكتب هو ملكهم! ليصير بهم ولهم ومنهم، خاصة ونحن في الأغلب الأعم، لا نملك في السماء سحابة ولا في الأرض حفنة تراب! لكننا نملك عزة النفس، وقيم الحب التي لا تتعارض مع كفاحنا اليومي لنعيش على قمم جبال الكرامة!!!
(…)
هذه الهلوسات في علاقتها ب «فعل الكتابة» والناس، وأنا أستحضرها الآن كما عشتها من قبل، هي التي ساعدتني- من بعد- على حسن الفهم والتمثل الجيد ل (نظرية التلقي) ضمن محور المقاربة السيميائية.. وأتذكر جيدا جلستي على كرسي التحصيل بالكلية، حين كان أستاذ جليل، يشرح النظرية تلك، وأنا أرى في شرحة بعضا من نفسي ينتقل من الهلوسة إلى إعادة التشكل على قاعدة الارتكاز الأكاديمي ! 

فتحول الناس في «فعل الكتابة» بالنسبة لي، من جمع عام إلى «قارىء افتراضي»! علي أن أتخيل وجوده، وأتعامل معه بالإبداع كرسالة ذات قصدية تتوخى أثرا إيجابيا في فعله القرائي. ولأحقق ذلك علي أن أراهن في الإبداعية على البناء النصي المسبوك نحويا و المحبوك دلاليا. وأن أراهن على خلخلة توقعه بالإخبارية التي تضيف شيئا جديدا له.. 

يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading