الملك فيصل الثاني يزور بغداد … بعد أن تجاوز التسعين من العمر:سردية رمزية عراقية في التاريخ المتخيّل/أ.د. سيّار الجميل

1- فيصل الثاني في شوارع بغداد
في صباحٍ بغداديٍّ مُثقَلٍ بالغبار، حطّت طائرةٌ لا تحمل علمًا ولا ذاكرةً واضحة. لم يكن في استقبالها حرسُ شرفٍ ولا فرقة موسيقية، بل موظف جوازات شاب يمضغ علكته بلا اكتراث. قلّب الجواز قليلًا، ثم قرأ الاسم: فيصل الثاني، العمر: واحدٌ وتسعون عامًا. رفع رأسه وسأل ببرود: “غرض الزيارة؟” ابتسم الرجل ابتسامةً نجت من زمنٍ لم ينجُ منه أحد، وقال: “أزور بلدي الذي ولدت فيه وعشقته ورحلت عنه فجر 14 تموز 1958 وأنا في الثالثة والعشرين … إن كان ما زال بلدي.” ختم الشاب الجواز دون أن يرفع عينيه: “أهلاً وسهلاً… بس انتبه من الزحام.” خرج الملك إلى بغداد، فلم يتعرّف عليها. لم تكن صدمةً واحدة، بل سلسلة خيباتٍ صغيرة تتراكم كالغبار على الذاكرة. بحث عن شارع الرشيد فوجده مُسنًّا أكثر منه، وبحث عن دجلة فوجده شريطًا مكدرّاً من الحزن يمرّ بين ضفّتين من التعب. تمتم: “كنتُ أظن أننا نؤسس تاريخاً … لا أننا نؤجل الخراب.” اقترب منه شاب يحمل هاتفًا، حدّق فيه وقال: “عمي… إنت تشبه الملك القديم!” ردّ بابتسامةٍ خفيفة: “كنتُ أحبه… قبل أن يصبح التاريخ أسرع من الرصاص.”
في المساء، انتشر الخبر كما تنتشر الشائعات في البلاد التي لا تثق بالحقيقة: “الملك رجع!” اجتمع حوله شبابٌ لا يشبهون حاشيةً، بل جمهورًا متعبًا، بعضه ساخر وأكثره شباب يبحث عن معنى. سأله أحدهم: “لو بقيتَ بالحكم، كان العراق صار شنو؟” تأمّلهم طويلًا وقال: “لا أعرف… لكنني أعرف شيئًا واحدًا: لم نكن لنصل إلى هذا الحد من إتقان الفشل.” ضحكوا، ضحكًا يشبه الاعتراف أكثر مما يشبه الفرح.. فرحوا وكأنهم وجدوا كنزا .. أخذوه في جولةٍ داخل وطنٍ لم يعد يتذكّر ملامحه. رأى مدارس متهالكة فتذكّر أحاديثه القديمة عن “بناء الإنسان”، ورأى مستشفياتٍ تشبه غرف الانتظار الأخيرة، وشوارع تُدار بالحفر أكثر مما تُدار بالقوانين. سأل بهدوء: “من يحكم الآن؟” أجابه شاب: “سؤال صعب… عندك وقت طويل؟” ولم يكن في السؤال مزاحٌ بقدر ما كان خلاصة تاريخٍ كامل.
2- الذكرى المريرة
وقف الملك أمام نصبٍ مكسور، لا يدري إن كان يرمز لثورةٍ أم لسقوطٍ أم لكليهما معًا. همس: “لقد قُتلتُ بسرعة… لكن البلاد تُقتل ببطءٍ منذ ذلك اليوم.” اقتربت منه فتاة جامعية ابنة أحد الراديكاليين وقالت بثقة: “نحن جيل جديد… لا نريد ملوكًا ولا عسكرًا، نريد دولة بروليتارية فقط.” نظر إليها طويلًا، كأنه يرى ما لم يُتح له أن يراه في حياته القصيرة: شعبًا يتأخر كثيرًا في التعلّم، لكنه لا يتوقف عن هوسه . قال لها: “لو عاد بي الزمن شابًا، لكنت أقل ثقةً بالسلطة… وأكثر ثقةً بكم.”
في لحظةٍ من سخرية هذا الزمن، جلس في برنامجٍ تلفزيوني. سأله المذيع بابتسامةٍ مصطنعة: “كيف تقيّم تجربتك في الحكم؟” أجاب بهدوء: “قصيرة… لدرجة أنها لم تُتح لأخطائي أن تنضج.” ثم سُئل عن الذين قتلوه، فصمت قليلًا وقال: “لم يكونوا أشخاصًا فقط… كانوا فكرة. فكرة أن الهدم أسهل من البناء، وأن الرصاص أسرع من الإصلاح.” ولم يحتج كلامه إلى تفسير! أجاب شاب من العقلاء : هم لم يقتلوك ، بل قتلوا وطناً وقتلوا بعضهم بعضا ثم نحروا انفسهم وأحدهم يضحك على الآخر.
في نهاية زيارته، وقف على ضفة دجلة، ولم يكن حزينًا كما يُفترض بملكٍ عائدٍ من الموت، بل كان واضحًا على نحوٍ مؤلم. قال: “كنتُ سمحًا، مؤدبًا… وربما أكثر مما ينبغي. ظننتُ أن اللطف سياسة، وأن النية الطيبة تكفي لبناء دولة. لكن البلاد تحتاج أكثر من الأخلاق… تحتاج شجاعةً في مواجهة الرداءة. تحتاج الى عدم الثقة بمن يبتسم ” ثم التفت إلى الشباب من حوله وأضاف: “أنتم لا تحتاجون ملكًا يعود… بل وطنًا لا يرحل.” لا أريد منكم الا الذكرى الطيبة والبقاء متكاتفتين ..
غادر دون أن تُطلق المدافع تحيةً له، ودون أن تُرفع صوره في الشوارع، لكن شيئًا صغيرًا تغيّر. لم يعد الماضي مجرد حنينٍ جميل أو قصةٍ حزينة، بل صار سؤالًا ثقيلًا: ماذا لو لم نُتقن تدمير كل شيء… بهذا الإخلاص؟
كان فيصل الثاني يقف بهدوءٍ يليق بمن عبر الزمن وعاد، رجلًا وقورًا لا يحتاج إلى صخبٍ ليُرى. ابتسامته خفيفة، كأنها تعتذر عن عالمٍ لم يعد كما تركه، وملامحه الوسيمة تحمل بقايا شبابٍ لم يكتمل. كان قصير القامة، لكن حضوره يعوّض ما لا تقوله الأرقام. ارتدى بدلةً سوداء أنيقة، بسيطة من دون استعراض، وعلى صدره ثبت علم العراق الملكي، لا كزينةٍ بل كإشارةٍ صامتة إلى زمنٍ يصرّ على أن يرافقه. لم يكن في هيئته تحدٍّ ولا ادّعاء، بل ذلك المزيج النادر من التهذيب والهيبة، كأن الرجل لا يزال يؤمن بأن الوقار يمكن أن يكون موقفًا، لا مجرد مظهر.
3- الذاكرة العراقية .. تتكلم
حين سُئل فيصل الثاني عن فجر يوم 14 تموز 1958، صمت قليلًا، كأن الذاكرة لا تزال تختار كلماتها بحذر، ثم قال بصوتٍ هادئ لا يخلو من مرارةٍ حزن مصقولة: “لم يكن فجرًا… كان اختصارًا قاسيًا لليلٍ طويل. لم أفهمه يوم ذاك كحدثٍ عسكري فقط، بل كإعلانٍ بأن الثقة يمكن أن تكون أخطر من السلاح. كنت أظن أن الدولة تُبنى بالصبر، لكن يبدو أنها تُهدم بالاستعجال.” ثم ابتسم ابتسامةً خفيفة وأضاف: “في تلك الساعات، لم يكن الرصاص هو الأسرع… بل كان انهيار المعاني.”
وحين سُئل عن الضباط الذين انقلبوا عليه وكانوا جميعهم من الموالين له ، لم يبدُ غاضبًا بقدر ما كان واضحًا على نحوٍ مؤلم، وقال: “لا أحب كلمة خيانة حين تُقال بسهولة، لكنها تليق بتلك اللحظة. لم يخونوا شخصي بقدر ما استعجلوا مصير بلدٍ كامل. كانوا يظنون أنهم يفتحون بابًا للمستقبل، فإذا بهم يكسرون الباب ويتركونه بلا مفصل لميدان من العبث ومسالك من الفوضى ومجزرة تتنقل في شوارع بغداد اللاهبة ومجازر تتلو أخرى . لم يكونوا جميعًا أشرارًا، بل كانوا، في أحسن الظن، أسرى فكرةٍ أكبر منهم ، وقد خدرتّهم الدعايات الصاخبة، وبثّوا الكراهية. أن التغيير يمكن أن يولد من فوهة بندقية. والتاريخ، كما ترون، لا يرحم هذه السذاجة.” ثم خفّض صوته قليلًا وقال: “لو عاد بي الزمن، لما غيّرتُ حذرهم فقط… بل غيّرتُ ثقتي أنا.” وحققت حلم دولة الرفاهية .
نحن ننتظر ماذا سيقوله عن نفسه .. كان يأبى دوما اللوم والتقريع وهو بعيد عن السب والشتم وصبّ اللعنات وقد نضج واكتملت ثقافته الواسعة فهل سيحكي كلمة عن نفسه امام العراقيين واغلبهم في حالة دهشة وقد رحل زمنه رحيل ثلاثة أجيال ؟ اما خصومه فما زالوا يزمجرون ضد حكمه .. هل سيذكرهم بما أنجز في عهده من فتح سدود وجسور ومصانع ومعاهد ومدارس ومستشفيات وصنع انسان جديد واين كانت سمعة البلاد وكم كانت قيمة عملتها وعليها صورته .. كم خدعه شعبه اذ لا يستقيم رفع سيارته من شدة الفرح ازاء قتله غدراً وعدواناً ومعه جدّته وخالاته وخاله الذي وفى له ورباه أفضل تربية ولم يطمع في ملكه بحيث قالت مربيته عنه : كان فيصل يتصرف كالملوك وهو طفل صغير.
4- لقد تبدّل الناس بغير الناس
عندما وقف فيصل الثاني أمام العراقيين، وكانت الدهشة تُمسك بوجوههم كما يمسك السؤالُ بصاحبه، لم يرفع صوته ولم يتخذ هيئة الخطيب المنتصر، بل بدا انساناً صنعته التجارب وثقافته عميقة الاتساع .. تحدث بعربيته المحكمة التي علّمه اياها مصطفى جواد وكمن يزن كلماته خشية أن يظلم الحقيقة أو يُجاملها. قال بهدوءٍ واضح: “لا أعود لأطلب حكمًا، ولا لأسترد زمنًا انتهى، بل لأفهم معكم ما جرى لنا جميعًا. أعرف أن بينكم من يذكرني بخير، ومن لا يزال يرى في عهدي نقصًا أو خطأً او جريمة ، وهذا حقّ لا أجادل فيه. لكن الدول لا تُقاس بلحظةٍ واحدة، ولا تُدان بصرخةٍ واحدة.” ثم مضى قليلًا، كأنما يفتح دفترًا قديمًا من دون أن يلوّح به: “في سنواتي القصيرة ( 5 سنوات فقط) ، حاولنا أن نفتح طرقًا، ونبني جسورًا، ونقيم سدودًا ومصانع ومعاهد ومكانة عليا بين الأمم . لم يكن ذلك كمالًا، ولا كان خاليًا من العيوب، لكنه كان اتجاهًا نحو بناء دولةٍ تتعلم كيف تقف على قدميها. بمساعدة دول متقدمة كانت سمعة البلاد تُصان بقدر ما نستطيع، وكانت العملة مرآةً لثقةٍ لم نخلقها وحدنا، بل شاركنا فيها شعبٌ كامل. مع نخب ذكية ” قاطعه أحد المؤيدين ( للثورة) قائلا : أنت رمز العهد البائد .. أين كنت من الانسان ومن الفقراء ومن الفلاحين ومن العمال ومن المسحوقين ؟ التفت اليه فيصل وقال : سأبقى رمزاً تذكرني الأجيال وان ظلمني شعبي فان ضميري في راحة أبدية اذ لم أظلم أحداً أبداً ، وما تحققّ في العراق على عهدي لم يتحقق أبداً على يد من أتى من بعدي سامحهم الله .
نظر إلى الوجوه التي تتأرجح بين الحنين والاعتراض والبكاء وأخرى تتلون بالتشفي والغلّ والكره الايديولوجي ، وقال بنبرةٍ أكثر إنصافًا من عتب: “أما الفرح الذي قيل إنه عمّ الشوارع يوم سقطتُ، فلا أريد أن أحاكمه الآن. الشعوب، حين تُدفع إلى اليأس أو الغضب، قد تُخطئ التعبير كما يُخطئ الحاكم التقدير. لم يكن ما جرى انتصارًا خالصًا ولا هزيمةً خالصة، بل كان لحظةً اختلط فيها الأمل بالانتقام، والرجاء بالعنف. والنجاح بالحماقة وما تلاها من عهود هو ما يجب أن نتأمله معًا، لا لكي نُدين جيلًا مضى، بل لنعرف كيف لا نكرر الطريق نفسه.” اجهض البعض بالبكاء وغادر البعض المكان .
5- من كان على صواب ؟
ثم خفّف من صرامة نبرته، وعاد إلى تلك المسافة التي تفصل الوقار عن العتب: “لا أطلب منكم أن تُحبّوني، ولا أن تُبرّروا ما كان. أطلب فقط أن ننظر إلى تاريخنا بصدق: ماذا بنينا؟ وماذا هدمنا؟ اين كان العراق واين وصل اليوم ؟ ولماذا كان الهدم أسهل؟ إن كنتم قد خدعتم أنفسكم يومًا، فقد خدعتُ نفسي أنا أيضًا حين ظننت أن النوايا الطيبة تكفي وحدها. الحقيقة أقسى من ذلك… لكنها أيضًا أكثر عدلًا. ولكن حكم العراق كما تبين لي من أصعب المهمات .
وساد صمتٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بأسئلةٍ مؤجلة. لم يصفّق الجميع، ولم يعترض الجميع، لكن شيئًا واحدًا بدا واضحًا: أن الرجل لم يأتِ ليُذكّرهم بما كان فقط، بل ليضعهم أمام ما صاروا إليه، من دون صراخٍ ولا عتاب ولا سباب … أين غدا العراق من دون إعفاء. وكأن وجهه يشير الى ما كنتم عليه والى ما صرتم اليه وما يزال كلّ الأمل فيه .. وكيف عارضه الساسة المعارضون بسبب تحالف العراق مع بريطانيا ومع دول الاقليم من اجل حماية مصالح العراق ومن اجل بناء العراق تكنولوجيا وعلميا ، ومن اجل قوة العراق عسكريا ، ومن اجل تأمين حدوده الطويلة الى حين يقوى ويقف على رجليه كم كنت اتوجس خيفة عندما اسمع اذاعة “صوت العرب ” وهجمتها ضد العراق الملكي .
6- من التدرّج السلمي ببطْ الى القفز نحو المجهول الدامي
وحين طُرح عليه هذا السؤال، بدا فيصل الثاني كمن يعود إلى غرفةٍ قديمة في ذاكرته، غرفةٍ كانت تمتلئ بالأصوات أكثر مما تمتلئ باليقين. قال بهدوءٍ لا يخلو من حذر: “لم تكن معارضة الساسة لتحالفاتنا أمرًا عابرًا أو بلا أسباب. كانوا يرون في التقارب مع المملكة المتحدة استمرارًا لظلٍّ ثقيل من الماضي، لا جسراً إلى المستقبل. أما نحن، فكنا نراه ضرورةً مرحلية، لا غايةً نهائية؛ وسيلةً لحماية بلدٍ ناشئ، بحدودٍ طويلة ومخاوف كثيرة، إلى أن يقوى ويستقل بقراره الكامل.”ثم أضاف، كمن يوازن بين روايتين: “كنا نعتقد أن بناء العراق علميًا وتكنولوجيًا، وتعزيز قدرته العسكرية، وتأمين حدوده، يحتاج إلى وقتٍ وشراكاتٍ، حتى وإن كانت غير محبوبة شعبيًا. لكن خصومنا لم يقرأوا ذلك كخطة بناء، بل كتنازلٍ عن السيادة، وكأن كل تعاونٍ هو خضوع، وكل حذرٍ هو ضعف.” واذا حاربونا كوننا مع العشائر والاغنياء والاقطاع ، فهل قضي على هذه البنى المتوارثة حتى اليوم ؟ على الآقل كان هناك زراعة وتصدير الى العالم وصناعات ودينار قوي وسمعة متميزة في العالم.
وحين ذُكرت له الحملات الإعلامية التي كانت تضرب بغداد من الخارج، ابتسم ابتسامةً فيها شيء من التعب وقال: “نعم، كنتُ أتوّجس حين أسمع اذاعة صوت العرب، اذ لم تكن مجرد إذاعة، بل كان موجةً من الاتهام والتحريض، تُقدّمنا وكأننا نقف ضدّ أمتنا لا معها. كان الخطاب عاطفيًا، جارفًا، يَعِدُ بسرعةٍ بما لا يُبنى إلا بالصبر. ونحن، ربما، لم نحسن مخاطبة الناس بالقدر نفسه، فخسرنا المعركة في وجدانهم قبل أن نخسرها على الأرض.” ثم توقّف قليلًا، وقال بنبرةٍ أكثر وضوحًا: “لم يكن الخلاف بيننا وبين معارضينا مجرد سياسة، بل كان صراعًا بين رؤيتين ، رؤيتنا واقعية ورؤيتهم ايديولوجية : رؤيةٍ تريد التدرّج ولو ببطء، وأخرى تريد القفز ولو فوق المجهول. والتاريخ… لا يحكم لمن كان أكثر صخبًا، بل لمن ترك أثرًا يمكن أن يصمد.”ورفع نظره نحو من حوله وأضاف: “ربما أخطأنا حين لم نشرح للناس لماذا نخاف، ولماذا نتحالف، ولماذا نؤجل بعض الأحلام. فتركنا لهم المجال ليسمعوا من غيرنا. وفي السياسة، من لا يروي قصته… تُروى عنه قصةٌ لا تشبهه.”
7- فيصل الثاني في لقاء اذاعي وتلفزيوني
في استوديوٍ هادئٍ تلمع فيه الأضواء على نحوٍ لا يبدّد العتمة بقدر ما يكشفها، جلس الإعلامي المخضرم الاستاذ إبراهيم الزبيدي قبالة فيصل الثاني . كان الملك ببدلته السوداء، وقد ثبت على صدره علم العراق الملكي، محتفظًا بهدوءئه وابتسامته ويكاد يكون مفارقةً أمام ثقل الأسئلة. أما الزبيدي، فبصوته الرخيم ونبرته التي تمزج بين الخبرة والقلق، بدا كمن لا يريد حوارًا عابرًا، بل محاكمةً للزمن. قال الزبيدي وهو يحدّق في ضيفه:
“جلالة الملك… لو طلبتُ منك أن تصف لنا صورة العراق قبل رحيلك، في جملة واحدة، فماذا تقول؟”
أجاب الملك بعد لحظة صمتٍ قصيرة:
“كان بلدًا في طور التعلم والتدرج وبناء القوة ليكون متطورا … يخطئ، نعم، لكنه لم يكن قد تعلّم بعد كيف يُتقن الخطأ.”
استطرد الزبيدي ، قائلا: نما لنا عن جلالتك قولك الذي أفضت به مربيتك اوميرس عندما التقاها الصديق المؤرخ سيّار الجميل في قرية ستراثكينس الاسكتلندية وهي على كرسي متحرّك عام 1978 بقول كنت تردده كما نقله لنا : ” سأجعل من العراق جنائن معلقة يراها كلّ العالم ” . وقد نشر الجميل هذا القول لأول مرّة منذ اكثر من عشرين عاما ، فذاع بين العراقيين. ابتسم فيصل ، وقال : كنت سأحيا من أجل هذا الهدف وكان هدفي أن يبلغ العراق بناء جنائنه المعلقة وذروة ازدهاره عام 2000 .. ولكنني رحلت قبل ذلك بزمن طويل .
ابتسم الزبيدي ابتسامةً خفيفة، ثم أردف: “وصورته اليوم، كما تراها؟”
تنّهد الملك، ونظر إلى الكاميرا كأنه ينظر إلى بلدٍ كامل خلفها: “بلدٌ تعلّم كل شيء… إلا كيف يتوقف عن النزف.” توقّف المذيع قليلًا، ثم اقترب أكثر من السؤال الحاد: “هناك من يقول إن ما جرى بعدك هو نتيجة تراكمات، لا لحظة واحدة. لكنك ترى اليوم انهيارات، دماء، حروبًا متعاقبة… وفساد يزكم الانوف كيف تفهم هذا المسار؟”
أجاب الملك بهدوءٍ صارم:
“حين يُكسر ميزان الدولة مرةً واحدة، يصبح من السهل كسره كلّ مرّة. لم تكن المشكلة في التغيير بحدّ ذاته، بل في الطريقة التي جرى بها، وفي من تولّوا الأمر بعد ذلك. الدولة لا تُدار بالشعارات واثارة الفتن وخلق الاضطرابات ولا تُبنى بالغضب ولا بالخطب ولا بالانقلابات، ولا تحكم من خلال ثكنة أو وكر حزبي بل بهوامش من الحريات والنقد والاخلاقيات لتحقيق العدالة .” تردّد الزبيدي لحظة، ثم قال بصراحةٍ لا تخلو من حدّة: ” وهل تعتقد أن من حكموا بعدك كانوا على قدر المسؤولية؟”
رفع الملك رأسه قليلًا، وقال بنبرةٍ متماسكة: ” لا أريد أن أختزل تاريخًا طويلًا في أحكامٍ قاسية، لكن يمكنني القول إن بعض من تصدّروا المشهد لم يكونوا مستعدين لحمل دولة مؤسسات ، ولا لحكم مجتمع صعب ، بل بالكاد كانوا مستعدين لحمل أنفسهم. السياسة تحتاج نضجًا، لا اندفاعًا؛ تحتاج معرفة لا صخبًا. والمجتمع يحتاج مؤسسات دولة لا تحزبات وتكتلات ومؤامرات، والمجتمع بحاجة الى رخاء واستقرار ووعي وعلم وفن وثقافة لا الى تظاهرات وأنظمة وعساكر واضطهادات. وأجهزة قمع .. سكت قليلًا، ثم أضاف:
“المشكلة ليست في الأعمار، بل في العقول. قد يكون الشاب قائدًا عظيمًا، وقد يكون الشيخ عبئًا ثقيلًا. لكن حين تتحول الدولة إلى ساحةٍ لمن لم يتعلموا بعد معنى الدولة، فكل شيء يصبح ممكنًا… حتى الانهيار.” عاد الزبيدي يسأل، بنبرةٍ أقل حدّة وأكثر تأملًا:
“لو خُيّرت بين أن تعود إلى لحظتك الأخيرة، أو أن ترى ما جرى بعدك كما نراه اليوم، ماذا تختار؟”
ابتسم الملك ابتسامةً باهتة، وقال:
“ربما كنت سأختار أن أفهم أكثر… لا أن أعيش أكثر. لأن ما يؤلم ليس النهاية، بل ما تلاها.”
ساد صمتٌ قصير في الاستوديو، لم يقطعه إعلانٌ ولا موسيقى. فقط نظراتٌ متبادلة بين رجلين يعرفان أن بعض الأسئلة لا تُطرح لتُجاب، بل لتبقى.
8- المغادرة نحو أعماق التاريخ
نهض فيصل الثاني وهو يحمل نظرة صامتة وابتسم ابتسامة حزينة ، وقال : أيها العراقيون استودعكم الله فالعراق بين أيديكم لم يزل يحيا وسيبقى .. لا تنقسموا أبداً .. حافظوا على ثروات بلادكم واذكروا محاسن موتاكم وافهموا الماضي واعملوا من أجل المستقبل وليحترم بعضكم بعضاً .. وأوصيكم ان تجعلوا بيتي المتواضع في سرسنك بكردستان العراق الساحرة والذي بنيته من مالي الحر متحفاً باسمي .. وفجأة مضى طيفه من حيث أتى بعد أن همس في اذن صاحبه المؤرخ المتخيّل رمزه قائلاً : ” وتصيح صاحبتها متعجّبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها … ” واختفى طيف فيصل الثاني رحمه الله ثانية .
أقدّم الشكر للسيدة العزيزة نجوى مسعد مديرة المكتب والتي قامت بتخريج الصورة الكترونيا ..



