مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية شاملة في تجربة يوسف الفرساوي القصصية:”شموع لا تبتسم” بوابة إلى عالم الألم

 -II الموضوعات الكبرى: الخيوط الدلالية العابرة للنصوص

رغم تعدد القصص واختلاف شخصياتها وفضاءاتها، إلا أن ثمة موضوعات كبرى تخترق المجموعة، تشكل خيوطا دلالية تربط النصوص ببعضها، وتمنح المجموعة وحدتها العضوية. سنركز على أربع موضوعات مركزية، وهي:

1- الطفولة المسروقة: من البراءة إلى الجرح التأسيسي

الطفولة في الأدب العالمي كانت غالبا زمن البراءة، الفردوس المفقود، العالم السحري قبل سقوط الإنسان في عالم الكبار القاسي. في رواية “مولن الطويل” (Le Grand Meaulnes, 1913) لـ ألان فورنيي، الطفولة هي زمن الحلم، الحب الطاهر، البحث عن القصر المسحور. في “الحارس في حقل الشوفان” لـ ج. د. سالينجر، (ترجمة غالب هلسا، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط.1 2007)، الرواية التي تعتبر نموذجا لما عرف بكتابات الغاضبين، البطل هولدن كولفيلد يحاول حماية براءة الأطفال من عالم الكبار المزيف؛ حيث يتخيل هولدن نفسه “الحارس في حقل الشوفان، واقفا عند حافة حقل كبير، مليء بأطفال يلعبون، بينما الحقل يقع بجوار هاوية سحيقة، وظيفته هي الإمساك بالأطفال (صيدهم) قبل أن يسقطوا في الهاوية أثناء اللعب.

هذا المجاز يمثل جوهر صراع هولدن: رغبته اليائسة في حماية براءة الطفولة من السقوط في هاوية النفاق والفساد الذي يراه في عالم البالغين. إنه يريد تجميد الزمن عند مرحلة النقاء.

ونجد الفرساوي كقاص يتقاطع مع سالينجر، نراه وكأنه يصرخ في وجه المجتمع: “كونوا هولدن كولفيلد”. ففي نصوصه، الطفولة كما يصورها ليست زمن البراءة، أو بعبارة أخرى ليست مستحقة لتعامل كبراءة في مجتمع، ويحق لنا أن نستعمل عبارة هولدن “زائف”، فالطفولة بالنسبة له زمن الجرح التأسيسي، الصدمة الأولى التي ستحدد مسار الذات. حسب هذه الفكرة، فدعونا نحلل قصتين نموذجيتين:

أ) قصة “ليت المطر بلل قلبها: العنف اللفظي والجرح الذي لا يندمل

تبدأ القصة بمشهد طفل في الثانية عشرة من عمره، يدخل المؤسسة التعليمية في يوم ممطر، يقول الكاتب:

” غادرت البيت والجو ممطر، بقدر فرحي بقطرات المطر التي تعانقني…

لنلاحظ كيف يبدأ السارد (وهو الطفل نفسه بعد سنوات) بوصف اللحظة الراهنة:

  السن الذي نقش بنزيف الألم على مخيلتي، أينما التفت وجدته سدا منيعا في وجهي يتلذذ بتعكير مزاجي يحطم كبريائي، حاولت مرارا مسح ذلك بأناملي لكن الفشل كان دائما يلاحقني

ثم ينزلق إلى استرجاع لحظة طفولية حاسمة. هذه التقنية السردية تخلق تداخلا بين الزمنين، تقول إن الجرح الماضي ما زال حيا في الحاضر. فالصدمة جعلت زمن الكاتب يتوقف عند سن الثانية عشرة. رغم أنه كبر وأصبح راشدا، إلا أنه ما زال يرى نفسه ذلك “الطفل النحيف”. أجل، الصدمة هنا “تُجمد” الزمن.

يصف الطفل نفسه:

قصير القامة نحيف الجسد كأنني تلميذ بالقسم الأول أو الثاني ابتدائي، أسمر البشرة، بريء الملامح، مبلل الشعر الأشعث وقطرات ماء المطر تغادره مخترقة وجهي للاستيطان بسطح أنفي وأعلى شفتي العليا…”

هذا الوصف الدقيق، التفصيلي، يخلق صورة بصرية واضحة. الطفل صغير، نحيف، مبلل بالمطر، بريء. كل هذه الصفات تجعله ضحية مثالية للعنف.

ثم يأتي المشهد الصادم:

التقيت في طريقي بالحارسة العامة للمؤسسة طويلة القامة بيضاء البشرة ترتدي جلبابا أسود اللون”

هنا تتجلى ثنائية (المطر/النقاء/الطفولة) مقابل (الجلباب الأسود/القسوة/السلطة). فالمطر كان “يغسل” الطفل، بينما كلمات الحارسة “لوثت” هذا النقاء. هيرمان تتحدث عن “التلوث النفسي” الذي تشعر به الضحية بعد الإهانة.

يواصل الفرساوي:

” لم أنس ملامحها رغم مرور السنين، وبدون سبب نطقت غاضبة:

– كنحيرو غير معاكم… فين راسلينكم لينا… سير مسح غير خنونتك عاد جي تقرا.”

هذا الكلام القاسي، المهين، الموجه لطفل صغير، يحطم شيئا بداخله. ونرى السارد يعلق:

في تلك اللحظة كسر شيء بداخلي إلى اليوم لم أتوصل إلى طبيعته؟ ولم أستطع ترميمه، ظلت شظاياه المتناثرة بين ثنايا أشلائي وتيبست مشاعري وأحاسيسي…”

هذا المقطع مفتاحي، الطفل يصف الجرح بأنه “شيء كسر بداخله”، لكنه لا يعرف طبيعته بالضبط. هذا يعكس ما يسميه علم النفس بـ “الصدمة غير المفهومة ” (Traumatisme non traité)، الطفل يعرف أنه جرح، لكنه لا يملك الأدوات اللغوية والنفسية لفهم ما حدث له. الجرح يظل “شظايا متناثرة”، غير قابلة للترميم.

والنتيجة: تيبس المشاعر والأحاسيس، وهذا ما يسميه علم النفس بـ “التخدر العاطفي” (Engourdissement émotionnel)، وهو آلية دفاع نفسية حيث الذات تغلق نفسها، تتجمد، لتتجنب الألم. لكن هذا التخدر له ثمنه: الذات تفقد القدرة على الشعور، على الفرح، على الحب. بل ويذهب أبعد من ذلك نحو ‘الانفصال النفسي’ (Dissociation)؛ فحين يقول السارد: ‘أحدق في تفاصيلي لا أعرفني’، فإنه يعبر عن تحطم الهوية، حيث تصبح الذات غريبة عن نفسها هربا من وطأة الحدث الذي لم يستوعبه العقل.

يواصل السارد:

أقسمت حينها أن لا أبين حزني لأحد وأن أبتسم رغما عنهم وعن الحياة، أن أصبح حارسا عاما أو مدرسا وأعامل التلاميذ بلطف.”

هنا نرى ثلاث ردود فعل:

– الإخفاء: لا أبين حزني”، الذات تتعلم أن تخفي جرحها، أن تبتسم رغم الألم. هذا ما يسميه طبيب الأطفال والمحلل النفساني البريطاني دونالد وينيكوت بـ “الذات الزائفة “(False Self)، حيث الفرد يقدم وجها للعالم يخفي وراءه ذاتا مجروحة ومطاوعة لإرضاء الآخرين باستمرار الذات الزائفة هي حارس يهدف إلى حماية الذات الحقيقية الهشة، لكنها في النهاية تخنقها وتمنعها من الظهور والتعبير، مما يؤدي إلى عيش حياة مُزيّفة وغير أصيلة.

– التحدي: أبتسم رغما عنهم وعن الحياة”. هذا موقف احتجاجي فيه رفض للاستسلام.

– التماهي السلبي مع الجلاد: أن أصبح حارسا عاما أو مدرسا وأعامل التلاميذ بلطف”، الضحية تريد أن تصبح في موقع الجلاد، لكن لتفعل العكس، لتعوض عن الجرح الذي عاشته ورد الاعتبار للطفولة المسحوقة.

القصة تنتهي بعبارة مؤثرة: ” فيا واقفا على أطلال الأماني رأفة بهذا الجسد النحيف”.

الطفل أصبح “أطلالا”، خرابا، ذاته مهدمة، العبارة تستحضر التقليد الشعري العربي (الوقوف على الأطلال)، لكن الأطلال هنا أطلال الذات.

وهذا تحليل نفسي أعمق:

سيغموند فرويد في مقالته “ما وراء مبدأ اللذة” (Au-delà du principe du plaisir, 1920) يتحدث عن “إلحاح ” (Compulsion de répétition)، حيث الضحية تعيد تمثيل الصدمة مرارا وتكرارا، محاولة استيعابها، فهمها والسيطرة عليها. فرويد لاحظ أن الضحية “تحاول” السيطرة، لكنه اعترف أيضا أن هذا التكرار قد يكون “شيطانيا” (Démoniaque) ويؤدي إلى تعذيب الذات دون الوصول لسيطرة فعلية، وهذا ما قاده لافتراض “غريزة الموت”. وتقريبا هذا ما يحدث في هذه القصة، السارد يعيد سرد اللحظة الصادمة، محاولا فهمها، لكن الفهم يظل ناقصا (“لم أتوصل إلى طبيعته”)، مما يخلق في نفسيته إحساسا بالعذاب.

جوديث هيرمان في كتابها “الصدمة والانتعاش” (Traumatisme et rétablissement, 1992) حيث ترى بأن الصدمة تحطم الأسس النفسية التي يعتمد عليها الإنسان للعيش في العالم، وتحطم فيه ثلاثة أشياء أساسية: الإحساس بالأمان، الإحساس بالقيمة الذاتية واحترام الذات والإحساس بالسيطرة والقوة. فالصدمة تسلب الإنسان قدرته على الفعل والمقاومة، وهذا العجز هو ما يحطم الكيان النفسي، ويجعل الضحية تشعر أنها “منفصلة” عن الجنس البشري. وتضيف هيرمان أن الصدمة لا تحطم الأمان فحسب، بل تسبب نوعا من ‘التلوث النفسي’؛ فالمطر الذي كان يبلل الطفل ببهجة، تحول بعد كلمات الحارسة إلى شعور بالخزي، وكأن كلمات السخرية ”مسح خنونتك” قد لوثت طهارة ذلك اليوم الممطر.

كل هذه العناصر التي ذكرنا موجودة في القصة. الطفل دخل المدرسة (مكان ينبغي أن يكون آمنا)، لكنه وُوجه بالعنف. الإهانة (“كنحيرو غير معاكم”) تحطم قيمته الذاتية. والعجز عن الرد يحطم إحساسه بالسيطرة.

ب) قصة “قد أكون جبانا”: المدرسة كفضاء للعنف الممنهج

إذا كانت قصة “ليت المطر بلل قلبها” تركز على لحظة عنف واحدة، حاسمة، فإن قصة “قد أكون جبانا” تصور عنفا يوميا، متكررا، ممنهجا، يمارسه مدرس على تلميذ في البادية المغربية.

القصة تبدأ بعبارة مفتاحية:

لم أنم يوما ككل الأطفال وأنا أفكر مثلهم في أحلام وردية أو أخطط لأهداف مثالية، ولم أتذكر يوما استيقاظي مرتاح البال… كان الذعر والارتجاف والجسد الفاشل والقلب الممزق قيودا تكبلني كل صباح…”

هذه العبارة تضع الطفل في تناقض مع “كل الأطفال”. الآخرون يحلمون، يخططون، يستيقظون مرتاحين. أما هو فيعيش في حالة ذعر دائم. والسبب هو المدرسة.

روتين قاتل كل يوم باستثناء يوم الأحد، الذي أقضيه في التفكير ليوم الاثنين، لا أعلم لماذا؟ وهللا لم أفعل حينها ما أستحق عليه كل هذا العقاب.”

الطفل يعيش في دورة من الخوف: يخاف المدرسة طوال الأسبوع، ثم يخاف يوم الاثنين طوال يوم الأحد. حياته كلها خوف. والأهم: “لم أفعل ما أستحق عليه كل هذا العقاب”. الطفل يعرف أنه بريء، لكن البراءة لا تحميه.

حينما يصف الطفل استعداده للذهاب إلى المدرسة:

قبل الوقت المحدد للتوجه إلى المدرسة بعشرات الدقائق، تجدني على قدم وساق أمام بيتنا منتظرا أخي الذي سيوصلني إليها على متن حمار، من رأى استعدادي المبكر وشغفي لزيارة ذلك المقام يظن أنني متلهف ومتشوق لرؤيتهم، وأنا لم يكن يحركني غير الخوف من التأخر.”

فهو يقدم هذه المفارقة المريرة: الطفل يبدو متلهفا، لكن التلهف بدل أن يكون حبا في المدرسة، كان خوفا من العقاب على التأخر. فالخوف يتحكم في كل تصرفاته.

وحين يصف الطريق إلى المدرسة:

في طريقنا إليها كان الصمت سيد الموقف… الصمت الذي يكشر أنيابه في وجهي، يبعثر أفكاري، ويوقد فتيل الخوف بداخلي، ويدفعني للتفكير بالضرب الذي سيزور مختلف أركان جسدي ويتفنن في تعذيبي لا لسبب إلا لأنني لم أراجع دروسي وأنجز تماريني.”

يبدو لنا جليا أن الصمت هنا خوف، بل هو تعنيف صامت. الصمت “يكشر أنيابه”، “يبعثر الأفكار”، “يوقد الخوف”، إنه “صمت الامتلاء”؛ أي أن الطفل يملأ الفراغ بتخيلات مرعبة. هذا ما يسمى بـ “القلق التنبئي” (Anxiété anticipée)، وهو أحيانا يكون أشد إيلاما من الضرب نفسه. الطفل يستخدم خياله لتوقع الألم القادم، وهذا في حد ذاته ضرب من التعذيب النفسي الذاتي.

ثم يأتي المشهد الأقسى:

كان جسدي النحيف يحترق وأنا أنتظر أمام باب الفصل الدراسي جرس الحصة للولوج بكامل قواي الجسدية لأعنف لسبب أو بدونه، بعد ذلك صار الانتظار متعة… متعة اكتشاف طريقة التعنيف المبتكرة ومكانها.”

هذا تطور نفسي مرعب. في البداية، كان الانتظار عذابا. لكن مع تكرار العنف، تطورت آلية دفاع نفسية: تحويل الألم إلى “متعة”. الطفل يسخر من نفسه، يتبنى موقفا مازوشيا ساخرا: “متعة اكتشاف طريقة التعنيف المبتكرة”. هذا ما يسميه علم النفس بـ “التماهي مع المعتدي، حيث الضحية تتبنى منظور الجلاد كوسيلة للبقاء النفسي. ما وصفه الكاتب بـ “المتعة” هو في الحقيقة “آلية دفاعية للتكيف”. عندما يعجز الطفل عن الهرب من الألم، يحاول عقله “امتلاكه” عبر السخرية منه أو انتظاره بلهفة مشوهة لكيلا يباغته. هذا ما يسميه فرويد “تحويل المنفعل إلى فاعل”.

يصف المدرس:

كانت ملامحه أوربية، أبيض البشرة، طويل القامة، لحية كثيفة غير طويلة، هاد في حديثه، صارم في ملامحه لا يتبسم إلا نادرا، إلى اليوم أكره تلك الهيئة، التي لم تغادر مخيلتي.”

هذا الوصف الدقيق يحفر المدرس في الذاكرة. الضحية لا تنسى الجلاد أبدا. كل تفصيل محفوظ: البشرة، القامة، اللحية، الصرامة. والأهم: “إلى اليوم أكره تلك الهيئة”. الجرح لم يندمل، الكره باق.

القصة تنتهي بمشهد رمزي قوي:

لسنوات تمنيت لقاءه، وأبصق على وجهه، لعل النار التي تنهش داخلي تهدأ قليلا… تحقق نصف حلمي قبل قليل، رمقته آتيا باتجاهي، تسمرت في مكاني، سيطر الخوف على أرجائي، وشعرت بفشل أركاني، فلم أستطع البصق، قد أكون جبانا، وقد أكون حسن التربية.”

اللقاء الموعود حدث، لكن الانتقام لم يتحقق (الفرساوي لم يشف غليلنا في ذلك المعلم الفض الغليظ القلب). الخوف القديم عاد، شل الذات البالغة. السارد يبرر: “قد أكون جبانا، وقد أكون حسن التربية”. هذا التردد (قد… وقد…) يعكس صراعا داخليا: هل العجز عن الانتقام جبن؟ أم هو أخلاق؟ السؤال يبقى معلقا. فالعجز عن البصق في وجه المدرس بعد 40 عاما، برأينا، ليس جبنا، إنه دليل على أن “سلطة الجلاد” قد استُدمجت داخل نفسية الضحية. المدرس لم يعد شخصا في الشارع، لقد تحول صوتا داخليا يمنع الضحية من التمرد حتى وهي في الخمسين.

ثم تأتي الخاتمة المدمرة:

إلى اليوم وأنا في الخمسين من عمري لم أتناول وجبة الفطور. وإلى اليوم أكره المدرسة وأنا مدرس… وأظن اخترت التدريس لأرمم بعض ما أفسدته المدرسة بداخلي. وإلى اليوم لم أستطع ترميم شيء… فالجدران لا تزيد إلا انهيارا… والسقف لا يزيد إلا هشاشة.”

إنها خاتمة تكشف عن استمرارية الجرح عبر عقود. الطفل المعذب أصبح رجلا في الخمسين، لكن:

– الجسد يتذكر: لم أتناول وجبة الفطور”، الجسد يحمل ذاكرة الصدمة، يرفض الطعام الذي كان مرتبطا بصباحات الرعب.

– المكان يبقى ملوثا: “أكره المدرسة وأنا مدرس”، أصبح جزءا من المنظومة التي عذبته، محاولا إصلاحها من الداخل دون جدوى.

– الترميم مستحيل: لم أستطع ترميم شيء”، الجهد فشل، الجرح أعمق من أن يرمم.

ويجدر بنا أن نسوق مقارنة مع تجارب أدبية أخرى:

هذه القصة تذكرنا بـ:

– ديفيد كوبرفيلد” (David Copperfield, 1850) لتشارلز ديكنز: حيث المدرسة (مدرسة سالم هاوس) فضاء للعنف، والمدير السيد كريكل يعذب التلاميذ. لم يكن ديكنز مجرد كاتب قصص، بل كان ناقدا اجتماعيا حادا. لقد استخدم تصويره المروع لمدرسة ‘سالم هاوس’ لتسليط الضوء على الوحشية والإهمال السائد في بعض المدارس الداخلية الإنجليزية في القرن التاسع عشر، والمطالبة بالإصلاح. لكن ديكنز كان يكتب في القرن التاسع عشر، ونحن في القرن الحادي والعشرين، والمدرسة المغربية ما زالت، في بعض مناطقها، فضاء للعنف.

– الخبز الحافي” (1972) لمحمد شكري: هي سيرة ذاتية قاسية تصور طفولة الكاتب في المغرب بين الفقر المدقع والعنف الوحشي، خاصة العنف الأسري من الأب. الرواية ترسم صورة صادمة لواقع الهامش، حيث يُجبر الطفل على التشرد والعيش في الشارع، والكتابة تتحول إلى صرخة وجودية توثق هذه القسوة. لكن شكري كان يكتب عن طفولة في الأربعينيات والخمسينيات. أما الفرساوي فيكتب عن الألفية الجديدة، مما يعني أن المشكلة لم تحل.

تتقاطع قصة الفرساوي مع ‘أدب السجون’ ولكن في فضاء تربوي؛ فالمدرسة هنا بدل أن تكون ‘محرابا للعلم’ يصورها الكاتب ‘معتقلا نفسيا’. وإذا كان محمد شكري قد ثار على سلطة ‘الأب البيولوجي’، فإن الفرساوي في هذه القصة يقدم ثورة مجهضة على ‘الأب الرمزي’ (المعلم)، مما يجعل الجرح أكثر استعصاء على الشفاء لأنه جرح مغلف بقدسية المهنة.

كخلاصة، يمكننا القول بأن الطفولة في نصوص الفرساوي ليست زمن البراءة المدللة، بقدر ما هي زمن الجرح التأسيسي. المدرسة، التي ينبغي أن تكون فضاء للتنوير، تتحول إلى فضاء للتعنيف. الأسرة، التي ينبغي أن تكون ملاذا، تتحول إلى مصدر للإهمال أو الإنكار. الطفل يدخل العالم بريئا، لكنه يجرح، يحطم، يفقد ثقته بالعالم وبنفسه.

هذه الطفولة المسروقة هي الموضوع المركزي الأول في المجموعة، وهي ما يمنح العنوان الرئيس (“شموع لا تبتسم”) معناه الأعمق: كيف يمكن للشمعة (الطفل) أن تبتسم وهي تحترق منذ البداية؟

2- العلاقات الأسرية المأزومة: من الأمان إلى الخيانة الأولى

إذا كانت الطفولة في نصوص الفرساوي زمن الجرح التأسيسي، فإن الأسرة هي غالبا مصدر هذا الجرح أو شريكة فيه. الأسرة في المخيال الجماعي، وفي الأدب الكلاسيكي، هي الملاذ الآمن، الحضن الدافئ، المكان الأول للحب غير المشروط. لكن في عالم الفرساوي السردي، الأسرة تتحول إلى فضاء للصراع، الإهمال، الإنكار، أو حتى العنف.

الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه “شاعرية المكان” (La Poétique de l’espace, 1957) يتحدث عن البيت بكونه “الركن الأول من أركان الكون”، كما كان يقول ما مضمونه أن البيت هو المكان الذي نتعلم فيه كيف نكون، وحيث تتجذر أحلامنا وذكرياتنا. فالبيت هو المكان الذي يمنح الإنسان إحساسه الأول بالأمان، بالانتماء، بالهوية. لكن ماذا يحدث حين يتحول البيت إلى مكان للتهديد؟ حين تصبح الأسرة مصدرا للجرح؟ هذا ما تستكشفه نصوص الفرساوي بعمق وجرأة. فدعونا نحلل ثلاث قصص نموذجية:

أ) قصة “ضريبة قرار”: الإنجاب كخطأ والطفل كعبء

هذه القصة من أقسى قصص المجموعة، وأكثرها صدمة. تروي حكاية فتاة مراهقة تعاني من اضطرابات نفسية، تعالج عند طبيب نفسي، تعيش في أسرة ميسورة، لكنها تكتشف أن وجودها نفسه يعتبر “خطأ غير مقصود”.

القصة تبدأ بوصف الحالة النفسية للفتاة:

ولجت زنزانتي أوصدت الباب والنوافذ، وتهت في غياهب وحدتي وآلامي، كان الخوف من كل شيء هو مؤنسي الذي لا يفارقني.”

لنلاحظ الاستعارة: الغرفة ليست “غرفتي” بل “زنزانتي”. البيت الذي ينبغي أن يكون ملاذا يتحول إلى سجن. الفتاة تغلق على نفسها، تعزل ذاتها، والسبب: “الخوف من كل شيء”. هذا الخوف العام، غير المحدد، هو عرض من أعراض القلق المرضي. تصف حالتها:

أحاول النهوض من فراشي لم أستطع أطرافي تؤلمني، أشعر بالعالم الآخر يناديني، فقدت منذ زمن سحيق شهية الأكل ورغبة تصفح الإنترنيت ومرافقة الأصدقاء وحمل الكتاب والحديث مع أسرتي التي لا يمكنني العيش دونها، أو قد يكون يتخيل إلي ذلك، لا رغبة لي في أي شيء سوى البكاء.”

هذه أعراض اكتئاب حاد:

– فقدان الطاقة: لم أستطع… أطرافي تؤلمني

– فقدان الشهية: “فقدت شهية الأكل

– فقدان الاهتمام: “لا رغبة لي في أي شيء

– البكاء المستمر: “سوى البكاء

– أفكار انتحارية ضمنية: “العالم الآخر يناديني

الفتاة تذهب لجلسة علاج نفسي، لكن المعالج لا يهتم:

في حصة اليوم لم يخبرني المعالج النفسي عن جديد صحتي النفسية اكتفى بتحديد موعدا لي بعد ستة أشهر مع استمرار نفس الدواء، وأنا منهمكة في إخباره بما مررت به لم يكن يعير كلامي اهتماما، وفهمت أنني بالنسبة له ثلاثمئة درهم – ثمن الحصة – ليس إلا.”

هذا مشهد قاس يكشف عن أزمة الطب النفسي، حيث المريض يتحول إلى رقم، إلى مصدر دخل. المعالج لا يصغي، لا يهتم، ويكتفي بوصف الدواء وتحديد موعد آخر. هذا نقد ضمني لمنظومة الصحة النفسية في المغرب.

الفتاة تقرر التمرد:

بعد مغادرتي العيادة وفي لحظة تأمل وإدراك قررت عدم تناول الدواء… الدواء الذي أتناوله وأنام بسببه ساعات طوال ويترك بجسدي عياء وندوبا، في داخلي عن نسختي القديمة التي بدأت ملامحها تنمحي، وألملم شتاتي وأرمم ما يمكن ترميمه.”

هذا قرار بطولي: استعادة الذات، رفض التخدير الكيميائي، البحث عن “النسخة القديمة”. العبارة ” والله اشتقت لك يا أنا” التي رددتها في الأخير مؤثرة جدا، تعكس انقساما داخليا، حيث الذات الحاضرة (المريضة، المخدرة) تشتاق إلى الذات الماضية (الحية، الواعية).

تحاول الفتاة الخروج من عزلتها، تنزل لتناول الطعام مع الأسرة، وهنا يأتي المشهد الصادم:

“عندما انعرجت يمينا للمطبخ سمعت” تعقيب أبيها عما قالت أمها: “ولادتها كانت خطأ غير مقصود، أخبرتك بذلك مرارا، لم نستفد منها غير وجع الدماغ وأثمنة الأدوية الباهظة.”

هذا الحوار اللاإنساني يحطم أي أمل بالشفاء. الأم (وهي أيضا طبيبة نفسية أو عاملة في إحدى عيادات الطب النفسي) تقول إن “موتها أرحم”. الأب يقول إن “ولادتها كانت خطأ”. الفتاة ليست ابنة محبوبة، بل هي “خطأ”، “عبء”، “وجع دماغ”، “تكلفة مالية”. وفي هذا أيضا نقد للآباء الذين لا يرون أبناءهم، حتى في ظروف مرضهم وضعفهم، إلا حالات تستنزف ميزانيتهم.

رد فعل الفتاة مدهش:

” أحيانا يجب التعامل مع الحياة بذكاء، فليتحملا خطأ إنجابي، فليس المهم ما يكنه الآخر لنا ولكن الأهم معرفة شعور الآخرين اتجاهنا… نعم سأظل هنا وأعالج نفسي بنفسي فأنا أعرف دائي وترياقي.”

هذا رد فعل يجمع بين:

– التخدر العاطفي: لم يكسرني ولم يحرك بي أي شعور” العبارة التي رددت عند سماعها لحوار والديها، إنه آلية دفاع نفسية، الذات تحمي نفسها بعدم الشعور.

– التوقع السلبي: استعد للأسوأ دائما”، المبدأ التي تعمل به، هو استراتيجية بقاء، توقع الخيانة حتى من الأقربين.

– السخرية المريرة: “فليتحملا خطأ إنجابي”، هنا يتجلى قلب المسؤولية وفيه نوع من التشفي، أنتما أخطأتما بإنجابي، فتحملا النتيجة.

– الاستقلالية القسرية: “سأعالج نفسي بنفسي”، فهذا رفض للاعتماد على أسرة خانت الثقة.

ولا بأس أن نقدم تحليلا نفسيا:

عالم النفس الأمريكي كارل روجرز في نظريته عن “الاعتبار الإيجابي غير المشروط” (UPR)، وتحديدا في منهجه الذي يعرف بـ “العلاج المتمركز حول العميل” أو المنهج الإنساني، يقول ما مضمونه بأن الطفل يحتاج إلى أن يشعر بأنه محبوب ومقبول بشكل غير مشروط، يعني دون شروط، دون قيود. حين يفقد الطفل هذا الاعتبار، يبدأ في تطوير “ذات مشروطة”، حيث يشعر بأنه يستحق الحب فقط إذا استوفى شروطا معينة.

في هذه القصة، الفتاة لا تحصل حتى على اعتبار مشروط، بل تُعتبر “خطأ” من الأساس. هذا يخلق جرحا نرجسيا عميقا، حيث الذات تشعر بأنها غير مرغوبة، غير مستحقة للحياة.

ب) قصة “حب موقوف التنفيذ”: التمييز الجندري داخل الأسرة

إذا كانت قصة “ضريبة قرار” تتحدث عن رفض الطفل بشكل عام، فإن قصة “حب موقوف التنفيذ” تركز على التمييز الجندري داخل الأسرة المغربية، حيث الذكر يُفضل على الأنثى، والأنثى تُقيد، تُهمش وتُحرم. القصة تُروى من منظور فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، تستعد لصباح العيد:

استيقظت مبتسمة أدندن كعصفورة فرحة بنور اليوم الجديد، تارة أستدل بستارة الباب، لارتداء بدلتي الجديدة، أخرجتها من دولاب ملابسي بحذر، أمعن النظر فيها، يداي ترجفان، قلبي يخفق بسرعة من شعور تائه لم أتوصل لعنوانه بعد، وقد يكون لكونها اختياري الشخصي الوحيد وعمري خمس عشرة سنة.”

هذه البداية البريئة، الفرحة، تخفي مأساة: الفتاة في الخامسة عشرة، ولم تختر شيئا في حياتها إلا هذه البدلة. كل شيء آخر مفروض عليها، محدد سلفا. تنزل لتناول الفطور مع الأسرة، لكن لا أحد لاحظ أو قال رأيه في بدلتها الجديدة:

طرقت باب المطبخ ارتميت بين أحضانهم، قبلت رؤوسهم، هنأتهم بعيدهم، لم يكلفوا أنفسهم عناء الإعجاب ببدلتي ولو مجاملة، تفهمت موقفهم فقد كانوا ينادون لإيقاظ أخي حسام الذي أكبره بسنتين.”

الفتاة تُهمش، لا أحد يراها، لا أحد يهنئها. الأخ الذكر هو المركز، هو المهم. يأتي الأخ، ويقدم له الأب ” قطعة نقدية من فئة عشرة دراهم قائلا: تفضل… تستحق أكثر لولا الظروف .

الفتاة تعلق:

في تلك اللحظة غرس خنجر في جسدي، لم أستطع التنفس معه، توقف نبض قلبي وأحسست بتمزيق أشلائه، وتجرعت ألم الخيانة وما أصعب خيانة الأهل.”

الخيانة لم تتجلّ في عدم إعطائها المال، إنما في التمييز الصارخ. الابن يُعطى ويُمدح (“تستحق أكثر”)، والبنت تُهمل وتُنسى.

تتذكر الفتاة:

وتذكرت شريط استعداداتي رفقة أمي لهذا اليوم في الوقت الذي كان فيه حسام يلعب ويتجول طوال النهار، وفي المساء يدخل البيت منتصب القامة لا لوم ولا عتاب ولا استفسار وأحيانا يستقبل بالأحضان.”

هذا التمييز ممنهج: الفتاة تعمل، تساعد الأم، تستعد للعيد. الأخ يلعب، يتجول، يدخل متأخرا، لكنه يُستقبل بالأحضان. الفتاة تُستغل كعاملة منزلية، ثم تُهمل.

تأتي الجدة، تخرج صرتها، الجميع يترقب. تعطي الأخ عشرة دراهم أخرى، ولا تعطي الفتاة مثله وبنفس الحفاوة. الفتاة تعلق:

لم أكلف نفسي عناء طلبها، كما كنت أفعل من قبل، عدت ثلاثة دراهم ووضعتها أمامي على المائدة.”

الجدة عدت ثلاثة دراهم ووضتعها أمامها تذكيرا بقيمتها في عيون أسرتها.

تأتي الخاتمة المريرة:

تمنيت أن أصير ذكرا، وكرهت أنوثتي سبب شقائي وتعاستي، في لحظة صمت سمعنا نداء شيماء ابنة عمي، ابتسمت لأنني سأتخلص من المنزل ولو قليلا، عندما هممت بالخروج صاحت أمي بحدة:

إياك والابتعاد عن عتبة البيت.  تيبست أطرافي، كنت منتظرة هذا الجواب…”

الفتاة تُمنع حتى من الخروج، بينما الأخ حر. الأنوثة تتحول إلى سجن، إلى عبء، إلى لعنة. ما يجعل الفتاة تكره أنوثتها، وتتمنى لو كانت ذكرا.

الخاتمة قاسية:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading