المواطن فرانكنشتاين – رامي الحلبي

من خيال شابة ذات تسعة عشر ربيعاً، إلى واقع متكرر يتمحور حول ذاته.
من حيث الوجود، هي قضية شاب أراد خلق حياة، هو شاب غير مفهوم الدوافع، ربما منافسة الإله أو إثبات لوجوده نفسه أو صنع أثرله فيما بعده أو تعويضا لفقد ما، فقبل أن تندفع ( ماري شيلي) بالكتابة سبقتها أبحاث طبية و علمية في ذلك الإطار، منها ما إقترح فعليا تجميع إنسان مكتمل من جثث الموتي ولكن لجعله غير اعتيادياً، ربما فائق الذكاء أو مفتور الشعور أو مفتول بالقوة، لنجد تصور ( ماري شيلي) لشخصية الرواية (فرانكنشتاين) فعلا لا يحدد دوافع الصانع سوى أنه تفوق علمي على حساب كل ما هو قيمة أخلاقية، ومن المنطق هذا يمكن تصور الشر في هكذا عملية فهي لن تنتج إلا وحش!، بينما جمعت الشخصية ذكاء الشر و ولع الإنتقام جراء الألم غير المبرر لشخصية الرواية و الحدة الغالبة على الشعور و المغلولة بفراغ من العاطفة نتيجة عدمية فهم سبب التعاطي أصلا مع الوجود وفقد الإنتماء لأي شيء ومهابة الحجم والقوة الذاتية التي نتجت عن تكدس الأعضاء فوق بعضها وتراصها حزاة بعضها مع حياكة ظاهرة ركيكة لا تظهر إلا بشاعة تلك القوة والسطوة، لم يكن هذا كله إلا وحش، بل شر يكتشف الحياة والوجود من منطلق قاتم مبهم لكن مع ذلك كله يكتشف ونكتشف نحن معه إلى جانب وجوده الغير مبرر أثر للضمير المنبعث من فطرة البصمة الإنسانية التي كونت جسده وعقله وروحه، الأمر الذي يُلزمه الإستمرار في التنفس والتعاطي مع الوجود و صدماته المكتشفة قِبلِه وقِبلنا تباعا.
فرانكنشتاين هو المواطن الشرير والخيري في نفس الوقت ولكن في خضم صراع مقيت في دائرة فارغة يبحث شره فيها عن وجود وتقاوم خيريته فيها التلاشي وكلما عاد لنقطة إنطلاقه الأولى دفعه ضميره الإنطلاق في رحلة إكتشاف أخرى، رحلة إكتشاف المواطن الإنسان الذي حوله التسلط وبدلته الأحكام المسبقة و الصنعة المُحكمة من مجاز طفل مولود يكتشف الحياة ببراءة، إلى كتلة من الأعضاء الشهوانية بحياكة نفسية ركيكة لا يستطيع إكتشاف ذاته حتى.
– إختراع المواطن السائل! (عنوان عام)
أولا: صنع الثقافة العامة
خلال النظرية السوسيولجية(النظرية الإجتماعية) تبرز أهمية الرموز ،فتلك هي التي تشكل معان (القوميات والإثنيات بمختلف تسمياتها)حيث الرمز وسيط يربط ما بين الذات والآخرين خلال اللغة والدين وغيرها من الرموز المشتركة.
والذات هي الصياغة التي تتشكل في وعي الآخر تجاه الذات، اي انه وعي متبادل التفاعل، اعتبار أن الآخر هو الذات في موضع وأن الذات هي الآخر من البعد الآخر، و لأنها في نفس الوقت متغيرة، حسب تَغْير تلك الصياغة فهي تحدد ما ينتج عن ذلك من جوهر للفعل الإجتماعي، وهذا الناتج الحاصل يعد مدخلا لنظرية المعرفة الحديثة بأنواعها من تقييم افتراضي للحقائق وظاهر المهارات الإجتماعية (السلوك)، والتعلم بالتجربة، كل ذلك هو صورة الإجتماع البشري بالمعنى المعرفي الشامل الذي بدأ من عند جون لوك بمنهجه الإستقصاء والتحليل ومرورا ب ايميل دور كايم ومنهجة القائم على التجربة والتفاعل، والذي يسمى في النهاية مظهر حضري من حيث الزمن، أو ثقافة عامة(كسلوك)، ولمجتمع ما واجتماع بشرى ما.
عدد ميشل اونفري عدد من الخطوات تتبعها انظمة الحكم الشمولية(الحكم النخبوي، القلة التي تحكم الأكثرية)، اهم عناوينها(التهميش، التجهيل، الإتكال(الإعتمادية)، التمييع، التعنيف، الدونية)، ذلك لصنع انسان اعتمادي مشوه، فيشيع بين العامة مفهوم ماكيافيلي ، نسبة إلى (نيكولاس ماكيافيلي)…” انه من الذكاء ادراك المرأ حجمه”، لينتشر إحساس العجز في ان يمتلك المرأ قراره، والحقيقة ان الرؤية الماكيافيلية سلاح ذو حدين فهي من حيث المبدأ رؤية سليمة تكمن في عمقها الحكمة ومن حيث الموضوعية حيث الكلمات على عواهنها، فبنسبة كبيرة تلك الموضوعية تكون زائفة يختلقها من يوكل له القرار ويريد بقراره فرض هيمنة سلطوية، يقول العقاد في هذا “إن المبدأ لذاته ليس بالمهم، الأهم هو التطبيق، فالإصلاح ليس منوط بالقاعدة بل بضمان التطبيق والرقابة”، اذا هي رؤية الآخر المتحكم في الذات التي لك ، تتحول من فكرة يضمرها لك ويسربها في لا وعيك حتى تتشربها فيتعاظم احساس التعاطف ومع مفهوم الأبوية، الآخر المتعاظم الذي لا يخطىء والذات الصاغرة الخاطئة القاصرة، ولأن الأفكار هي السابقة تنتج عنها الأحكام يكون الخوف والتوتر في تلك الأجواء سابقة الفعل ومؤثر كبير فيه.
ثانيا: دور اللاوعي في تكوين الإنسان والمجتمع
يقول مالك بن نبي”لا يقاس وعي المجتمع بما يملك من أشياء( مظاهر الغنى والترف والتطور)، بل بمقدار ما فيه من افكار “، وحاجة الإجتماع هي فكرة بالأساس ينتحلها اللاوعي الإنساني للقضاء على الخوف من ضياعه بمفرده، في كتابه الجماعة واللاوعي ـ يقول ديدييه أنزيو
“في كل جماعة حلم جماعي لا يُرى، يحرّك مشاعرها ويقود قراراتها دون وعي منها.”
تعبر جوديت بتلر عن هذا الأمر بأنه (حاجة نفسية للإجتماع).
كذا ومن خلال تحليله النفسي يرى أنزيو ان المجتمع ليس مجرد مجموعة الأفراد المشاركين فيه بل كيان نفسي يعبر عن ديناميكية خاصة به، وهذا الكيان النفسي قبل أن تكون له ديناميكية إحداث يكون إحداثه متخيل أو فعله يمثل مجازا في المخيلة الجمعية، وان المجتمع يُصنع بطريقة استباقية سيناريوهات معبرة عن وجوده ليخفف من توتره(كالأحلام)، كذا يرى انزيو ان تلك المرحلة ضرورية للحفاظ على الإجتماع من التفكك وقبل ان يواجه ما اسماه(الوهم الجمعي)،
فدونه يكون الإعتقاد المسود بأنهم منسجمون، متساوون، وآمنون داخل الجماعة (اعتقاد هش)، اذ عليهم مواجهة الواقع بالإنكار أو التأمين فبعد محاولة اخضاع الحلم المشترك للسيطرة الجمعية على افراد المجتمع مواجهة مخاوفهم في الواقع.
وهذا الإعتقاد الهش بالإنسجام والتساوي والأمن والأمان يكون اكبر بت فيه ومدعم له هو سلطة تريد السيطرة وعبر تحديد اساليب السيطرة، عبر أليات تصويرية منها(بت الفتن والخرافة والجهل)، ومؤثرات خطابية حادة وموجهة فقط لتحديد حسب جوديت بتلر( من يمكن أن يرثى له)، هذا المنظور هو الشغل الشاغل للسلطوية حيث تعتبر السلطة ذاتها في حرب كونية وجودية لتثبيت سيطرتها، حرب منافع وغنائم ليس فيها الإنسان محور الحدث، ومن هنا يخضع المجتمع لإفرازات التسلط بصنع اوهام ومخاوف تلهيهم عن مواجهتهم الصادقة فتغيب ادواتهم الفاعلة من نقد وحرص وتصور حثيث سابق لا يشعرون بالإحادة عنه، فيتحول الخوف من التفكك والإنهيار المسبق، إلى خوف من الإجتماع نفسه، لأن المجتمع وقد انتشرت بين افراده الضغائن وهذا عمليا يحدث بعد إيهام كل فرد على حدى بقدره واهميته وقوته دون الجماعة، فيكون الخوف من التفكك هو الخوف ذاته ولكن فيما بعد التفكك، فهذا الخوف حسب انزيو قد يخلق تضامناً دفاعياً ومنقذا أو يتحول إلى نزعة إقصائية تجاه المختلف..
ثالثا: اختلاق المهتمة
في ضل هذه الأجواء الإقصائية تبرز انتهاجات أو توجهات تحمل عناوين كبيرة واصطلاحات لا يفهم متقولها وقعها ولا اسباب وجودها ولا اهداف تقولها، أجواء مشابهة لما تعثر به
ديوجن أو (فكرة الفيلسوف الذي إخترعه)، كروح وفكرة غير ملوثة بتأثير الفساد في مجتمعه، رأى ديوجن الترف والرفاهية كمظهر حضاري زائف، والسعادة كموضوعية كاذبة في عيون افراد المجتمع، لم يجد في ذلك شرف اومصداقية أو حتى تواؤم مع الطبيعة البشرية من اعباء وتكلفات مظهرية ليست بهدف او بقيمة تذكر، حمل مصباحه وجال بنبرة حادة يبحث عن الشرف مناديا على القيمة المحددة لديه برجل شريف من بين رجال غير كذلك.
فحتى أصحاب العقول يصيبهم التيه وسط ما يعرفونه ويتأكدون منه ويؤمنون به، ذلك لما تحتم عليهم المواجهة اختبار ايمانهم واعتقادهم وصولا إلى حتى الشك به، فنحن كأمة ووحدة ومجتمع كبير مشترك في عناصر الإجتماع والوؤام من لغة ودين غالب ومصير ومستقبل واحد، ظل الإعتقاد ان التخلف الحضارى سببه التمسك بالتراث بإعتباره نزعة رجعية، الآن الأزمة تكمن في عدم الإستطاعة والعودة إلى اللحظة الذي تشكل فيها هذا الإعتقاد لربما ظهر اعتبار مغاير، وهي حلقة مفرغة من التفكير للبحث عن مجهول رغم ان الفكرة واضحة في ذاتها أن الصحيح ليس في العودة للمجهول بل في العودة للمهجور.
بمعنى مختصر، إن الإجتماع البشري تعبر عنه ثقافة جامعة، فبعدما كانت الثقافة تُعتبر في حدود الأدب والفنون باتت معبرة عن المجتمع ككل بجميع أوساطه وعن اي سلوك مشترك وغالب يظهر، ولما نقول هذا نعي جيدا أن للإستبداد عمليات متقنة في التأثير على ثقافة المجتمع وتوجهاته الثقافية، خلال زرع اسباب وتصورات تؤدى إلى نتائج تتعارض ومع قيمة الإجتماع والعمران البشري من حيث التواصل المعرفي، فضمن أسباب التأثير تلك وأولها وأفدحها أثر، هي عملية تعقيد المسار المعرفي، فنجد أن التعليم في بلد شمولي السلطة، أي بلد تحكمه النُخب، عملية إرهاق و استنزاف لجهد الإنسان العقلي بينما مرحلة التعليم مابعد الأساسي اكثر استيلاب نفعي، فالنظام الأكاديمي في العالم ككل مشوب بالمنفعة والسلطوية خدمة للإسثمار والتوجهات السياسية، نجده فوق كل ذلك وفي بلاد الإستبداد روتيني الإحداث لخدمة سلطوية الشخص عن سلطوية الكيان المؤسسي، فالإستبداد أعطى لكل فرد مسؤول على حدى قدرة التأثير المباشر في المسار التعليمي والمعرفي، كذا لما نتكلم عن القطاعات الصحية، إذ تتحول القيمة الخدمية من سموها الأخلاقي إلى دنوها النفعي ذلك بتمكين الفرد أيضا من ادوار يحقق منفعة شخصية خلالها بينما لا تؤتي الثمار إلا لو كانت تؤديها مؤسسات راسخة لتعبر عن الفضل الأخلاقي، وإذا ما خرجنا من هذا الإفهام بمعنى مؤكد فسوف نخرج على صورة كارثية لإنسان مشوه العقل ومضطرب الصحة وفوق كلى هذا فاقد الفهم لمعنى التفضيل الأخلاقي.
انسان بهذه الصورة الكارثية على إستعداد أن يقبل كل ما هو إذلال وقمع لصفته الإنسانية، والتساوى في هذا الموضع وضع مؤلم لكل نفس مهما كانت غير سوية ناتجة عن هذا النظام، فكل ناقص في مجتمع النواقص سيبحث بالتأكيد عن ما يميزه بين أقرناءه أو بالآحرى ما سوف يجعله أكثر نقصا ودونية ولا شيء يمكن إحداثة وسط كل هذا الخراب سوى ممارسة السلطوية تماهيا مع شيوعها، فكل فرد الآن يمارس سلطوية خاصة به أي ما كان مكانه، اذ يجد نفسه فوق مسؤوليته، وهذا ان تم وصفة فالصفة الاساسية له هو الخراب بعينه، فخراب العمران يؤدي إلى الخراب في كل شيء، وظلم السلطة مؤذنه بخراب العمران، كما قرر عالم الإجتماع ومؤسسه الحديث ابن خلدون.
لا نستطيع تحديد دوافع السلطوية لإخراج هذا النمط السلوكي الباهت أو خلق الإنسان السائل المقبل على كل ما تقدمه له من ضرر، ذلك سوى صنع الفراغ المكدس بالكتل البشرية دون العقل والحكمة المنتسبة له، فدوافع الصانع هنا هي ازاحة الإنسان أو إلغائه وما هي إلى إستطاعة النُخبة للإنفراد بالأوطان و في مواجهة كل ما هو معبر عن الوطن في الشعور وبالتالي إسقاط ومحو المواطن الإنسان.





