مقالات فكرية

السلطة والمقدس: جدل السياسي والثقافي في الإسلام-تأسيس التقديس:علي مبروك Mp3

•••

وإذا الأمر، هكذا، إنما يتجاوز مجرد التجاوب بين النقلي والعقلي إلى التبعية، في العمق لأحدهما (أو العقلي) للآخر (أو النقلي)؛ فإن ذلك يحيل إلى أن مركزية النقل في هذه الثقافة، التي تكاد أن تكون قد تبلورت كليًّا ضمن سياق النقلي الخالص، لا بد أن تكون هي نقطة البدء في تأسيس التقديس، الذي يبدو أن النقل، كآلية معرفية (أولًا)، وكمضمون معرفي (ثانيًا)، قد لعب دورًا بالغ الجوهرية في ترسيخه وتثبيته. ولعل هذه المركزية للنقل، تتأتى مما يمكن ملاحظته من أن علم الحديث يكاد أن يكون بمثابة الأب لجملة العلوم التي ابتدأت الثقافة سيرورة انبنائها وتشكُّلها من الاشتغال بها أساسًا، حيث كان الحديث هو المادة الواسعة التي تشمل جميع المعارف الدينية (وغيرها) تقريبًا. فهو يشمل التفسير، ويشمل التشريع، ويشمل التاريخ (وكلها بمثابة التشكلات والانتظامات الأولى في الثقافة)، وكانت كلها ممتزجة بعضها ببعض تمام الامتزاج؛ فراوي الحديث يروي حديثًا فيه تفسير لآية من القرآن، وحديثًا فيه حكم فقهي، وحديثًا فيه غزوة من غزوات النبي ﷺ، وحديثًا فيه شرح حالة اجتماعية زمنَ النبي أو الصحابة أو التابعين … وهكذا، فمنزلة الحديث بالنسبة للعلوم الدينية (ولم يكن ثمة من علوم غيرها آنذاك) كمنزلة الفلسفة للعلوم العقلية.٢٣

والقصد بالطبع أنه بمثل ما كانت الفلسفة هي أم العلوم في الثقافة اليونانية، فإن الحديث قد كان بمثابة الأب للعلوم في الثقافة الإسلامية، وبما يعنيه ذلك من أن مركزية العقل في إحدى الثقافتين، إنما تحيل إلى مركزية النقل في الأخرى. والحق أنه لا مجال للادعاء بأن هذا التمركز النقلي قد كان في ابتداء تشكلها فقط؛ لأنه يبقى الأكثر حسمًا في مسار تشكلها اللاحق كله، وأعني من حيث كان لا بد للطابع النقلي لآلية الاشتغال في لحظة الابتداء والتشكل أن ينسرب إلى الثقافة، ويترسخ في نظامها الأعمق.

وإذا كان ثمة من راح يرد هذا التمركز النقلي للثقافة إلى عالم البداوة — كاشفًا عن حضور القبيلة في الثقافة — حيث «الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال البداوة، وإنما أحكام الشريعة كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا فأخذوها من الكتاب والسنة بما تلقَّوه من صاحب الشرع وأصحابه». والقوم يومئذٍ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين، ولا دعتهم إليه حاجة إلى آخر عصر التابعين، وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله القراء، فهم قراء لكتاب الله سبحانه وتعالى، والسنة المأثورة التي هي في غالب مواردها تفسير له وشرح؛٢٤ فإنه يبدو أن الأمر يتجاوز إلى ما هو أعمق، وأعني إلى أن آلية النقل إنما تحمل ملامح عالم القبيلة على نحو ملفت، حيث يمثل النقل كآلية معرفية انعكاسا كليًّا لطريقة في العيش تتميز بها القبيلة، ولا تعرف فيها إلا مجرد الاستيلاء والسطو على ما في أيدي الآخرين، «ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة، حتى تُجلَب إليه من قُطر آخر.»٢٥

وإذ النقل للجاهز والمعطى هو آلية القبيلة في بناء حياتها، فإنه سيكون آليتها في بناء ثقافتها. ومن هنا إمكان الانتقال بدلالة عبارة ابن خلدون الآنفة من حقل الأشياء والصنائع إلى فضاء العلوم والمعارف، وبمعنى أن ممارسة القبيلة للاجتلاب والنقل عن الغير لا تقف عند حدود الصنائع، بل تتجاوز إلى الأفكار والمعارف، حيث النقل كنمط في التفكير إنما يتجاوب مع النقل أو الجلب كنمط للعيش.٢٦

والحق أن ما يلوح من وراء ذلك، من أن مركزية ما يخص عالم القبيلة وينتمي إليه في بناء التقديس، إنما يتجاوز السياسة إلى الثقافة، لمما يؤكد على أن تجربة التقديس بناءً من السياسة وتأسيسًا في الثقافة، لا يمكن أن تنفصل البتة عن أنماط في الحياة والتفكير ترتد إلى أشكال الوجود الإنساني الأسبق والأقدم. وبالطبع فإن إعادة إنتاج التقديس إنما تحيل إلى أن هذه الأنماط، وخصوصًا تلك التي تتعلق بالتفكير بالذات، قد ارتفعت إلى مستوى النظام العميق المتخفي في بناء الثقافة، والذي يُعاد إنتاجه رغم غياب شرطه أو قرينه، وأعني به نمط العيش الملازم له.

وإذ ظل النقل يعتمد آلية التداول الشفاهي، حتى تضخمت المعارف وتشعبت على نحو صار معه التحول إلى التدوين الكتابي لازمًا؛ فإن انشغال ثقافة ما، منذ البدء، بصيرورة هذا التحول من الشفاهي إلى الكتابي قد كان لا بد أن يجعل من سلطة القابضين على الرأسمال الشفاهي للجماعة (من الحُفاظ والرواة والنَّقَلة) هي السلطة العليا آنذاك. ومن هنا ما يُلاحَظ من أن لقب الحافظ قد اعتُبر — داخل الثقافة — من ألقاب السيادة والهيمنة، حتى لقد راح الكثيرون يتطلعون إلى احتيازه والفوز بشرف التلقُّب به (التماسًا بالطبع لأسباب السلطة والسطوة، ولو حتى الرمزية). ويبدو — لسوء الحظ — أن هذه السلطة لم تتزحزح أبدًا للآن. إذ الحق أنه إذا كان العقل قد راح يبحث لنفسه، فيما بعد لحظة التشكل والانبناء الأولى عن مكان يمارس منه سلطته داخل الثقافة الإسلامية؛ فإنه يبدو أن هذه الممارسة للعقل قد ظلت أبدًا مقيدة بسلطة تحدها وتعوقها من الخارج، بل إن سلطة النقل — وللغرابة — قد راحت تتعزز وتتدعم مع انفتاح الثقافة على العقل وعلومه، وذلك من حيث ظل النقل هو آلية اشتغالها ضمن هذا السياق أيضًا،٢٧ بل إن آليتها في ترسيخ هيمنة النقل من خلال تكريس سلطة الأصل الذي لا يمكن الانحراف عنه، بل لا بد من تكراره أبدًا، فقد راحت تعيد إنتاج نفسها حال اشتغالها بالعقل وعلومه.٢٨

ولعل ذلك مثلًا ما يتكشف عنه سعي ابن رشد إلى تكريس سلطة «أرسطو» كأصل لا سبيل إلا إلى احتذائه، واستعادته أصليًّا ونقيًّا مما تصوره ضروبًا من الانحراف والفهم المجاوز. وبالطبع فإن هذا التثبيت لأرسطو كأصل نهائي مطلق، إنما يحيل إلى نوع من التقديس الرشدي له.

والمهم أنه بدأ وكأن آلية النقل قد راحت تعيد إنتاج نفسها عند العقلاني الأكبر، في شكل تفكير بالمأثور العقلي هذه المرة، بعد أن كان قبلًا مجرد مأثور سلفي فقط.

وإذ كان لا بد أن تئول هذه المركزية للنقل إلى مركزية آلية التفكير بالمأثور أو المنقول سلفيًّا أو عقليًّا (وهي الآلية التي تمثل السلف المباشر لآلية «التفكير بالنموذج»، التي تسود فضاء الخطاب العربي المعاصر)، فإن قوة التفكير بالمنقول قد بلغت حد أن الثقافة حين كانت لا تجد منقولًا سلفيًّا أو عقليًّا تفكر به، فإنها كانت تضعه وتنتجه.

ومن هنا شيوع الانتحال والوضع، ليس فقط للمأثور السلفي (على لسان النبي والصحابة والتابعين، وهم رموز الدين)،٢٩ بل وحتى للمأثور العقلي (على لسان رموز العقل من كبار الفلاسفة).٣٠

ويعني الوضع هنا أن شيئًا في الواقع يمتلك قوة حضور، تبلغ حدًّا من المركزية كان لا بد معه أن يكون ثمة مأثور أو منقول يمنح هذا الحضور قوته الرمزية. ولكن عدم وجود مثل هذا المأثور بالفعل يدفع الثقافة إلى وضعه. وكما سبق القول، فإن القوة الرمزية لمن يُرَد إليه هذا المأثور ويُوضَع على لسانه، لا بد أن تتوازى مع القوة الفعلية لهذا الحضور في الواقع، والذي قد يكون جرحًا في قلب أمة أو جماعة، ولا سبيل إلى التئامه إلا بالتعويض عبر هذا الانتحال.

وإذا كان هذا التمركز النقلي للثقافة قد لعب دورًا جوهريًّا في إنتاج وتأسيس التقديس؛ فإن ما يبدو من إمكان التمييز، ضمن بناء النقل، وبين آليته ومضمونه، إنما يكشف عن تجاوبهما في هذا التأسيس على نحو كامل. فإذ تحيل آلية النقل إلى تثبيت سلطة ما في الماضي كأصل ثابت وخالد، مكتمل ومطلق، حتى لَيستعصي على أي تخطٍّ أو تجاوز، وليس من سبيل بإزائه إلا التكرار والترجيع، وبما يعني أن الوعي لا يعرف، بحسب هذه الآلية، إلا أن يتهاوى في قبضة موضوعه خاضعًا لأبويته وسلطانه على نحو مطلق، فإن ذلك يحيل إلى موقف للوعي بإزاء هذا الموضوع لا يجاوز البتة حدود «التوقير والإجلال»، التي تمثِّل جوهر العلاقة بالمقدس. وبالطبع فإن كون الموضوع يتحدد بحسب آلية النقل، على هذا النحو من الإطلاق والثبات والمفارقة، وأن علاقة الوعي به تتحدد بحسب نفس الآلية، إحلالًا وخضوعًا لسلطة أبويته وسلطانه، إنما يحيل أن هذه الآلية «تكاد لا تفعل حقًّا إلا أن تنتج كل ملامح المقدس وسماته».

والحق أنه لا يكون غريبًا أن يتجاوب النقل كمضمون، مع ما تئول إليه هذه الآلية من تأسيس التقديس على نحو كامل، بل إنه قد راح يحققها تمامًا، ولكن مع الملاحظة أنه إذا كان النقل «كآلية» قد راح يؤسس للتقديس على العموم، فإنه قد راح «كمضمون» ينتجه ضمن سياقات محددة، يبدو الأبرز والأكثر إلحاحًا منها إنتاجه ضمن سياق السياسة بالذات، وذلك من حيث بدا — وللغرابة — أنه يتجاوب بالذات مع ذلك التخفي، الذي سبق التنويه بأن القبيلة قد أنجزته مع معاوية تحديدًا، لتقديس النظام (أعني نظام القبيلة) وراء تقديس السلطان.

فإذ تواترت المرويات، عديدةً وشتَّى، عن فضل السلطان وحقه، تكريسًا لسلطة لا يمكن مناوأتها، وتثبيتًا لهيمنة يتعذَّر ردها؛ فإن ثمة من هذه المرويات ما راح يتعالى بالسلطان إلى مقام يتماثل فيه مع الله، تماثلًا لن تفعل الثقافة بعد ذلك — وأعني كنظام معرفي يكرس سلطة الأصل — إلا أن تنتجه خطابًا يتعالى بالسلطان، عند عديد من المتكلمين وفقهاء السياسة، إلى مقام الأصل الذي يُقاس عليه الله كفرع. وهنا، فإنه إذا كان المأثور الأشهر عن السلطان هو ظل الله في الأرض، الذي يكاد، لكثرة تداوله، أن يكون أحد مسلَّمات عالم السياسة في الإسلام، يكتفي بأن يقارب بين الله والسلطان، ولو إلى حدود المشابهة بينهما تشابه الشيء مع ظله، وذلك ابتداءً من أن كلمة الظل تحمل معنى الدنو والمشابهة،٣١ فإنه يبقى أن ظل الشيء هو غيره، وأن السلطان هكذا، هو ظل لحضور أصل، ولهذا فإن مسافة ما تظل قائمة بينهما، رغم أي دنو أو مشابهة. ومن هنا تباين هذا المأثور عن مرويات أخرى راحت تُلاشي المسافة وتُلغيها بين الأصل والظل على نحو كامل، وبمعنى أنها راحت تنتج تماثلًا، ذاتًا وصفةً وفعلًا، أو أداةً يتحدد من خلالها شكل فعل الله في العالم.

والملاحظ أن ثمة حالة نموذجية يتضافر فيها المأثور النبوي مع المأثور الثقافي في إنتاج التماثل الكامل بين كلٍّ من الله والسلطان ذاتًا وحضورًا. فإذ أورد البخاري حديثًا للنبي ﷺ يقول: «لا تسبُّوا الدهر، فإن الدهر هو الله»،٣٢ فإن آليات إنتاج التماثل في الثقافة، لم تقبل إلا أن راحت تتداول أثرًا موازيًا ينهى، هذه المرة، عن سب الزمان، لأن الزمان هو السلطان!٣٣

وبالرغم مما يبدو، هكذا، من أن التصور المستقر في الثقافة قد راح ينتج مأثورًا يحقق به المماثلة الكافية، فإن ذلك يعني إمكان تجاهل هذا المأثور المنتج ثقافيًّا وإهماله، وذلك من حيث يفتقر إلى القوة المستمَدة من سلطة النبي؛ إذ الحق أنه يستمد قوة حضوره من سلطة لا تقل سطوةً، وأعني سلطة الواقع، التي بلغت سطوتُها حدَّ توظيف سلطة النبي ذاتها لحسابها، وذلك حين راحت تضع على لسانه أحاديث لم يقلها، ومرويات ليست له؛ كي تستخدمها في حسم صراعاتها. وإذن فإن المأثور يستمد قوته لا بد من سنده المرفوع إلى النبي، بل من تفاعله وتجاوبه مع التصور المهيمن والأكثر فعالية في كلٍّ من الواقع والثقافة. وبالطبع فإن التصور إنما ينتج المأثور لكي يُعاد إنتاجه، هو نفسه، من خلال هذا المأثور، في دورة إنتاج يعيد فيها الواحد منهما إنتاج الآخر ودعمه. وعلى أي الأحوال، فإنه يبقى أن كلا الأثرين (النبوي والثقافي) يتضافران ويتكاملان في إنتاج ودعم التصور المهيمن في الثقافة لعلاقة الله والسلطان، وذلك بدءًا من اللغة، التي تعكس تطابقًا أسلوبيًّا دالًّا وكاشفًا، وكذلك المضمون الذي يُطابِق بين الله والسلطان حين يجمع بينهما في النهي عن السب وعدم الطاعة، وإذن فإنه التطابق ينتجه الأثران على صعيد الشكل والمضمون معًا.

وهكذا، فرغم ما يبدو من أن التقابل بين الدهر والزمان ينتج نفسه تقابلًا الله بين والسلطان، فإن ما يبقى قائمًا بينهما حقًّا هو التماثل والتطابق.

إذ الحق أنه إذا كان ثمة من تقابل أو فارق بين الزمان والدهر، انطلاقًا من كون أحدهما (وهو الدهر) باقيًا، والآخر (وهو الزمان) فانيًا وزائلًا، فإنه يبقى فارقًا خارجيًّا محضًا؛ لأنه لا يتعلق بنوع حضور الواحد منهما وكيفيته، بقدر ما يتعلق بامتداد هذا الحضور وكميته، ولهذا فإنه من نوع الفارق الذي لا ينال البتة من طبيعة الحضور المتماثل لذات كلٍّ من الله والسلطان. إنه فقط يتناهى بالسلطان، إذ يربطه بالزمان، فيما يطلق الله خارج حدود التناهي حين يربطه بالدهر، ولكن من دون أن يؤثر أيٌّ من التناهي أو الإطلاق على طبيعة الحضور المتماثل لذاتهما أبدًا، وأعني أن التباين يتأتَّى فقط — حسب دلالة هذه المرويات — من كون أحدهما «باقيًا»، وهو الله، والآخر «فانيًا»، وهو السلطان. وأما فيما يتعلق بماهية الحضور الذاتي لكل منهما، فإنه لا شيء إلا التماثل، الذي يمكن منه المصير إلى تصور الله هو السلطان الباقي، وتصور السلطان هو الإله الفاني أو غير الباقي. وإذ يبدو، هكذا، أن ما يطرأ على السلطان من الفناء إنما يقطع امتداد حضوره فقط، ولكن من دون أن يغير في طبيعته وماهية ذاته؛ فإن ذلك يعني أنه يتماثل «ذاتًا وماهية حضور» مع الله تمامًا، وذلك حال بقائه المنقطع على الأقل.

وحتى هنا، فإنه كان حضور السلطان الفاني/المنقطع، إنما يتجدد في آخَر باقٍ/ممتد … وهكذا دوالَيك، فإن هذا التجدد ينطوي على نوع من قهر التناهي، الذي لا بد أن يخايل بالتماثل تامًّا، حيث الحضور المتجدد للسلطان يوازي، لا محالة، الحضور الممتد لله.

والحق أنه لن يكون غريبًا أن يتجاوز هذا التوازي، عبر تعويض الحضور الممتد بالحضور المتجدد، حدود الذات إلى إنتاج نفسه — وعبر ذات الامتداد والتجدد — على صعيد الصفة أيضًا. وإذ القرآن هو كلام الله أو صفته التي ليست مجرد صفة كغيرها، بل تكاد أن تكون هي الصفة الأهم لله، حيث «مسألة القرآن (أو كلام الله) هي أهمها»؛٣٤ فإن المرويات لم تقبل إلا المصير إلى «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، سعيًا إلى المخايلة بالطبع بأنه إذا كان الوازع في القرآن لم يعد — رغم امتداد فعاليته — يتجدد بسبب إكمال الدين وتمام الوحي، فإن ذلك لا يعني انقطاعًا كاملًا ونهائيًّا لتجدُّد هذا الوازع الممتد، بل إن تجدُّده سوف يدوم ويستمر، ولكن عبر السلطان هذه المرة، الأمر الذي يعني أن الوازع الممتد في القرآن إنما يستحيل إلى نوع من الوازع المتجدد بالسلطان، وعلى نحو يصح معه اعتبارهما معًا (القرآن والسلطان) صفة لله. وذلك من حيث إنه إذا كان القرآن — أو الوازع الممتد — هو صفة لله بالفعل، فإن السلطان بدوره — وابتداءً من كونه وازعًا أيضًا (ولو متجددًا) لا بد أن يقارب حدود أن يكون صفة له أيضًا.

والعجيب أن الأمر لم يقف عند حدود هذه المماثلة للسلطان بالقرآن، والتي تكاد تجعله مثله صفة لله، بل ويتجاوز إلى أن يكون فعله، أو أداة، على الأقل، يتحدد من خلالها شكل فعله في العالم، حيث السلطان ليس فقط «ظل الله في الأرض، بل وهو أيضًا رمحه»، حسب مأثور يجمع للسلطان بين كونه الظل والرمح لله.٣٥

وإذ الرمح هو فعل الله — أو بالأحرى أداته — في مجال الحياة والموت، فإن ثمة مأثورًا راح يجعل من السلطان أداة الله في مجال العطاء والقبض من خلال كونه قفله، وذلك على قول «أبي جعفر المنصور»، أول خلفاء العباسيين: «أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فَيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، قد جعلني الله عليه قفلًا، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني.»٣٦

وهكذا يتحدد فعل السلطان في أهم ما يخص البشر في إطار دولة الغزو (موتًا وحياة) والفيء (قبضًا وعطاء) باعتباره فعل الله. وبالرغم مما يحيل إليه ذلك من أنها دولة الغزو والفيء، التي لا يعرف فيها السلطان إلا أن يكون رمحًا (في الغزو) وقفلًا (في الفيء)، وهي تخفي ممارسته الباطشة وراء الله، فإنه يبقى — من وراء ذلك كله — أن ثمة التداني بالسلطان إلى حدود أن يكون فعل الله أو أداته.

والغريب أن هذا التماثل بين الله والسلطان (ذاتًا وصفةً وفعلًا) قد راح يتحول إلى نوع من التسوية، أو التماثل، في إطلاق الوصف نفسه على حال من يجهل الواحد منهما. وهكذا، فإنه إذا كانت الثقافة قد أحدثت وصف الجاهلية، وأطلقته على من يجهل الله، ويظن به غير الحق، حيث الجاهلية هي «اسم حدث في الإسلام، للزمن الذي كان قبل البعثة، ومنه: يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ»؛٣٧ فإن المرويات قد أحدثته، بدورها، على حال من يجهل السلطان هذه المرة. وضمن هذا السياق، فإنه إذا كان من مات من غير أن يعرف الله لا بد أنه قد مات ميتة جاهلية، فإنه بات لازمًا أن «من مات ولم يعرف السلطان مات ميتة جاهلية» أيضًا!٣٨

وهكذا كان لا بد أن يتأدَّى الأمر من تماثل الحال (بين الله والسلطان) إلى تماثل الموقف منه جهلًا وخروجًا٣٩ يئول بصاحبه إلى الجاهلية، أو معرفة (وطاعة) تئول إلى الإيمان لا محالة. وإذ يكشف حضور نفس المأثور عند الشيعة، ومع استبدال لفظ الإمام بلفظ السلطان،٤٠ عن شيوع دلالته بين الكافة، أعني سلطة ومعارضة، فإنه يبقى أن هذا التحدد للموقف من السلطان، أو الإمام، ضمن ثنائية الجاهلية والإيمان، إنما يكمل دائرة تماثله مع الله تمامًا.

وإذ يبدو، هكذا، أن النقل كآلية تنطوي على تثبيت سلطة ذات حضور خالد، تنبثق منها المعرفة اجترارًا، إنما يتكامل مع النقل كمضمون يعين هذه السلطة ذات الحضور الخالد ضمن مجال السياسة بالذات، في إنتاج التقديس؛ فإن الأمر سوف يتجاوز إلى تأسيسه، أعني تأسيس التقديس،٤١ كخطاب يتخفى في البناء الأعمق للثقافة في شكل نظام معرفي يكرس على الدوام لسلطة نموذج-أصل، وهو نظام لن تتوقف الثقافة عن إنتاجه أبدًا ضمن كافة حقولها تقريبًا، وبكيفية لا مجال فيها للتعلق بمضمون الأصل ونوعه. وهنا يُشار إلى أن مركزية النقل كآلية معرفية سائدة كان لا بد أن تئول إلى مركزية الأصل، وبمعنى أنه الانتقال من النقل إلى الأصل، حيث النقل يستند بأسره إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيه للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول؛ لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم من الأصل، وهو نقلي، فرجع هذا القياس إلى النقل (أو الأصل)؛ لتفرعه عنه.٤٢ وإذ يبدو، هكذا، أنه التماهي — في العمق — بين النقل والأصل، فإن ذلك يحيل إلى تثبيت هيمنة النقل داخل الثقافة، عبر إخفائها وراء نظام خطاب لا يعرف إلا التفكير بالأصل.

وبالطبع فإنه لن يكون غريبًا — والحال كذلك — أن تبتدئ سيرورة التقديس كخطاب، ضمن فضاءات حقول أو علوم لم تعرف مجرد التفكير بالأصل فقط، بل وأخذت منه تسميتها أيضًا.

وإذ يُشار هنا إلى علم الأصول بالذات، وبجناحيه الفقهي والعقيدي معًا؛ فإنه يلزم التأكيد على أن الأمر، في كلا العلمين (أعني أصول الفقه وأصول الدين)٤٣ لم يتجاوز حدود تأسيس سلطة الأصل، وتثبيته كحضور مُتعالٍ، وخارج أي سيطرة للوعي، وبمعنى أنه يتجاوز حدود أي سعي للوعي للانطلاق منه كنقطة ابتداء تتبلور منها سيرورة اشتغاله، مستوعبًا ومستدمجًا للأصل ضمن بنائه، محيلًا له إلى تركيب يسع العالم ويتسع به، ونافيًا عنه، لا محالة، حضوره كمعطًى مطلَق، ليس للوعي أو العالم بإزائه إلا التلاشي والجمود. ولعل ذلك يعني أن أساس «التقديس» لا يقوم في الأصل بمجرده، بل في الثقافة بالأحرى، وأعني في كيفية إنتاجها للأصل على نحو ينطوي على النفي للعالم والإزاحة للوعي، ولا يتكشف إلا عن سطوته كاملة عليهما معًا. وإذ يبدو، هكذا، أن هذه الكيفية في إنتاج الأصل هي تمامًا كآلية التداول النقلي للنص المؤسس (القرآن)، والتي لم تكن بدورها من النص، بل من الثقافة، فإن ذلك يعني أنها، مثلها أيضًا، ترتدُّ إلى ذات البنية الأقدم، التي تتجاوز الإسلام إلى عالم القبيلة الأسبق.

والحق أنه ليس غريبًا أن تجد آلية التفكير بالأصل، وكآلية النقل تمامًا، ما يؤسس لحضورها اللاحق والمهيمن داخل الثقافة، في بناء عالم القبيلة ولوازمه، وذلك من حيث بلغت مركزية الأصل في هذا العالم حد أن تكرِّس القبيلة أحد أهم علومها (وهي بالطبع قليلة) من أجله، وأعني به علم النسب، الذي كان للعرب في الجاهلية مزيد اعتناء بضبطه ومعرفته؛ لأنه أحد أسباب الألفة والتناصر. وهم كانوا أحوج شيء إلى ذلك، حيث كانوا قبائل متفرقين، وأحزابًا مختلفين، لم تزل نيران الحرب مستعرة بينهم، فحفظوا أنسابهم ليكونوا متظافرين به على خصومهم؛ لأن تعاطف الأرحام وحميَّة القرابة يبعثان على التناصر والألفة، ويمنعان من التخاذل والفرقة، أنَفةً من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيًا من تسلط الغرباء والأجانب.٤٤

وإذ أدرك ابن خلدون أن «العرب كانوا أحوج شيء إلى ذلك، لأسباب تتجاوز مجرد الاستعلاء والتسلط، إلى ما اختصوا به من نكد العيش، وشظف الأحوال، وسوء المَواطن»؛ فإنه قد راح ينتقل من هذا الاختصاص بنمط من العيش إلى اختصاصهم بالعلم نفسه، حيث «إنما هذا «العلم» للعرب فقط»، قال عمر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا النسب، ولا تكونوا كنبط السواد، إذا سُئل أحدهم عن أصله قال: من قرية كذا.»٤٥ وبالرغم من هذا الإلحاح على وجوب تعلم النسب، الذي لم ينسَ عمر — في إشارة بالغة الدلالة — أن يُماهيه مع الأصل؛ فإن ثمة مَن سعى في الإسلام (ولعلهم كانوا من غير ذوي الأنساب)٤٦ إلى خلخلة مركزية هذا العلم؛ احتجاجًا بأنه «علم لا ينفع، وجهالة لا تضر»، إلى غير ذلك من الاستدلالات.

وهنا، فإن الكثيرين قد تصدَّوا لتثبيت مركزيته ضمن عالم الإسلام أيضًا، انطلاقًا من أن الحاجة تدعو إليه في كثير من المسائل الشرعية، مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح، والعاقلة في الديات، والعلم بنسب النبي ﷺ، وأنه القريشي الهاشمي الذي كان بمكة، وهاجر إلى المدينة، وأن هذا من فروض الإيمان، ولا يُعذَر الجاهل به. وكذا الخلافة عند من يشترط النسب فيها. وكذا من يفرق في الحرية والاسترقاق بين العرب والعجم. فهذا كله يدعو إلى معرفة الأنساب، ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه، فلا ينبغي أن يكون ممنوعًا.٤٧

ورغم ما يبدو من أن الأمر قد راح يتجاوز شروط واقع القبيلة إلى شروط إعمال الشريعة، فإن ذلك لا يعني أكثر من أن مركزية النسب/الأصل إنما تعيد إنتاج نفسها ضمن شروط مغايرة، وبحيث لا يتجاوز الأمر حدود تثبيت هذه المركزية على نحو يكشف عنه دوام الهيمنة لما يخص عالم القبيلة، الذي بدا من المرونة بحيث راح يتشكل، متخفيًا، ضمن عوالم الدين والثقافة، وحتى رغم غياب شرطه في الواقع، وإلى حد ما سيبدو لاحقًا من أن القَبَلية tribalism سوف تعيش من غير قبيلة tribe، وأعني في إطار دولة الخلافة، بل ودولة الحداثة!

إذ الحق أنه إذا كانت ضروب من التحول قد طرأت على جهة النسب منذ منتصف القرن الثاني الهجري، حيث كان لون النسب الجنس والقبيلة، فأصبح لونه الدين، والقرب أو البعد من الرسول. وكان اللون الأول يشوبه الفخر والحميَّة، فأُضيف إلى اللون الثاني، على توالي الأيام، نوع من التقديس والبركة؛٤٨ فإن هذا التحول قد كان بمثابة التوطئة لتحوله الأهم إلى الاشتغال في عالم الثقافة تفكيرًا بنموذج-أصل هذه المرة، ولكن مع دوام نفس طابع التقديس والبركة. فإذ يبدو أن هذا التمركز للنسب حول النبي (قربًا وبعدًا) إنما يعني أن لحظات الزمان بدورها سوف تكون موضوعًا للشرف والقيمة، بل وحتى القداسة، قربًا أو بعدًا من الرسول أيضًا، فإن ذلك يعني أن مركزية النسب لم تتأدَّ فقط إلى هيمنة تصور للتاريخ سقوطًا — لا يرتفع أبدًا — من لحظة-أصل (أو نموذج)، بل وإلى تكريس نوع من مركزية الماضي في الثقافة بأسرها، والتي لم تزل تحضر للآن تفكيرًا بنموذج-أصل.٤٩

وإذن فإنه التحول من النسب-الأصل (في القبيلة) إلى النموذج-الأصل (في الثقافة)، ودائمًا عبر وساطة — أو بالأحرى قداسة — النبي-الأصل، نسبًا وزمنًا وعلمًا، التي تتأتَّى من فضاء العقيدة.

وإذ كان لزامًا أن يحضر هذا التحول — وبكافة عناصره المؤسسة من القبيلة والعقيدة والثقافة، وأعني من دون أن يغيب أحدها أو يتخفى كما سيحدث لاحقًا — في فضاء البدايات وإرهاصاتها؛ فإن في ذلك تفسيرًا لما يسود فضاء النص المؤسس في علم الأصول، وأعني نص الرسالة للشافعي، من أن تكريس سلطة الأصل، وتثبيت آلية التفكير به (في الثقافة) يتحقق في ارتباط جوهري وصميم مع تثبيت النسب-الأصل (في القبيلة)، وعبر توسط القداسة المستمَدة من النبي ﷺ نسبًا وعلمًا.

ومن هنا دلالة الاستهلال لهذا النص بإثبات النسب، الذي لا معنى له بمعزل عما يترتب عليه لاحقًا من تثبيت مركزية القبيلة، والذي يتجاوز أمره حدود مجرد الإثبات الشكلي في المُفتتَح إلى لعب دور بالغ الجوهرية في بناء النص وصوغ بنيته.

والغريب حقًّا أنه فيما انشغل القدماء، وخصوصًا من مؤلفي المناقب،٥٠ بقراءة دلالات هذا الإثبات واكتناه معانيه، كجزء من سعيهم إلى تثبيت هيمنة الشافعي (نسبًا ومذهبًا)؛ فإن أحدًا من دارسيه المحدثين لا يكاد يلتفت إلى الدور المركزي الذي لعبه هذا الإثبات للنسب في بناء نصه وترتيب نظامه، وأعني من حيث إن إثبات النسب-الأصل في المُفتتَح لم يكن إلا نقطة البدء إلى نسق فقهي ينبني على الإزاحة المطلقة لكل ما سوى الدليل-الأصل، وهو النص.

ولعل سعيًا إلى اكتناه الدور المركزي للنسب في نسق الشافعي ونصه، إنما ينطلق من حقيقة أنه إذا كان قد ثبت بالتواتر — حسب الرازي — افتخار الشافعي بنسبه الذي يصله بالرسول، مباشرة، عند بني عبد مناف؛٥١ فإنه قد بدا أن الأمر إنما يتجاوز مجرد هذا الفخر بالنسب الخاص، إلى مركزية «علم الأنساب» في وعيه على العموم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading