كتابات حرة

هل يعدّ مجتمعنا العراقي ملائكياً ؟ سيّار الجميل

278817537 10221909125422747 4351350039972116243 n

يدرك المرء في كل الدنيا أن العراقيين أقوياء في مواجهة التحديات ، وأذكياء في التعلّم ومعرفة الأشياء ، وأصفياء في الشهامة والنخوة ونجباء في اغاثة الملهوف ، وتاريخهم حافل برجال عظماء ونسوة مبدعات وحكماء ومتصوفة واولياء صالحين ..ويكثر فيهم العلماء والادباء والشعراء والانقياء والاصدقاء والمثقفين ويتفاقم عندهم التنافس مهما كانت الأشياء ويتخاصمون على من يكون في الامام .. كل هذا وذاك ندركه ، ولكن لا يمنع هذا ولا ذاك أن يقول علماء الاجتماع رأيهم ، وخصوصا من المختصين بشؤون ومشكلات المجتمع العراقي ورجاله الحكماء من كبار السن الذين عركتهم تجارب العراق والعراقيين ، بتقديم تحليلاتهم وخروجهم باستنتاجاتهم وأحكامهم .. انّ محبة العراق ليس في استعراض الانشائيات والتشبّب والمفاخرات ، بل في معرفة الخفايا والخطايا ونقدها والقطيعة عنها .

نشر أحد الأصدقاء وهو من كبار الاعلاميين العراقيين مقالة عن المجتمع العراقي قبل يومين أثنين على صفحته ، وكانت له وجهة نظر متوازنة، ولكن كثرت حولها التعليقات والملاحظات من قبل متابعيه وقرائه وأغلبها “مجاملات” لا تستوي وهذا ” الموضوع” الذي هو بأمسّ الحاجة الى التجرّد والمعرفة الواسعة بعيداً عن الانفعالات والعواطف الساخنة وعن التعصبّات والقدح والتشبيهات السيئة والطعون، وأنا واثق أنّ أغلبهم لم يقرأ ما يخصّ هذا ” الموضوع” ومستوياته وتصانيفه ومشكلاته التي لا تعدّ ولا تحصى .. كما أنه لا يفقه أصول النقد المقارن عندما يطلق الكلام على عواهنه ويقول بأنّ كلّ المجتمعات الأخرى تعاني مثل مشاكل العراق، علماً بأنّ لكلّ مجتمع تاريخه وطبيعته وشخصيته، بل وبلغ البعض من السذاجة أن يحرّم نقد المجتمع العراقي وتناقضات الشخصية العراقية تحت ستارة اعتادوا أن يسوقوها في غير مكانها ، الا وهيَ ” جلد الذات ” التي يتداولونها كي لا يزعجوا أنفسهم بمثالب المجتمع وفجائعه ، وكأنّ ذاتهم نادرة الوجود لا يمكن المسّ بها ، وأسوأ تشبيه قرأته من قبل أحدهم عندما قال : أن من ينتقد العراقييين فهو يريد ان يسقط تناقضاته على المجتمع !! بالله عليكم، حتى نقد العلماء والحكماء لا يريدونه، بل ومتعتهم في ما يتناقله السفهاء والمهرجون وهم يوزعون اتهاماتهم أو يشيعون الردح فيه.. وهم جاحدون ومغتّرون كونهم غدوا من الفاسدين أيضاً .. انّهم يحاربون من يريد اصلاح مجتمع تراخى كثيراً ويريدون ابقاءه على حالاته المزرية وفساده الذي شمل كل جزئياته . وربما هم يدركون الحقيقة ساطعة سطوع الشمس، ولكنهم ينافقون ويجاملون بكلمات معسولة طلبا للارتزاق أو ايهام الناس بأن العراق يعيش طفرة حضارية وهم يدرون جيداً حالات الجهالة السائدة وارتزاق بعض المثقفين المرتبطين بمنظومة الفساد وصولاً الى ما يقوله الملالي من تفاهات وما يلوكونه من خزعبلات ليل نهار !

وليست مجرد انشائيات تدغدغ العواطف

هل يعلمون أو أنهم لا يعلمون بأنّ الناقد لمساوئ المجتمع لا يقصد أحدا بذاته ، ولا جماعة ولا بيئة ولا عشيرة ولا طائفة بعينها ، فالتصنيفات الاجتماعية هائلة في المجتمع ، وهي سبب تعقيداته .. ولا يتدافع أحد ليقول بأن مجتمعنا هو متجانس تماماً ومنسجم جداً ، فهذا هراء، فالتباينات واضحة والاختلافات مفضوحة بين الأعراق والمذاهب والبيئات والثقافات الجهوية وان تلك الانتماءات غدت تسبق الهوية العراقية للأسف الشديد علماً بأنّ ثمّة عوامل تؤلف ثقافات بيئاته وعادات أجياله، ويأتي آخر ليقدح بمن انتقد المجتمع وشخصيّة المجتمع ويتهمّهم بشتى التهم كونهم قد تعّلموا في الغرب ! والآخر لا يريد انتقاد ما حفلَ به المجتمع العراقي، ويأتيك بسلسلة من المفاخرات واستعراض البطولات . هذا الابتلاء هو نفاق اجتماعي بالدرجة الاولى والعالم وكل العراقيين يدركون حجم مفاسد جماعات واسعة ، واحتقانات جهويّات كبيرة ، وفوضى قيمية في الارياف والمدن ، وهزائم اجتماعية منكرة في ظل سياسات عقيمة ..

الباحثون الحقيقيون لا ينافقون ولا يجاملون ولا يتفاخرون وكأنّ المجتمع العراقي قد غدا ملائكياً حتى ابتذلت المعرفة تماماً كي تدور في شبكات التواصل الاجتماعي بانفلات كبير، ولا يمكن لأحد أن يجازف بانتقاد ما ابتلي به المجتمع من أوبئة وعاهات ! بل انني أندهش هذا اليوم من تحّول بعض من كانوا يدّ‘عون أنهم من الحداثيين والعلمانيين من ساسة واعلاميين ومثقفين ليعملوا بانسياق على تجميل واقع عصي تسكنه الاوبئة والاوهام والتوصيفات الطائفية !

ونال المسكين علي الوردي كالعادة نصيبه من القدح وحصته من المدح، علما بأن علماء الاجتماع من العراقيين كثر ونقداتهم أكثر، ولكن لم يتناولهم أحد بالدرس والتحليل والقراءة لمعرفة جنس هذا المجتمع، وقد قدّموا أفكاراً ونظريات ونقدات أكثر حداثة من الوردي نفسه..انّ أفكاراً وانتقادات معمّقة قدّمها الجيل الاول من علماء الاجتماع في العراق أمثال : عبد الجليل الطاهر في كتابه : ” اصنام المجتمع : بحث في التحيّز والتعصّب والنفاق الاجتماعي ” وكذلك عبد الفتاح ابراهيم وحاتم الكعبي وشاكر مصطفى سليم وأكرم نشأت .. ثم جاء جيل ابراهيم الحيدري وفالح عبد الجبار وطارق اسماعيل وقيس النوري ومعن خليل عمر وسامي زبيدة ودارم البصام وأياد القزاز وعصام الخفاجي ثم جاء جيل : أمل رسام وعامر حسن فياض وباقر ياسين واحسان الحسن وعبد الله ابراهيم ورشيد الخيون ومحمد حنون ومن ثم جيل حميد الهاشمي وفارس كمال نظمي وجعفر الياسين الجنابي الذي برز في علم الاجتماع الجنائي وكشف المستور عن حالات لا تقرّها الشرائع ! كل هؤلاء وغيرهم كثير .. أنا واثق تمام الثقة بأنّ لم يتدارس كتبهم وبحوثهم أحد من عبدة التواصل الاجتماعي ومن أنصاف المثقفين وحتى المثقفين .. حتى يطلق الأحكام ويفتري على هذا وذاك من دون وجه حق ويمدح هذا ويقدح ذاك دون معرفة ما وصل اليه منهم .. وأتساءل أيضاً : ألم يقرأ هؤلاء بعضاً من نتاج الروائيين العراقيين والادباء والمبدعين نسوة ورجالاً من الذين ينبغي أن يستفيد منهم كلّ الباحثين والعلماء والمؤرخين في دراسة مشكلات العراقيين التي تفاقمت في النصف الثاني من القرن العشرين وهي تلقي بظلالها الصعبة على أجيال اليوم ..

انني أسأل : لمن كتب هؤلاء كتبهم وأعمالهم ؟ ولماذا تعبوا هم وغيرهم من عشرات الكتّاب والمختصّين والمؤلفين ؟ كم أرادوا مجتمعاً متماسكاً موحدّاً مثقفاً ومنتجاً وقوياً ونطالب اليوم ان يكون واعياُ ومبدعاً ومنسجماً خالٍ من المشاكل والانقسامات .. لا نريده مجتمعاً ملائكياً ومقدسّاً ومثالياً لا وجود له الا في أحلام العصافير .. وأطمح أن أجد لغة متوازنة وسليمة وموضوعية تعترف بالمثالب وتفخر بالايجابيات. واذا كانت الأجيال السابقة قد تعبت وناضلت وتحمّلت الكثير من رابع المستحيلات في الثلاثين سنة الاخيرة من القرن العشرين ، فانّ على جيل اليوم أن يتربى في واقع خالٍ من التحدّيات والآثام والحروب والانقسامات والمناكفات . وأن تتطور الحركة النقدية في العلوم الاجتماعية العراقية التي تعالج المشكلات الموروثة في المجتمع والطارئة والأوبئة المعقّدة والصعبة وتعطي المقترحات والحلول وايقاف هذا النفاق والمجاملات على حساب الحقائق والوقائع .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading