مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

فلسفة اللذة والألم:نقود ومقارنات-إسماعيل مظهر

صورة لرجل مسن ذو شعر أبيض، يرتدي بدلة، يتأمل بجدية مع وضع يده على ذقنه.

«أما السبب الذي حمل أفلاطون وأرسطوطاليس على أن يقاوما مذهب أرسطبس، فيرجع — على الأرجح — إلى أن ابن قورينة بدأ يعلم الهيدونية في أبسط صورها، فقال إن اللذة هي الخير الأسمى، وإن غاية الإنسان يجب أن تتجه دائمًا وفي كل آن إلى الحصول على أكبر قسط منها، وجهد ما تصل استطاعته، وهذه الصورة البسيطة غير المهذبة من المذهب الهيدوني؛ هي التي قاومها سقراط، ونقلها عنه أفلاطون، وأثبتها في كتابه فليبوس.»

أرسطبس وسقراط

إذا كان أرسطوطاليس قد أهمل ذكر أرسطبس تعيينًا، واقتصر على أن يذكر من القورينيين أودُكْسَس وحده، فإنَّ الحكيم الأعظم سقراط قد عني به، وهذا يدل على أن أرسطبس كان قد تكون واكتمل أو كاد يكتمل قبل أن يموت سقراط، غير أن الواقع أن أرسطوطاليس إن أهمل ذكر أرسطبس فإنه لم يهمل مذهبه كما سنرى بعد.

أفرد «زينوفون Xenophon» بابًا كاملًا في كتابه الذكريات Memorabilia خصه بمناقشة مذهب أرسطبس، كما فهمه سقراط ونقده، ذلك هو الفصل الأول من الكتاب الثاني من «الذكريات» وقد لخص حوارًا وقع بين سقراط وتلميذه أرسطبس.

وملخص هذه المحاورة التي وُضعت بعنوان «أرسطبس» أن سقراط قد توقع أنَّ أرسطبس يحاول الحصول على وظيفة في الحكومة، فأراد أن يظهر له رأيه في أن الاعتدال وضبط النفس صفتان ضروريتان في الرجل السياسي، فلما أظهر أرسطبس أنَّه إنما يصدف عن هذا، ولا يرغب إلا في أن يعيش عيشة هادئة لذيذة، سأله سقراط: أيهما أسعد حالًا، الحاكم أم المحكوم؟ فيجيب أرسطبس بأنه لا يريد أن يكون حاكمًا ولا محكومًا، وإنما يريد أن يمتع بالحريَّة، فيبادره سقراط بأنَّ مثل الحريَّة التي يطلبها لا تتفق ونظام الجمعيات الإنسانيَّة، غير أنَّ أرسطبس يبقى مستمسكًا برأيه، ويقول بأنه سوف لا يظل في مملكة واحدة، بل سيعيش متنقلًا من مكان إلى مكان، فيظهر له سقراط ما في هذه المعيشة من مخاطر، وما يحفُّ بها من معاطب. ولكن أرسطبس يرمي بالحمق أولئك الذين يختارون حياة الكد والعمل في مناصب الحكومة، ويفضِّل عليهم أولئك الذين يختارون الحياة الهادئة البعيدة عن النَّصب، فيكون من أمر سقراط أن يظهر له الفرق بين الذين يكدُّون مختارين، وبين الذين يكدُّون مجبرين، وأنه ما من خير أخلاقي إلَّا وله مقدِّمات من النَّصَب والكدِّ الطويل. ومن أجل أن يمثِّل لفكرته روى أسطورة «فُرُوذِقُوس Prodicus» السفسطائي التي سماها «حيرة هِيرَقْل».

أما الأسطورة التي وضعها «فروذِقُوس» فمحصلها أن هيرقل لما كان شابًّا في أوَّل أطوار الفتوة وعلى باب الرجولة؛ أي في ذلك الطور الذي يشعر فيه المرء بأنه عما قريب سيصبح سيدًا حرًّا، أخذه ما يأخذ الشباب من تفكير في أمر الحياة، وفي أي من طريقيها يسير: أطريق الفضيلة، أم طريق الرذيلة، فانتبذ بنفسه مكانًا موحشًا بعيدًا عن جلبة الناس، وقد أخذه هَمُّ التفكير في اختيار أيٍّ من طريقي الحياة، وفيما هو جالس تراءى له شبحا امرأتين ممشوقتي القامة مضتا تتقدمان نحوه، وكانت إحداهما جذابة الملامح، مملوءة وقارًا وجمالًا، وقد حبَتْها الطبيعة بحسن الصورة وبهاء الطلعة المقرونة برصانة الحكمة، وكانت تتشح ثوبًا أبيض فضفاضًا، أما الأخرى فكانت ربلة ناعمة، ولكنَّها زوَّرت ملامحها بالتبرج، لتظهر أكثر جمالًا وبهاء، مما هي في الحقيقة، وأخذت تتصنع من الإشارات والحركات ما يزيد قامتها اعتدالًا، وكانت تنظر بعينين مفتوحتين، لا خفر فيهما ولا استحياء، وقد اتَّشحت ثوبًا تظهر منه تقاطيع جسمها الجميل، وقد أخذت تنظر من وقت إلى آخر في صورتها، ثم تتطلع لترى هل يراها من الناس أحد، وهل يعجب بجمالها مُعْجَبٌ بها بل كانت كثيرًا ما تتلفت وراءها، لترى هل يرتسم في ظلها شيء من محاسنها، وفيما هما تتقدمان نحو هيرقل وهو في حيرة، تستبق الثانية الأولى إليه، وتأخذ في الحديث لتغريه على أن يتبعها دون الأخرى، وبعد أن تشرح له ما سوف يَلقى فيها من لذة واستمتاع، يسألها هيرقل عمن تكون، فتجيبه: «إن الذين يصحبونني يسمونني السعادة، ولكن الذين يمقتونني يدعونني الرذيلة.» وهنا تتقدم إليه الأخرى (الفضيلة) وتقول له: «إنني أريد أيضًا أن أحدثك بحديثي.» وتشرح له من واجبات الحياة الفضلى، وما في الفضيلة من مشاقَّ، بَيْدَ أنها تُظهر له أيضًا ما فيها من جمال.

وفي هذه المحاورة التي يشرح فيها فروُذِقُوس آراءه في الفضيلة والرذيلة، تنتصر الفضيلة — بالرغم من خشونتها — على الرذيلة — بالرغم من نعومتها — غير أن هيرقل يظل في تأمله، ولكن بعد أن تفتح له الأسطورة سبيلي الدنيا، وكذلك يترك سقراط أرسطبس حرًّا في أن يختار أيهما يفضل في الحياة.

أرسطبس وأفلاطون

عرفنا من قبل أنَّه لم يكن لدى القورينيين من حاجة لأن يثبتوا فوارق أساسية من حيث القيمة بين اللذائد، ولا شك في أن كلَّ ما وصل إلينا عنهم إنما يدل على أنهم كانوا على يقين من هذا الأمر، فقد نقل عنهم ديوجينيس لايرتيوس (ج٢، ص٨٧) قولهم بأن لذة ما لا ترجح لذة أخرى، وكذلك المنابع التي تزودنا باللذة، فإن أحدها — مهما كان فيه من التبذل والإسفاف — لا يفضل غيره أو يفترق عنه من حيث القيمة.

نذكر هذا لنثبت أن الفرق بين القورينيين وبين أفلاطون من ناحية، وبين أرسطوطاليس من ناحية أخرى، ينحصر في أن الأخيرين قد دافعا عن فكرة الأمثال المجردة للقيم وللحقيقة، وهي أمثال تسمو فوق الفكرة التي تجول في رءوس العامة من الناس.١

فإنَّ الحوار المشهور في كتاب «فليبوس» تأليف أفلاطون، والذي قصد به إمكان وضع فواصل بين اللذائذ الحقيقية واللذائذ الخيالية، والموازنة بين هذه وبين مبدأ الفكرات الحقيقية، والفكرات الخيالية، إنما قصد به على الأرجح الإشارة إلى موقف القورينيين الفلسفي.٢

ومن المفيد أن نلاحظ هنا أنَّ ذلك الشك المرتجل الذي ظهر فيما كتب أرسطوطاليس وأفلاطون، هو الذي حمل القورينيين على أن ينفروا من البحث العلمي في الطبيعة، ومن مجرد التأمل الذي لا فائدة منه.٣

أمَّا السبب الذي حمل أفلاطون وأرسطوطاليس على أن يقاوما مذهب أرسطبس، فيرجع — على الأرجح — إلى أن ابن قورينة بدأ يعلِّم الهيدونية في أبسط صورها، فقال: إن اللذة هي الخير الأسمى، وإن غاية الإنسان يجب أن تتجه دائمًا وفي كل آن إلى الحصول على أكبر قسط منها، وجهد ما تصل استطاعته. وهذه الصورة البسيطة غير المهذبة من المذهب الهيدوني هي التي قاومها سقراط ونقلها عنه أفلاطون، وأثبتها في كتابه «فليبوس».

غير أننا نمضي في شرح آراء أفلاطون والتعليق عليها من حيث علاقتها بمبادئ القورينيين، بحسب الترتيب الذي سقنا فيه هذا البحث فنبدأ بكتاب «ثياطيطُوس» ونعقب عليه بكتاب «بروطاغوراس» ثم بكتاب «فليبوس»، ونختم بكتاب «غورغياس» ثم بالتعقيبات الضرورية على كل ما يعنُّ لنا التعقيب عليه.

•••

كان للمذهب القوريني الأثرُ البالغُ في كل المذاهب التي ذاعت في بلاد اليونان القديمة منذ عهد سقراط.

ونحن إذا اضطررنا إلى الكلام في علاقة هذا المذهب بنواحي الفلسفة الأخلاقية عند اليونان، فإنما نقصد إلى البيان عن تلاقح المذاهب من ناحية، وإلى شرح الملابسات التي تصحب ذيوع المذاهب من نقد وتقرير من ناحية أخرى.

ففي كتاب «فليبوس» حاول أفلاطون — ولا يغيب عنَّا أنه أحد أخدان أرسطبس في التلمذة على سقراط — أن يضع فواصل بين اللذائذ الحقيقيَّة واللذائذ الخيالية، فكأنه حاول بذلك أن يضع قاعدة جديدة لمذهب اللذة من ناحية، وأن يضع تقسيمًا للَّذائذ من ناحية أخرى، على الضد مما ذهب إليه القورينيون، بل حاول أن يجعل تقسيمه للذائذ لا يتناول الكم والكيف وحدهما، بل يتناول تصور اللذائذ وحقائقها، ثم إنك تجده يحاول بعد ذلك أن يضع مذهبًا جديدًا في الفكرات فيقسمها على غرار التقسيم الذي وضعه للذائذ، ويقضي بأنَّ هنالك فكرات حقيقية وفكرات خيالية.

فكان من ذلك شعبة جديدة من شُعب المذهب الأفلاطوني العظيم، وفي كتابه «بُرُوطاغوراس» تأثر كل التأثر بالمذهب القوريني القائل بأن الحياة فن، وأن فن الحياة عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة.

وفي كتابه «ثِيَاطِيطوس» تناول مناقشة النظرية القورينية في المعرفة، وحاول نقضها، أما في كتابه «غُوْرِغياس» فقد هاجم النظرية الهيدونية كما وَضَعها أرسطبس، فكان ضعيفًا مضطربًا بَعُدَ عن موازناته الهادئة، وتقديراته الرياضية. وسننظر في هذا كله عند موضعه من البحث.

ولقد يحسن بنا أن نُشير هنا إلى أن الكلام في مناقشة أفلاطون لنظرية المعرفة عند القورينيين في هذا الموطن من البحث؛ سابق لأوانه، وكان الواجب أن نبقى على هذا حتى نتناول نظرية القورينيين في «المعرفة» أولًا، ولكن الحاجة تلجئنا إلى الكلام في هذا المبحث لسببين: الأول: أننا نتكلم عن أفلاطون والمذهب القوريني، فالواجب أن نجمل القول في ذلك. والثاني: أننا سوف نمضي في مقارنات نتناول فيها نظرية المعرفة عند القورينيين وعند أفلاطون. وهذا سنبقي عليه حتى نصل إلى موطنه من البحث.

أرسطبس وأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس»

أشرنا عند الكلام في «أريطي وأرسطبس الصغير وغيرهما» (في الفصل الثالث) إلى أن النظرية القورينية في «المعرفة» قد ثبتت في عقل أفلاطون، وحاول نقضها في كتابه «ثياطيطوس Theatetus»، وعلى الرغم من أننا نكاد نؤمن بأنَّ أفلاطون لم يتطلع في كتابه هذا إلى رفض نظرية ما في المعرفة، إلا النظرية القورينية، فإنَّ أفلاطون لم يذكر اسم أرسطبس، ولا أشار إلى النظرية القورينية في «المعرفة»، كما فعل تلميذه أرسطوطاليس من بعده لدى نقده نظرية الأخلاق القورينية في كتابه «الأخلاق». ولعل إهمال هذين العَلَمين ذِكْر أرسطبس فيما كتبا وفيما تناولا من أوجه المذهب القوريني نقدًا وإثباتًا؛ كان السبب الأول في أن العرب لم يعرفوا من أمر أرسطبس شيئًا يعتد به، حتى إن ابن القفطي في كتابه الصغير «تاريخ الحكماء» لم يترجم عن حياته إلا ترجمة قصيرة، لا تدل على أثر من المعرفة بحقيقة مذهبه، مع أنه ترجم لرجال من اليونان كان يفخر كثير منهم أن يكونوا من تلاميذ أرسطبس، باستفاضة وبيان.٤

ولا شكَّ عندي في أن معرفة العرب باليونان كانت في أكثر الأمر عن طريق أرسطوطاليس وأفلاطون؛ لأنَّ أفلاطون «الإلهي» — كما كانوا ينعتونه — محبب إلى نزعاتهم، ولأن أرسطوطاليس «المعلم الأول» — كما عرفوه — كان بمنطقه الاستنتاجي أكبر معوان على تقرير مسائل الجدل والكلام، والراجح أنَّ العرب ورثوا هذه النزعة عن السريان الذين نقل عنهم العرب في أكثر الأمر أعمال اليونان.

وما كان لنا أن نمضي في هذا البحث من غير أن نمهِّد له بتعريف أوَّلي يتناول نظرية المعرفة عند القورينيين، على الرغم من أننا سوف لا نتناول نظريتهم بالشرح إلا بعد أن نفرغ من الكلام في أرسطبس وأفلاطون، ثم من الكلام في أرسطبس وأرسطوطاليس، غير أن ضرورة التعريف بهذه النظرية في هذا الموطن يُلجئنا إلى الإيجاز في شرحها، لنُبْقي على البيان والإفاضة إلى محلهما من البحث.

ويكفي هنا أن نعرف أنَّ مذهب أرسطبس لم يزود الفكر الإنساني بنظرية فذة في الأخلاق لا غير، بل وضع نظرية في المعرفة Theory of Knowledge دَعَمها أرسطبس، وتوسع فيها خلفاؤه، فكان لها أكبر الأثر في كلِّ ما ظهر من صور الفكر الفلسفي على مدار العصور.

أمَّا المحصل من هذه النظرية فيكفي أن نعرف منه أن القورينيين كانوا يقيمون نظريتهم في المعرفة على قاعدة بسيطة تنحصر في قولهم: «إن الأساليب أو الكيفيات التي نتأثر بها هي وحدها التي يمكن معرفتها.» ولما كانت هذه القاعدة هي لب النظرية، كفى أن نقول فيها إنَّ القورينيين مضوا في شرحها مستعينين بكل ما يخطر ببالك من المثل التي تستمد من إدراك الحس، فهم يقولون بأننا لا نعرف أن «العسل» حلو، وأن «الطباشير» أبيض، وأن «النار» تحرق، وأن «السكين» تقطع، وإنما نعرف من هذه الأشياء وأمثالها حالات الشعور التي نشعر بها؛ أي إن لنا إحساسًا بالحلاوة، وآخر بالبياض، وثالثًا بالحرق، ورابعًا بالقطع وهكذا، وإن هذه الحواس هي طريقنا إلى المعرفة؛ أي إننا إنما نعرف الآثار التي تتركها فينا الأشياء من طريق الحواس، لا ما هي حقيقة الأشياء في ذاتها.

وهنا يجدر بنا أن نعرف أصل حوار ثياطيطوس، وإنما نستطرد في هذا خاصة؛ لأننا سنحتاج إلى معرفته في شرح نظرية المعرفة عند القورينيين فيما بعد.

ثياطيطوس شابٌّ من نُبَغاء اليونان برز في الرياضيات والعلوم، جرح في إحدى المواقع الحربية في حصار من حول مدينة قورنثية ومرض في المعسكر مرضًا مميتًا، فأبدى رغبته في أن يَحدث به حدَث الموت في وطنه؛ ولهذا نقل إلى ثغر ميغارة حيث قابله إقليدس الميغاري، فتحدث إقليدس في شأنه مع صديقه «طرفزيون Terpsion» — وهو أيضًا من تلاميذ سقراط — مبديًا أسفه على أنْ تفقِد بلاد اليونان نابغة مثل ثياطيطوس، وجرَّهم الكلام إلى ذكر حديث اشترك فيه سقراط والرياضي ثيوذورس القوريني وتلميذه ثياطيطوس، أشاد فيه سقراط بالمواهب السامية التي أبداها التلميذ الشاب وعلائم النجابة والنبوغ التي آنسها فيه، وأراد إقليدس أن يرافق الجريح حتى إذا قطع جزءًا من الطريق ناله النَّصَب من عناء السفر، فاستقر رأيه على أن يستريح بعد طول الشقة التي قطعها ماشيًا، وهنالك وافاه طرفزيون، وكان قد عاد من الريف، فانتهز طرفزيون هذه الفرصة ورغب في أن يسمع تفاصيل ذلك الحديث الذي ألمعنا إليه، فأجابه إقليدس إلى طلبه، وأمر عبدًا كان يرافقه أن يقرأ عليهم نص الحوار.

والذي يعنينا من أمر هذا الحديث ما يتعلق منه بمناقشة نظرية المعرفة التي قال بها القورينيُّون. لهذا نترك كل التفاصيل الأخرى بعد أن مهدنا بالتعريف عن أصل الحوار، لنستخلص من هذا الكتاب مجمل النقود التي وجهها أفلاطون إلى النظرية القورينية في المعرفة على أن نذكر دائمًا أن هذا الكتاب يعد في مقدمة كتب أفلاطون قوةَ تفكيرٍ ومتانةَ أسلوبٍ، إذ جمع فيه بين خيال الشاعر ودقَّة المِنْطِيق، وحيطة الفيلسوف، وفن المنشئ.

يبدأ الحوار بسؤال يوجه إلى ثياطيطوس وجواب يرد به ثياطيطوس على السؤال، وعلى السؤال والجواب يُبنى الحوار وتقوم المناقشة، أما السؤال «فما هي المعرفة؟» وأما جواب ثياطيطوس فهو أن «المعرفة هي الإدراك».

ولا شك في أنَّ سقراط قد استخلص من جواب الشاب النابغة أنَّ تعريفه الأوَّلي للمعرفة مزيج من مذهب بروطاغوراس ومذهب أرسطبس فحاول ببداهته أن يُخَرِّج من الجواب اتجاهًا يدور من حوله الحوار، ويسد به على مُحاوره طريق الخلوص إلى ما يريد من تقرير نظرية القورينيين، فيتجه فكره توًّا إلى أن في الجواب شطرًا يمكن التسليم به، وشطرًا آخر فيه تناقض عقلي، وأنَّ الشطر الثاني إذا أعير ما هو جدير به من الاعتبار ذهب بكل أساليب المعرفة وبددها، ولا شك في أن هذا التناقض العقلي يذهب فيما يذهب به، بالشطر الذي يمكن التسليم به من تعريف ثياطيطوس.

أما التناقض العقلي الذي استخلصه سقراط من هذا التعريف المجمل للمعرفة؛ فيرجع إلى أنَّ القول بأنَّ الإدراك هو المعرفة أو أن المعرفة هي الإدراك يَجُرُّ العقل حتمًا إلى التسليم بأنَّ شخصًا ما؛ يمكن أن يعرف ولا يعرف في آن واحد.

والمثل على هذا أن شخصًا ما «إذا سمع» ألفاظًا من لغة غريبة عنه، فإنه «يدرك» الألفاظ، ولكنه لا «يعرف» ما تحمل من المعاني، فإدراكه الجَرْسَ اللفظي يمكن أن يُعتبر «معرفة»، وجهله المعاني يمكن أن يعتبر «لا معرفة»؛ فهو «يعرف» و«لا يعرف» في الوقت نفسه. وكذلك إذا «دعا» الإنسان لفكره مُدْرَكًا من المدركات التي لم يكن يعرفها، فقد يمكن أن يقال إنه «يعرف»، وبمعنى آخر إنه «لا يعرف».

أما المعنى المجمل في التعريف فيتضمَّن احتمالين:

  • الأوَّل: القول بأن «مَلَكَة الإدراك» هي الملكة الوحيدة التي تستخدم لاستيعاب المعرفة، وفي هذا إنكار لملكة أخرى، أظهر في صفاتنا العقلية من الإدراك، هي ملكة «التذكر» أو بالأحرى «الذاكرة».
  • والثاني: أن مادة الإدراك هي المادة الوحيدة التي تتكون منها المعرفة.

ولا شك في أنَّه ليس من شأننا هنا أن ندرج إلى التفاصيل ومناقشة الآراء، ويكفي أن نشير إلى حقائق لا يجب أن تغيب عن ذهن الباحث:

  • الأولى: أنَّ أفلاطون بعد أن يخلص من مناقشة التعريف الأول، يلجأ إلى تعريف ثانٍ، محصله أن «التصور الصحيح (كالآراء والعقائد) هو المعرفة»، وبعد أن يمضي في مناقشة هذا التعريف، ويدلف إلى القول بأنَّ الآراء الصحيحة تناقضها الآراء الفاسدة، وأن العقائد الصحيحة تناقضها العقائد الفاسدة، يخلص من هذا التعريف إلى تعريف ثالث — بعد أن يمهد له بمناقشات طويلة — مجمله أن «المعرفة عبارة عن آراء صحيحة يؤيدها الإيضاح».
  • الثانية: أنَّ كثيرًا من المؤلفين يعتقدون أنَّ هذا الحوار برمته لا أصل لوقائعه، وإنما هو من وضع أفلاطون؛ إذ حاول أن يناقش فيه كل الاحتمالات والنواحي التي تؤدي إليها نظرية المعرفة عند القورينيين.
  • الثالثة: أن تأثير المذهب القوريني في نواحي الفكر قديمًا وحديثًا كان شاملًا، وأن إهمال ذكر مؤسسه ورجاله كان مقصودًا؛ لأسباب سوف ندلي بها في موضع آخر.
  • الرابعة: أننا لا نثبت هنا شيئًا ضد رأي القورينيين، ولا ننفي شيئًا من نقد أفلاطون، وإنما نبقي على هذا إلى ما سوف نكتب في شرح نظرية المعرفة القورينية.

أرسطبس وأفلاطون في كتابه «بروطاغوراس»

في كتاب أفلاطون الذي سماه «بُروطاغورَاس» موضعان يصح أن نرجع إليهما في هذا البحث: الموضع الأول: وزن اللذة والألم، والموضع الثاني: هيدونية أفلاطون.

أما الموضع الأول فقد ألمعنا إليه عند الكلام في أرسطبس وجرمي بنتام (في الفصل الثالث) إذ أثبتنا ما يلي:

وعلى هذا يصبح «فن الحياة» عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة على الصورة التي استنتجها أفلاطون في آخر كتابه بروطاغوراس، وهي صورة حقَّة تقوم على فلسفة سقراط، ولكن أفلاطون لم يؤمن بما استنتج من فلسفة أستاذه، إيمانًا صريحًا كاملًا.

ولأفلاطون في كتابه «بُروطاغوراس» اتِّجاهان، ففي أولهما يتجه إلى الكلام في الفضيلة، أمَّا في الثاني فينصرف إلى وزن اللذة والألم، ولعله في هذا الموطن قد استنتج من فلسفة أستاذه سقراط كل ما استنتج خدنه وقرينه أرسطبس، على أنه لا يبعد أن يكون أفلاطون قد تأثر باستنتاج أرسطبس المباشر في فلسفة اللذة، فوعى بعض ما يترتب عليها من النتائج، فلمَّا وصلت المناقشة في كتاب «بروطاغوراس» إلى موقف يؤدي مَنطقًا إلى فكرة أرسطبس، لم يكن من مندوحة أن يبرز الوعي الذي وعاه أفلاطون من فلسفة خدنه، ويظهر في ميدان الصراع الفكري فتصبح الحياة عند أفلاطون «فنًّا» ويكون هذا الفن ضربًا من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة.

ولكن كيف تدرج البحث ليصل إلى هذه النتيجة؟ كان أول التدرج في البحث، أن سقراط حاول أن ينقض قولًا «سوقيًّا» يتلخص في أن الإنسان يخطئ مختارًا، وأنَّه يعرف «الخير»، ولكنه يتنكب الخير باختياره إذا استقوت عليه «اللذة» أو بعض الشهوات الأخرى كالغضب أو الخوف أو الحب أو الحزن، ويأخذ بعد ذلك سقراط في محاولة أخرى يريد أن يخلص من طريقها إلى البرهنة على أن «للعقل» السلطة العليا، والمنزلة الأولى في توجيه سلوك الإنسان، وعلى هذا يوافق بروطاغوراس.

غير أن موافقة بروطاغوراس على قول سقراط هذا، تسُوق المناقشة إلى أفق آخر، يدلف فيه سقراط إلى بحث فكرة شَائِعة مجملها أنَّ الإنسان غالبًا ما يعرف «الشر» أنَّه «شر»، ولكنَّه يفعله، ويصف هذه الفكرة بأنها أضحوكة مزرية، ثم يحاول أن يبرهن على هذا، فيقول بأن كل إنسان إنما يعمل في سبيل الحصول على «أَخْيَر»٥ ما يتمنَّى لنفسه، وأنَّ هذا يحمل الإنسان على أن يجعل اللذَّة موازنة للخير، والألم موازنًا للشر، ومن هنا ينحصر عمله في الحصول على أكبر قسط من اللذة، وأقل قسط من الألم، ولذلك تراه يتفادى اللذائذ أحيانًا، ما دامت تؤدي إلى آلام ترجحها، أمَّا المعنى الذي نستنتجه من قول البعض بأن الإنسان إنما تستقوي على مشاعره اللذائذ، فإنه لا يدل في الحقيقة إلا على أن اللذائذ النزيرة ما دامت قريبة، وفي متناول اليد، تُفَضَّلُ دائمًا على اللذائذ العظيمة، ما دامت بعيدة التناول، والسبب في هذا أن قُرب اللذائذ يضخمها، كما يضخم القرب الأحجام، وفي مثل هذه الحالات قد يخدع العقل وتفسد أحكامه، على أنَّ الأخطاء التي قد تنتج عن خداع العقل، يُمكن أن يتلافاها كل مَن في مستطاعه أن يزن، وأن يقيس وأن يقدر تقديرًا صحيحًا؛ حالات اللذَّة والألم، وعلى هذا يصبح السلوك الواجب اتباعه في الحياة، نوعًا من الموازنات أو الأقيسة، وبالأحرى ضربًا من الحكمة أو المعرفة. أما الحالة المضادة لهذه؛ وهي الحالة التي تستقوي فيها اللذة أو المشاعر على الإنسان وتستعبده، فما هي إلا الحمق والجهالة، ولا شك في أنها أدنى الجهالات جميعًا.

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading