مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

فلسفة اللذة والألم:نقود ومقارنات-إسماعيل مظهر

والتعمق في البحث يدلنا على أن أرسطوطاليس أخذ كثيرًا من أصول مذهب أرسطبس، وأدمجها في مذهبه الأخلاقي، وأنه طبق النظرية القورينية في درجات اللذة، على ثلاثة أشياء من مقومات مذهبه.

فإنَّ أرسطوطاليس عندما يتكلم في «الخيرات» وفي «عناصر النفس» وفي «الاستعداد الأخلاقي» يقسم كلًّا من هذه الأشياء ثلاثة أقسام، كل قسم منها يقابل درجة من درجات اللذة عند أرسطبس، وسنشرح ذلك بعد أن نبين عن الأقسام التي وضعها أرسطوطاليس لهذه الأشياء.

فالخيرات عند أرسطوطاليس على ثلاثة أنواع:

  • (أ)خيرات خارجية.
  • (ب)خيرات النفس.
  • (جـ)خيرات البدن.

وعناصر النفس عنده ثلاثة:

  • (أ)الشهوات.
  • (ب)الخواص.
  • (جـ)العادات.

والاستعداد الأخلاقي عنده على ثلاث درجات:

  • (أ)إفراط.
  • (ب)فضيلة.
  • (جـ)تفريط.

فإذا رجعنا إلى كلامنا من قبل في الفصل الثالث (أبيقور وشروح في فلسفة أرسطبس، رأينا أنَّ اصطلاح اللذة لم يؤدِّ عند أرسطبس أدنى ما تصل إليه الانفعالات عند أبيقور، كما ذهب البعض، بل عبر عن حد ليس بالأدنى ولا بالأعلى في قياس الانفعالات من طريق إيجابي صرف، ثم وضحنا هذه النظرية بنظرية نفسية تُعرف عند علماء النفس بنظرية الوعي، ومثلنا لنظرية أرسطبس بالبيان الآتي مع تحوير قليل في التفاصيل:

figure2

وهنا نرجع إلى شرح أقسام أرسطوطاليس، ونقارنها بدرجات اللذة عند أرسطبس، وسوف نجد أنَّ كل قسم من أقسام أرسطوطاليس يقابله درجة من درجات اللذة عند أرسطبس، ولا شك عندي في أن بين أقسام أرسطوطاليس وبين درجات اللذة عند أرسطبس أكبر الآصرة.

وسنمضي في المقارنة بين تقسيم الفيلسوفين على الطريقة التي يتبعها الإحصائيون في بيان نسبة الإحصائيات بالرسوم، ليكون ذلك أبْيَن وأجلى، على أن نعرف أن الخيرات عند أرسطوطاليس هي «السعادة» وعناصر النفس هي «الطبع» والاستعداد الأخلاقي هي «الملكات».

figure

وليس لنا أن نمضي في المناقشة في هذه الأقسام بعد هذا البيان، بل نكتفي بأن نورد أقوال أرسطوطاليس فيها، ولا شكَّ عندي في أن كل من درس مبادئ القورينيين التي شرحناها من قبل يستطيع أن يدرك منها الحقيقة التي نريد إثباتها.

قال أرسطوطاليس في ص٣٤٠ جزء أول الباب الخامس من الكتاب الثاني في الأخلاق ما يلي:

ليس في النفس إلا ثلاثة عناصر؛ الشهوات أو الانفعالات، والخواص، والملكات المكتسبة أو العادات، فيلزم أن تكون الفضيلة واحدة من هذه الأخلاق.

وجاء في ص٢٥٨ وما بعدها ج١ الباب الثامن من الكتاب الثاني ما يلي:

الاستعدادات الأخلاقيَّة الثلاثة التي منها رذيلتان: إحداهما بالإفراط، والأخرى بالتفريط، ومنها فضيلة واحدة تكون في الوسط بين الطرفين؛ هي كلها بوجه ما متضادة بعضها لبعض، فبديًّا الطرفان للوسط، ومتضادان بينهما أيضًا، ثمَّ إن الوسط هو مضاد للطرفين، كما أنَّ المساوي — مقارنًا بالحد الأصغر — هو أكبر من هذا الحد وأصغر من الحد الأكبر في نسبته له، كذلك الكيوف والاستعدادات المتوسطة في تناسبها مع الاستعدادات بالتفريط تظهر إفراطات، وبالضدِّ في نسبتها إلى الاستعدادات بالإفراط تصير هي نفسها بوجه ما، تفريطات في الانفعالات وفي الأفعال على السواء.

وجاء في ص٢٦١ جزء أوَّل الباب التاسع من الكتاب الثاني ما يلي:

قد بان حينئذ أنَّ الفضيلة الأخلاقية هي وسط، وقد علم كيف هي، أعني أنها وسط بين رذيلتين: إحداهما بالإفراط، والأخرى بالتفريط، وقد بان أيضًا أنَّ مميز الفضيلة هذا، يأتي من أنها تطلب دائمًا هذا الوسط القيم في كل ما يتعلق بانفعالات الإنسان وأفعاله، تلك نقط يظهر أنها وضحت تمامًا، يجب علينا أن نفهم أيضًا من ذلك؛ لماذا يجد الإنسان مشقة في أن يكون فاضلًا، فإنَّ إدراك الوسط في كل شيء أمر صعب جدًّا، كما أن استكشاف مركز دائرة لا يتيسر لجميع الناس، وأنه يلزم لإيجاده بالضبط أن يعرف المرء حل هذه النظرية.

إن أوَّل ما يُعنى به من يريد أن يصيب ذلك الوسط القيم هو أن يبتعد عن الرذيلة التي هي أشد ما يكون تضادًا وإياه.

لأنَّ هذين الطرفين أحدهما هو دائمًا أكبر إثمًا والآخر أقل، ولما أنه من الصعب جدًّا إيجاد هذا الوسط المرغوب فيه، لزم إذن أن يقال بتغيير الطرائق والأخذ بأقل الشرَّين.

على هذا يجب علينا أن نعلم حقَّ العلم، الميول التي هي فينا أدخَلُ في الطبع؛ لأن الطبع يعطينا ميولًا مختلفة جدًّا، وإن ما يجعلنا نعرف ذلك بسهولة، هي انفعالات اللذة أو الألم التي نشعر بها.

يلزم أن نجعل أنفسنا نميل نحو الجهة المضادة؛ لأنَّنا بابتعادنا بكل قوانا عن الخطيئة التي نخشاها، نقف في الوسط كما يُفْعل تقريبًا حينما يطلب تقويم قطعة خشب معوجة.

إنَّ الخطر الذي يلزم دائمًا اتقاؤه بغاية الانتباه، هو ذلك الذي يرضينا، هو اللَّذة؛ لأننا لا نكون البتة في هذه الحالة قضاة لا يرتشون.

ثم جاء بعد ذلك:

لأجل تلخيص فكرتنا في بعض كلمات، نقول إننا بهذا السلوك على الأخص ننجح في إيجاد الوسط والخير، وفي الحقيقة إنها نقطة صعبة، وإنها لكذلك على الخصوص في مجرى الحياة اليومية، مثال ذلك أنه ليس من السهل أن نعين بالضبط سلفًا، كيف، وضِد مَنْ، ولأي سبب، ولأي مدة من الزمن؛ ينبغي للإنسان أن يغضب؛ لأننا تارة يجب علينا أن نمدح أولئك الذين يقصرون عن هذا الحد ويمتنعون، ونقول إنهم مملوءون حلمًا، وتارة نمدح كذلك الذين يغضبون ونجد فيهم حزمًا خليقًا بالرجل.

حق إنَّ من لا يحيد إلا قليلًا جدًّا عن الخير، لا يستهدف للذم سواء حاد عنه إلى جهة الأكثر، أو حاد إلى جهة الأقل، في حين أن الذي يبتعد عنه أكثر لا يمكن أن يفر من الانتقاد على خطيئة امرئ يراها.

ثم يجيء بعد ذلك:

ومهما يكن فإن من الواضح أنَّ الملَكة الوسطى هي وحدها الممدوحة، وأنَّه لتقويم أنفسنا يلزمنا أن نميل تارة نحو الإفراط، وتارة نحو التفريط؛ لأننا بهذه المثابة يمكننا بأسهل ما يكون أن نصيب الوسط والخير. ا.ﻫ.

وبعد، فهذا هو تلخيص أرسطوطاليس الذي يعقب به على تقاسيمه التي أوردناها وقابلناها بدرجات اللذة عند أرسطبس.

وهل تجد من الشرح والبيان ما هو أروع من تفسير أرسطوطاليس لفضيلة «الوسط» التي هي لذة (حركة لطيفة) عند أرسطبس؟

أما إذا كانت الملكة الوسطى هي وحدها الممدوحة كما يقول أرسطوطاليس، وأن تقويم النفس، على ما يقول، يلزمنا أن نميل تارة نحو الإفراط (الألم) وتارة نحو التفريط (التحرر من اللذة والألم) لأننا بهذه المثابة يمكننا بأسهل ما يكون أن نصيب الوسط والخير (الحركة اللطيفة)؛ أي اللذة عند أرسطبس، فأي شيء بقي بعد ذلك من مذهب أرسطبس لم يدخل في مذهب أرسطوطاليس الأخلاقي؟ وأي شيء من مذهب أرسطوطاليس في السعادة لم يرجع إلى هيدونية أرسطبس؟

ورأيُنا الأخير أن مذهب أرسطوطاليس لا يختلف عن مذهب أرسطبس من حيث القواعد، إلا في موضعين:

  • الأول: أنَّ أرسطبس يحدد الخير بأنَّه اللذة، على أن تكون «حركة لطيفة» لا إفراط فيها فتصبح ألمًا، ولا تفريط فيها فتصبح سلبًا، في حين أن أرسطوطاليس يقول بأن الخير هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه الفاعلية مقودة بالفضيلة.
  • والثاني: أن أرسطبس يقيم مذهبه على اللذة والألم، وهما من جوهر الطبع، في حين أن أرسطو يقيم مذهبه على مثالية عليا، وبالأحرى على مجهولات.

ولا شك في أن مذهب أرسطبس أقرب إلى أساليب العلم الحديث من مذهب أرسطوطاليس.

هوامش

(١) راجع أفلاطون في «الجمهورية»، وأرسطوطاليس في «ما بعد الطبيعة».

(٢) «موسوعة الدين والآداب» ج٤، ص٣٨٣.

(٣) «ديوجنيس لايرتيوس» ج٢، ص٩٢.

(٤) وإليك ما أثبته القفطي في كتابه «تاريخ الحكماء» ص٧٠، طبع ليبزج سنة ١٣٢٠ﻫ: أرسطفس أو أرسطبس من أهل قورينا وقيل إن قورينا في القديم هي رَفَنِيَّة بالشام عند حمص — والله أعلم، وقد رأيته مكتوبًا في موضع الرَّفَنِيِّ هذا من فلاسفة اليونانيين له ذكر وتصدر، وكانت له شيعة، وفلسفته هي الفلسفة الأولى قبل أن تتحقق الفلسفة، وكانت فرقته من الفرق السبع التي ذكرناهم في ترجمة أفلاطون، وكان أصحابه يعرفونه بالقورينانيين نسبة إلى البلد، وجُهلت فلسفتهم في آخر الزمان، لما تحققت فلسفة المشائين. وله من الكتب المصنفة كتاب «الجبر» يعرف بالحدود، نقل هذا الكتاب وأصلحه أبو الوفاء محمد بن محمد الحاسب، وله أيضًا شرحه وعلله بالبراهين الهندسية. ا.ﻫ.

(٥) إن لفظتي «خير وشر» لا يصاغ منهما أفعل تفضيل، ولكن المعنى لا يتم هنا إلا بمخالفة هذه القاعدة، والسياق بمخالفتها أروع، والأسلوب أكثر سبكًا.

(٦) القول بأن اللذة إحساس عام لجميع الكائنات الحية، أصل من أصول المذهب القوريني الرسيسة، وأما القول بأن اللذة توجد على أثر جميع الأفعال المتروكة لإيثارنا واختيارنا الحر؛ فإطلاق وتعميم، لا يسلم الباحث معهما من الزلل، ذلك بأنَّ الآلام توجد أيضًا على أثر كثير من الأفعال المتروكة لإيثارنا واختيارنا الحر، وأكثر الأفعال التي نقول بأنَّ مصدرها «الفضيلة» تنتج آلامًا، وجماعها متروك لإيثارنا واختيارنا الحر.

(٧) عُني أرسطبس بهذا الأمر عناية كبيرة، وبحثه كل رجال مذهبه بحثًا وافيًا، فإنهم لما رأوا أن فلسفة اللذة قد يُساء فهمها، عنوا كل العناية بالبحث في كيف نحسن أو نسيء التلذذ والتألم، ولعل هذا الأمر هو الذي حمل أبيقور على أن يختار الجانب السلبي من المذهب.

الصفحة السابقة 1 2 3
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading