مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

الحذاء الذي حضر المؤتمر- بلعربي خالد

589828648 831286263013197 3933732521208576441 n

مونودراما:

الشخصيات:

الحذاء الأيمن: حذاء أسود فاخر، لامع، متغطرس ظاهريًا، مكسور داخليًا.

الجورب: صوفي باهت، مثقوب من الفوق ومن عند الإبهام، صادق حتى القذارة.

المكان

ورشة إسكافي قديمة.

طاولة خشبية، ضوء أصفر خافت، رائحة غراء وجلـد عتيق.

المشهد الاول:

(صمت.

زفير عميق يخرج من الحذاء الموضوع على الطاولة.

يتحرّك قليلًا… يتأكد أن الإسكافي غير موجود).

الحذاء

أخيرًا…

رحل العجوز برائحة التبغ الرخيص.

يفركني بخرقة قذرة ويظن أن اللمعان يُصلح الحقيقة!

نحن لا نلمع كي نُعجب،

نلمع كي نُضلّل.

(يتألم فجأة)

آه… كاحلي!

صاحبي سعادة المدير العام

يميل دائمًا نحو الجيب الأثقل…

جيب الرشاوى.

يمشي بميلٍ لا تراه العيون،

لكنني أحمله كل يوم.

اليوم مؤتمر صحفي…

مؤتمر الشفافية!

تركَني هنا لأتلألأ،

ليصعد إلى المنصة كقدّيسٍ مؤقت.

(يهمس للجمهور)

لو كانت الكاميرات ترى ما تحت الأقدام،

لاعتزلت العدسات مهنتها خجلًا.

(يقترب من الجمهور، يهمس)

هل تريدون سرًّا؟

في الأسبوع الماضي،

وقفنا ـ أنا وأخي الحذاء الأيسر ـ

تحت طاولة مطعمٍ مظلم.

كان سعادته يهزّ رجله بتوتر

وهو يقبض ثمن “تسهيل” معاملة أرملةٍ مسكينة.

سقطت قطرة عرق من جبينه على جلدي…

لم تكن عرقَ تعب،

كانت عرق خوف.

مسحها بمنديل حريري،

وواصل الابتسام.

نحن الأحذية نشمّ رائحة النفاق

قبل أن تصل إلى الأنوف.

رائحتها تشبه

العفن…

مغسولًا بماء الورد.

(يتحرك بعصبية فوق الطاولة)

في المؤتمر،

سيقف خلف الميكروفون.

سيتحدث عن الأمانة…

عن بناء الوطن.

وسأكون أنا هناك،

أضغط على أصابع قدمه المتورّمة.

أتمنى لو أستطيع أن أنكمش فجأة،

أن أعصره حتى يصرخ:

«أنا لص!»

لكنني مجرد جلد ميت

أليس كذلك؟

جلدٌ ميت

يحمل جسدًا

ميتَ الضمير.

(يقلد صوت المسؤول بنبرة متعالية)

«أيها السادة…

نحن نعمل من أجل المواطن…

ننام وأعيننا ساهرة على مصلحة الشعب…»

(يعود لصوته)

كاذب.

إنه ينام وأذنه ملتصقة بالهاتف

ينتظر رنّة التحويل البنكي.

حتى مشيته تغيّرت…

صار يمشي بخفّة اللصوص.

يضع مقدّمة الحذاء قبل الكعب،

كأنه يخشى أن تسمع الأرض

دبيب خطاياه

(حركة من داخل الحذاء.

يبرز الجورب ببطء، كمن يخرج من حفرة).

الجورب (بصوت مبحوح)

كفى ثرثرة أيها الجلد الإيطالي المتغطرس!

أنت تتحدث عن المؤتمرات،

وأنا أعيش الجحيم هنا!

الحذاء (باشمئزاز)

آه… استيقظ الرفيق البائس.

عد إلى الداخل، رائحتك تفوح بالبيروقراطية.

الجورب (ضاحكًا بمرارة)

أنا الحقيقة التي تغطيها بلمعانك.

بدلة بألف روبل،

حذاء كمرآة القيصر،

وجورب مثقوب!

هذا مبدأ صاحبي:

ما لا يُرى… لا يُحاسَب.

الحذاء

كان يعدّل ربطة عنقه نصف ساعة،

بينما إبهامه يخرج منك

كجاسوسٍ يتلصص على السجادة!

الجورب

أنا أرشيف نفاقه.

حرير في الخارج،

خرق في الداخل.

في الاجتماعات،

يضع رجلًا فوق رجل،

وأرتعد خوفًا من أن يظهر ثقبي…

لو ظهر، لسقطت هيبة الدولة!

الحذاء (بخبث)

تخيل لو انفردتُ عنه فجأة؟

لو انقطع خيطي

وخرجتَ أنت لتحيي الصحفيين؟

الجورب

سيكون ذلك

أصدق من كل خطاباته.

قدمُه ترتجف بداخلي

كلما ذُكر اسم لجنة التحقيق.

يعرق،

يغرقني بعرقه البارد،

ثم يقول:

«الجو حار بسبب ضغط العمل».

الحذاء

إسكافي يرمم جلدي،

وخياط يرقع قماشه…

وهو يحتاج

إلى إعادة خياطة لروحه.

(صوت خطوات. الجورب يعود مسرعًا).

الجورب

صه!

الإسكافي يقترب.

(يدخل الإسكافي. صوت الفرشاة. إظلام جزئي).

المشهد الختامي: العودة من المؤتمر

(ضوء خافت.

الحذاء والجورب الآن على القدم.

صوت تلفاز بعيد: تصفيق، شعارات).

الحذاء (متعب)

عاد…

صافح، ابتسم، كذب بنجاح.

لمعتُ أكثر من اللازم اليوم…

حتى أنني رأيت صورته فيّ،

ولم يرمش.

الجورب (منهك)

قال: «سنحاسب الفاسدين».

وعندما صفقوا،

ارتعشت قدمه…

حتى بلّلتني.

الحذاء

خطوة واحدة فقط

بينه وبين السقوط…

لكن الأرض صامتة.

الجورب

نحن نحمل السر…

لكننا لا نمشي وحدنا.

(صمت. صوت خطواته وهو يخلع الحذاء بعنف).

الحذاء (بهمس أخير للجمهور)

تذكروا…

إذا رأيتم حذاءً يلمع أكثر من اللازم،

فتأكدوا

أن الحقيقة تختبئ

في جوربٍ مثقوب.

(إظلام تام.

يُسمع صوت سقوط عملة معدنية على الأرض).

بلعربي خالد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading