مقالات فكرية

فلسفة اللذة والألم:في تطبيق المذهب على الحقائق الجديدة✍️إسماعيل مظهر (5)

Cover of a book titled 'فلسفة الذات والألم' featuring a sculpture of a sphinx on a pedestal.

«كان أنِّقْريز» من معاصري هِجِسْياس، ولقد بلغت الآداب القورينية بظهوره أسمى مبلغ من الصفاء والتهذيب، على أنه كان ابن عصره، طبع بطابعه ودرج على سنته، فإنه لم يكن أثبت من هِجِسْياس عقيدة في توقع الحصول على السعادة الفعلية، ولكنه قضى بأن الحكيم «سعيد» وإن كان نصيبه من اللذة ضئيلًا جهد تصورك.

حقائق العلم

قضينا بأنَّ مذهب أرسطبس أقرب إلى أساليب العلم الحديث من مذهب أرسطوطاليس، وقصدنا بهذا أنَّ مذهب أرسطبس مذهب عملي، يقومُ على أصول ثابتة في جوهر الطبع، فهل في علم النفس الحديث ما يؤيّد هذا المذهب الذي نذهبه في تعريف المذهب القوريني؟ يخيل إليَّ أنَّ طرق البحث في الطبيعة الإنسانية تُؤيد مذهب أرسطبس تأييدًا كبيرًا، فهو يغلّب الشهوة والميول على العقل وعلى الإرادة، ويجعل السيطرة في السلوك البشري خاضعة للنواحي المحررة من قسر القوانين الحديدية، تلك التي حاول أرسطوطاليس أن يخضع لها الخلق والسلوك، ذلك بأنَّ تلبية نداء الفطرة، مهما كان فيه من مخالفة للمثل العليا الخيالية، ومهما كان فيه من تعرض للمخاطر وبُعد عن السلام، فإنه أرضى للنفس وأرخى للميول والرغبات.

ولكن هل ما ندعوه الطبع البشري شيء محدود محصور؟ لا شك في أننا لا نستطيع أن نحصر نزعات الطبع البشري في كل التفاصيل التي تتجلى فيها مظاهره، ولكن في مُكنتنا أن نحصر الكليات التي تنطوي تحتها ظواهر الطبع البشري، والتي نجد في كل لغة من اللغات ألفاظًا تدل على التعريف بما يقصد منها، ولا شك في أنك إذا قلت «الطبع البشري» فإنما تقصد بذلك مجموعة من الصفات الفطرية تتجلَّى مظاهرها في كل أفراد النوع البشري، أمراء وصعاليك، علماء وجهلاء، نبلاء ودهماء، أغنياء وفقراء.

يدلك على صحة هذا القول أنه لا يستعصي عليك — بقليل من صفاء النفس والحب والعطف — أن تكسب صداقة من تريد من الناس، مهما بَعُدَ ما بينك وبينهم من الفوارق الثقافية والسلالية، ذلك بأن الطبع البشري أصيل في كل الناس، ولا شكَّ في أنه يستجيب لبواعث بعينها، ويستيقظ مطاوعة لمنبهات خلقية واحدة، ولا شبهة في أنك لا تحتاج إلى وسيلة اللغة لتوقظ في غيرك استجابات الطبع، فإنَّ الابتسامة توقظ الابتسامة، والخير يوقظ الخير، والحزن يوقظ الشفقة، والألم يبعث العطف، كذلك نجد أن الغضب والخوف والمقت والتعجب والفخر والاستكانة والحب إلى غير ذلك من الصفات الفطرية؛ تظهر ملابسة لصور واحدة، وتتبعها حركات وإشارات لا تتغير على وجه التقريب بتغير الأفراد والشعوب، وليس هذا بمحصور في الأفراد البالغين، فإن الأطفال الذين لا يستطيعون استعمال كثير من الكلمات يفقهون من تلك الحركات والإشارات نفس ما تؤديه الكلمات، وتستقوي عليهم معها نفس الاستجابات التي توحي بها اللغة، وهنالك أشخاص يرهبهم الأطفال على اختلاف سلالاتهم، وهنالك غيرهم يألفهم الأطفال ويَلجئون إلى أحضانهم وعلى شفاههم ابتسامة الغبطة والحبور.

وفي كل هذا براهين ظاهرة على أن خصائص الطبع البشري مشاع بين كل السلالات البشرية، ولكن ممَّ تتكون هذه الصفات؟ وإلى أي حد يذهب أثرها؟ وعلى أن العلم يعجز عن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة على صورة محدودة كاملة، فإن شرح بعض الأصول التي يتكون منها الطبع البشري يكفي في هذا الموطن للدلالة على ما نقصد من الكلام، في أن مذهب أرسطبس أقرب إلى مطالب الطبع البشري من كل المذاهب الأخلاقية التي ذاعت في بلاد الإغريق القديمة، وعلى الأخص فلسفة أرسطوطاليس.

وليس لنا في هذا الموطن أن نستطرد إلى بحث كل من تلك الصفات الفطرية، ولكن لنا أن نعدد أكثرها أثرًا في سلوك الإنسان، وأظن أن مجرد تعدادها يظهر الباحث على أنها من خصائص الطبع وليست الملكات التي تكسب بالمرانة والعادة، وإليك هي:

  • (١) الذكاء.
  • (٢) الميول الانفعالية.
  • (٣) قواسر الطبع.
  • (٤) الميل الجنسي.

هذه بعض الطبائع الرئيسة في فطرة الإنسان، وتحت كل منها ينطوي عدد من الصفات الثابتة في تضاعيفه، فهل يجدر بنا أن ننكرها لنقول بالمثاليات، أم ندرسها لنهذبها ونضبط انفعالاتها، ودرجات تنوحها بين حدي الإفراط والتفريط.

إن أرسطوطاليس يقول بنكرانها البتة بجانب المثاليات التي يدعو إليها، بل يقول بقمعها لتصح نظرياته، أما أرسطبس فيعترف بها ليستطيع أن يحكمها ويهذبها، وهذا فرق بين فلسفة المعلم الأول، ومذهب الفيلسوف القوريني، ولهذا كان اعتماد أهل الكلام على فلسفة أرسطوطاليس عامًّا شاملًا، كما أن نفورهم من أصحاب اللذة والقائلين بالمذهب الذري كان عامًّا شاملًا.

ولكن لنا أن نتساءل بجانب هذا: متى، وفي أي عصر من العصور استقوت النظريات الأخلاقية على نزعات الطبع؟ وفي أية جماعة من الجماعات الإنسانية استطاع المنطق — مهما كان سليمًا — أن يخضع الميول والشهوات؟ إنما يكون الطريق إلى تحويل النزعات وتهذيبها ممهدًا ذلولًا، والعمل في سبيل الاستقواء على بعض الميول الدنية بتقوية بعض الميول السامية ممكنًا مستطاعًا، إذا نحن أكببنا على درسها الدرس الوافر أو تحليل أجزائها والنظر في مفصلاتها نظرًا شاملًا صحيحًا، وكيف يمكن الوصول إلى هذا إذا نحن أنكرنا خصائص الطبع وميول الفطرة وحاولنا أن نقمعها بالنظريات والمنطق؟

أودكسس هيدوني متقشف

يقول العلَّامة جومبرتز إنَّه مهما يكن من أمر فإنَّ الواجب يدعونا لأن نحتفظ بالمذهب القوريني في اللذَّة منفصلًا عن الصفات الشخصية ونواحي السلوك العملي التي اتصف بها مؤسس هذا المذهب.١

أما الضرورة التي تحفز بعض الكتَّاب إلى الفصل بين شخصية أرسطبس ومذهبه فتظهر جلية، إذا رجعنا إلى حالة مشابهة ذكرناها ومثلنا فيها بالفيلسوف أودكسس الذي وضع مذهبه في الأخلاق على نفس القاعدة التي اتخذها أرسطبس أساسًا لفلسفته، وهي الحصول على «اللذة»، بل قضى بأن كل المخلوقات — عاقلة وغير عاقلة — إنما تتطلع إلى «اللذة»،٢ ولكنه ظل في حياته الخاصة — كما قال أرسطوطاليس — بعيدًا جهد البعد عن كل سعي في سبيل اللذة، وقد أفلح في أن يضم إلى مذهبه عددًا عديدًا من الأتباع الذين أجلوا فيه سلوكه وأنزلوه منزلة التقديس والاحترام الكلي، وما حياة الفيلسوف جرمي بنتام في الأعصر الحديثة إلا مثلًا متجددًا من فيلسوف القدماء، فقد عاش بنتام طوال حياته مكبًّا كل الإكباب على العمل المنتج، راضي النفس، مضحيًا بكل لذائذه في سبيل أن يرفع مستوى الحياة الإنسانية.

تقلبات المذهب القوريني عند النظر في الحياة الإنسانية

يدلنا تاريخ المذهب القوريني على أن وجهة النظر التي نظر من ناحيتها أعلام المذهب في الحياة الإنسانية، قد انتابتها تغايرات عديدة، ولقد دار الخلاف بينهم على أمرين: الأول: هل السعادة شيء في منال الإنسان؟ والثاني: مم تتكون السعادة؟

وعلى الرغم من الخلاف الذي قام حول البحث عن جواب مقنع لهذين الأمرين، فإن الفكرة الأساسية التي قام عليها المذهب ظلَّت ثابتة لم تتغير ولم تعصف من حولها رياح الفكر، أما العنصر الطبيعي الذي تقوم عليه تلك الفكرة الأساسية واستنتاجها للنواميس الأدبية من «الحياة الطيبة» التي تحياها «الذات» فأمر شائع في كل المذاهب الأدبية التي نُقلت عن القدماء، فإن كل المذاهب إنما ترتكز على أساس رمى واضعوه إلى العمل على خير الإنسانية Eudaimonism، وسواء أسمينا الغاية أو الغرض من الحياة «سعادة» أم حللنا ذلك الغرض وتلك الغاية على غموضهما واختلاط مكوناتهما إلى عناصرهما الأولية، ويقصد بها الإحساسات الفردية المصبوغة بصبغة «اللذة» ومن مجموعها تتكون السعادة، فإن المبدأ يظل واحدًا غير متأثر بأي أثر خارجي.

بالرغم من هذا كله يبقى أمامنا سؤالان خطيران لتفهُّم حقيقة المذهب: أولهما: «ما هي العناصر العملية التي يقوم عليها هذا المذهب أو غيره من المذاهب الأخلاقية؟» وثانيهما: «كيف يمكن استنتاج قواعد السلوك التي يدعو إليها هذا المذهب استنتاجًا نظريًّا من المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها؟»

العناصر العملية في المذهب القوريني

ليس لدينا من مصادر صحيحة مفصلة الأبواب يمكن الاعتماد عليها في درس العناصر العملية التي يقوم عليها المذهب القوريني باعتباره مذهبًا أدبيًّا، على أن انعدام المصادر نفسه مع القليل مما وصل إلينا عن حقيقة هذا المذهب، كمذهب أدبي، من العبارات التي لا تقلُّ عن مقطوعة ولا تزيد عن مقطوعتين، يمكن أن نستنتج معه أن مثل الحياة التي عكف عليها هؤلاء السقراطيون لا تختلف كثيرًا عن المثل التقليدية التي عُرف بها المذهب السقراطي، ويقال: إنَّ أرسطبس نفسه قد أجاب على سؤال وُجه إليه مرة «عما هو الخير الذي يُمكن أن يجنى من الفلسفة؟» فقال: «إنَّ الغرض الأول منها هو أن تمكن الفيلسوف من أن يعيش حتى لو فرض وألغيت كل الشرائع كما كان يعيش وهي قائمة.»

على أنَّ القيمة التاريخية التي يمكن أن تعزى إلى مثل هذه الأقول المأثورة وما يجري مجراها من الأمثال والحِكم؛ ضئيلة من غير شبهة، وكلمة مأثورة كهذه على الرغم من أننا نكاد نجزم بأنها لم تُقَلْ إلا لتظهر مقدار ما يسمو إليه ذو الحكمة من الاستعلاء فوق قسر الشرائع، لا يمكن أن تنتحل على رأس المدرسة القورينية ومؤسسها، إذا كانت تختلف في مرماها وغايتها مع المثاليات المقبولة في المذهب القوريني، شأن نظام الكلبيين مثلًا.

وهذا التخريج يكون — ولا شبهة — أكثر تقبلًا لدى الباحث، إذا عرف أن كل الذين أكبوا على درس الفلسفة اليوناينة لم يعثروا في طيات المذهب القوريني على إشارة أو بادرة أو معنى يرمي إلى معاندة النظام الاجتماعي، وأنَّ كل رجال هذا المذهب حتى من تطرف منهم في الهرطقة الدينية مثل ثيوذورس كانوا على أحسن صلات الود مع حكام عصورهم، وفي هذا دليل قاطع على أنهم لم يعاندوا النظم الاجتماعية ولا التقاليد لا قولًا ولا فعلًا.

ومما يدل على حقيقة هذا الأمر أن العلَّامة روبرتسون الإنجليزي قد قرر في كتابه «مختصر تاريخ الأخلاق» ص١٣٢، لدى الكلام عن القورينيين أشياء تدل على صحة هذا التخريج، فقال بأن من تعاليم هذه المدرسة «أنَّ النَّاس يجبُ أن ينشدوا اللذة، وأن الاختيار العقلي ونُشدان اللذة، هما غايتا الحياة العقليَّة، تلك التي لا يجبُ أن تَعتبر الفضائل والنفائس الخلقية، إلا وسائل تؤدي إليها.»

قواعد في السلوك تُستنتج نظريًّا من مبادئ جوهرية

ليس بنا من حاجة لأن نكرر القول هنا بأن القورينيين لم يقصدوا باللذةِ اللذةَ الحسيَّة وحدها؛ فقد أشاروا بين الكثير مما أشاروا إليه في مذهبهم، أن الآثار الواحدة التي تتقبلها العين أو تسمعها الأذن إنما تحدث نتائج انفعالية مختلفة، على مقتضى الأحكام التي يجريها عليها العقل،٣ فصرخات الألم التي تؤذينا عندما تخرج من أفواه الذين يتألمون فعلًا، إنما تبعث فينا اللذة عندما تكون في درج استعراض تراجيدي فوق المسرح.

والحقيقة أن هذا المذهب، أو بالأحرى قسمًا منه؛ قد خَصَّ اللذائذ الحسية بأوفر قسط من الانتباه، وعزى إليها أعظم الآثار، ومن أجل هذا أيَّد الفكرة السائدة في استخدام العقاب البدني في دور التعليم وفي تطبيق قانون العقوبات بصرامة.

وهنا ينتقل المذهب برمته إلى أوج جديد تدرجت فيه مبادئ المذهب القوريني الأدبية، وهو أوج دلف فيه المذهب نحو أمرين: الأول: الإمعان في الرفه، والثاني: الإمعان في التشاؤم.

على أن التشاؤم كان الطابع الثابت الذي ترك أثره الباقي في جبين كل ما أخرجت ثقافة ذلك العصر من الآثار.

هجسياس: رسول الموت

بعد أجيال أربعة قطعتها دورة الزمان بعد أرسطبس ظهر «هجسياس Hegesias» الذي كُني «رسول الموت»، ففي كتاب له عنوانه «الانتحار» أو بالتحقيق «الانتحار جوعًا» قد أبان كما أبان في محاضراته عن مفاسد هذه الحياة ونقائصها على صورة حزت في أشد القلوب حبًّا في الحياة، حتى إنَّ أهل الحكم في مدينة الإسكندرية قد اضطروا إلى منعه عن إلقاء محاضراته، ليتقوا بذلك خطر الدعوة إلى الانتحار.

فلا عجب إذن بعد هذا إذا عرفنا أن هذا الفيلسوف قد اعتقد بأن السعادة لا تنال في هذه الحياة، وأن واجب الحكيم ينحصر في اتقاء الشرور أكثر من نشدان الخيرات، على أنَّ الذين لم يتعودوا التغلغل في مختلف الاتصالات الفكرية العميقة، مع ما يتولد عنها من الحنايا والشعاب التي تفرعت فيها الفكرة السقراطية؛ لَيعجبون أشد العجب لما يرون من تواتر فكرة عدم المبالاة في المذهب القوريني، وهي فكرة تكاد تكون خصيصة بمذهب الكلبيين.

فلقد دعا هجسياس إلى عدم المبالاة بكل الظواهر والأمور الخارجية، لا على الصورة أو الطريقة التي دعا بها الكلبيون، ولكن على قاعدة أنه ليس من شيء هو بالطبع ملذ أو مؤلم، بل الجدة والندرة، التي نجد أحدهما في شيء ما أو إشباع الشهوة بالحصول على ذلك الشيء، هي التي تحدث اللذة والألم.

على هذا كان يعلِّم، وإلى هذا كان يدعو، وما هذا لدى الحقيقة سوى مغالاة في التعبير عن شعور صحيح بأن «السعادة» يمكن أن تزيد إلى القدرة على الصبر والاحتمال، وأن تخفف من حدة المشاعر.

وفي مذهب سقراط الذي قال فيه بعدم الاختيار في فعل الشر؛ نرى الجرثومة الأولى لذلك التمادي نحو الخطأ الذي أخذه هِجِسْياس قضية مسلمًا بها، ودعا إليه بعد أن شرب به المذهب القوريني بكل ما أوتي من حماسة وقوة.

لا تكره ولا تبغض بل علِّم وثقِّف، هذا هو الحمل الثقيل الذي حمله هجسياس، ودعا الناس أن يحملوه معه، وإن هذا لَيذكرنا ببعض الفلاسفة المحدثين، مثل: إسبينوزا، وهلفتيوس، فكلاهما بدأ شوطه بمثل هذه المقدمات.

أما العنصر الأصيل في فلسفة هجسياس فينحصر في أنه عارض أرسطبس، فقال: إن التحرر من الألم هو الخير الأسمى، ولهذا فضل الموت على الحياة.٤

تلاقح المذاهب من القورينيين إلى الرواقيين

من الأمثال التي نضربها على تلاقح المذاهب جملة وتفصيلًا، أن المذهب الرواقي — وهو مذهب نشأ من تدرجات دقيقة، تدرَّج فيها المذهب الهيدوني — قد نقل عن هجسياس فكرته في الانتحار، ولكنه جعل الانتحار وسيلة يحقق بها الإنسان حريته إذا أراد، ولا شك في أن هذه الفكرة تنطوي من ورائها فكرة الحياة الأخرى، فكان ذلك من الممهدات الأولية التي أفسحت السبيل لذيوع الديانة النصرانية، بما فيها من فكرات أساسية في الحياة بعد الموت، وفكرة الثواب والعقاب والخلاص وما إلى ذلك.

جمعت الفلسفة الرواقية بين فكرتين، فكما أنها حضت على أن لا يفر الإنسان من القيام بواجب من واجباته فإنها أجازت للإنسان أن يتخلص من حياته وأن يتصرف فيها بكامل حريته، وفي الفكرة الأولى عنصر قوريني أصيل، أما في الثانية فعنصر دخيل منقول عن هجسياس ترجيحًا.

على أن الانتحار عند الأقدمين لم يعتبر قط من كبائر الإثم، فإن أبيقور مثلًا قد حض الناس على أن يوازنوا بدقة بين أن يأتيهم الموت وبين أن يذهبوا للموت بأنفسهم، ولقد انتحر كثير من أتباع أبيقور مثل «لوقرشيوس Lucretius» شاعر الرواقيين المعروف، و«قشيوس Cassius» وكان داعية شديد الخطر ضد الطغاة يدعو إلى قتلهم، و«أتيقوس Atticus» صديق قيقرون الخطيب و«فطرنيوس Petronius» الشهواني الخليع، وديودورس الفيلسوف، ولنا هنا أن نتساءل: هل من علاقة بين فكرة أبيقور هذه وبين دعوة هجسياس للانتحار؟

أما «بلنيوس Pliny» فقد ذهب إلى أن حظ الإنسان من حيث قدرته على التخلص من الحياة يفوق حظ الخالق، ذلك بأن للإنسان القدرة على أن يذهب إلى القبر باختياره، بل قال بأن من أكبر البراهين على كرم العناية القدسية، أنها حبت الناس بكثير من أنواع الأعشاب المسمة التي يجد فيها المتعبون والمتبرمون بالحياة، موتًا سريعًا لا ألم فيه.

غير أنَّ فكرة الانتحار لم تبلغ مبلغها الأقصى إلا في عصر الإمبراطورية الرومانية، وعند رواقيي الرومان، حيث تحددت فكرتها وكملت صورتها الفلسفية، فمنذ عهد من الزمان عهيد، كانت فكرة التضحية بالذات قد حبذت على اعتبار أنها من الطقوس الدينية.

ولقد تجمعت في أواخر العصر الوثني أسباب كثيرة قادت الناس إلى الإخلاد لفكرة التضحية بالذات، ولن تجد من الأشياء الدنيوية ما هو أكثر مسًّا للقلب من ذلك الجدل الشعري الذي حوط به «سنيكا Seneca» الانتحار في عصر نِيرون المستبد الروماني على أنه الملجأ الوحيد للمستبد بهم والمظلومين، والنهاية الحلوة التي ينشدها العقل المضطرب الحائر، قال:

بالموت وحده نعرف أن الحياة ليست عقابًا، وإني لأقف قوي الأعصاب تحت أنواء الحظ والأقدار، إذ أستطيع أن أحتفظ بعقلي غير مضطرب، وأن أمضي به سيدًا لنفسه، فإنَّ لديَّ الملاذ الأخير، ولقد أرى المخلعة وأرى السندان،٥ مهيأة لأن تلقم كل طرف من أطرافي، وكل عصب من أعصابي، غير أني أرى الموت أيضًا بجانب هذه الآلات الجهنمية، إنه يقف بعيدًا عن أن تناله أيدي أعدائي، وقصيًّا عن أن تمتد إليه قدرة عشيرتي، إن العبودية لتفقد ما فيها من مرارة، ما دمتُ قادرًا بخطوة واحدة أن أصل إلى الحرية، ومن كل متاعب الحياة لي في الموت مهرب وملاذ.

أينما أدرت وجهك رأيت رذائل، وإنَّك لترى أيضًا تلك الهاوية السحيقة، ففيها تستطيع أن تهبط إلى الحرية، هل أنت تنشد طريق الحرية والخلاص؟ إنك لتجدها في أي شريان من شرايين جسمك الزائل.

لو خُيرتُ بين ميتة عنيفة وأخرى هينة لينة، فلماذا لا أختار الثانية؟ وكما أختار السفينة التي أمخر فوق ظهرها العباب، والمنزل الذي أعيش فيه، كذلك أستطيع أن أختار الميتة التي أفارق بها الحياة، وليس من شيء يجب أن نكون أكثر حرية في اختياره، منا إذا أردنا أن نموت بطريقة ما.

فارق الحياة بالطريقة التي توحي إليك بها قواسرك كيفما كانت بالسيف أو بالحبل أو بالسم يسري في شرايينك، اقتحم طريقك وحطم سلاسل العبودية، يحاول الإنسان في حياته أن يحوز ما يستحسن غيره، أما ميتته فذلك أمر له وحده حق اختياره، إنَّ القانون الأبدي لم يبدع من شيء أروع من أنَّ للحياة مدخلًا واحدًا، في حين أن لها مخارج كثيرة، لماذا أحتمل آلام الأمراض وقساوة الاستبداد الإنساني، ما دمت قادرًا على أن أحرر نفسي من كل الأوجاع، وأن ألقي بعيدًا بكل الأصفاد والقيود؟ لهذا السبب وحده أرى أن الحياة ليست شرًّا ما دام الإنسان غير مجبر على أن يعيش، إنَّ الإنسان لسعيد طالما أنه لا يعيش شقيًّا إلا بإرادته، إذا حسنت لديك الحياة فعش، أمَّا إذا لم تحسن لديك، فلك الخيار في أن تعود من حيث أتيت.

من هذه الفقرات التي اخترناها من كثير من أشباهها تدرك إلى أي حد بلغت شهوة أكبر ممثل للمدرسة الرواقية وأعظم رجالها تأثيرًا في العصر الروماني في الدفاع عن فكرة الانتحار، ولا شبهة في أن لمذهب هِجِسْياس أثرًا في هذا غير قليل، ولكن ألا نستطيع أن نرد هجسياس والرواقيين معه — وكلاهما فرع من دوحة المذهب القوريني — إلى مبادئ أصيلة عند أرسطبس؟ أليست الحرية التي دعا إليها الرواقيون حتى بالموت صورة ارتكاسية من صور التحرر من الألم؟

ولقد نقل ديوجنيس لايرتيوس (راجع واجبات قيقرون، ج٣، ص٣٣) مقطوعات عن متأخري القورينيين من أمثال ثيوذورس وهجسياس، قضوا فيها بأنَّه من الواجب أن يصفى المذهب القوريني من بعض المقررات التي تضمنتها هيدونية أرسطبس، فقال ثيوذورس بأنَّ أسمى حالات السعادة التي يبلغها الإنسان «حالة من الجدل النفسي»، في حين أن هجسياس قد علم أن كل أعمال الإنسان يجبُ أن ترمي إلى احتقار كل الأشياء الخارجية، وما الحياة عند القدماء إلا صورة خارجية للروح التي هي خالدة، ولا ينبغي لنا أن ننسى بجانب هذا أنَّ الفلسفة القورينية، إنما ترجع في ماهيتها إلى أخلاق مؤسس المذهب وإلى الجو الاجتماعي الذي حوَّط المدينة التي نشأت فيها فلسفته، أكثر من رجوعه إلى احتياج المذهب السقراطي الذي استُمدَّت منه إلى التحوير والتنقيح.٦

أنِّقْريز

كان «أنِّقْريز Anneceris» من معاصري هجسياس، ولقد بلغت بظهوره الآداب القورينية أسمى مبلغ من الصفاء والتهذيب على أنه كان ابن عصره طُبع بطابعه، ودرج على سنته، فإنه لم يكن أثبت من هجسياس عقيدة في توقع الحصول على السعادة الفعلية، ولكنه قضى بأنَّ الحكيم «سعيد» وإن كان نصيبه من اللذة ضئيل جهد تصورك.

والظاهر أنه علم أن نصيب الفرد من السعادة الدنيوية تتمةُ أو تكملة تلك الانفعالات العاطفية التي نطويها تحت عنوان الصداقة وعرفان الجميل والتقوى والوطنية، ولا مراء في أنَّه رفض الاعتقاد بالمذهب القائل بأن «سعادة الصديق يجب أن تُنشد لذاتها»، على أنه مذهب منقوض من ناحية سيكولوجية (نفسية) كما رفض هلفتيوس في الأعصر الحديثة، الاعتقاد بحقيقة المذهب القائل بحب «الخير لمحض الخير» على قاعدة أنَّ القول به تَناقُض نفساني.

ولقد اعتقد أنِّقْريز أنَّ سعادة الغير لا يمكن أن تكون موضع شعور مباشر، ولكنه لم يعتقد كل فعل كثير من الهيدونيين بأنَّ الأصل في انفعالات الغيرية Altruistic Emotions باعتبارها آثارًا ثانوية، إنَّما يرجع إلى مجرَّد النفع خالصًا لوجه النفع، فإنَّ الصداقة عنده لا تقوم على مجرد المنافع التي تجنى منها؛ فحسن النية وحده مفصولًا عن كل مظهر من المظاهر العملية التي قد تصحبه؛ يمكن أن يصبح للصداقة أساسًا كافيًا.

وفضلًا عن هذا فإنه أنصف كل الإنصاف عند الكلام في تلك الحقيقة السيكولوجية التي محصلها أنَّ مشاعر الغيرية — مهما كانت مصادرها وأصولها — تحرز، تدرجًا، قوة مستقلة خاصة بها، وأن هذه المشاعر تحتفظ بتلك القوة حتى ولو لم تتزن مع اللذة، وهذا تفسير رائع لحقيقة الأفعال العكسية المتحولة، وهو المذهب النفسي الذي أدخله پافلوف الروسي في حيز العلم ببحوثه وتجاريبه، والفارق بينه وبين أنِّقْريز ثلاثة وعشرون قرنًا من الزمان، وليس هنا موضع شرح هذا المبدأ، ولسوف نشرحه بعد.

بيد أن أنِّقْريز لم يأخذ هذه الظاهرة على أنَّها حقيقة لا غير، بل إنَّه برر تَضْحية الذات باعتبارها أسمى مراتب الغيرية، مثبتًا أن الحكيم وإن كان يستمسك باللذة على أنها الغرض الأسمى ويتأفف من كل ما ينتقصها؛ فإنه يرضى قانعًا بما ينتقص ملذاته في سبيل الحب لصديقه، على أنه لم يصلنا — مع أشد الأسف — شيء من البراهين التي أقامها على تأييد موقفه وتبرير مذهبه هذا.

ومما يدل أوضح دلالة على أنَّ أنِّقْريز وضع فكرته هذه موضع التنفيذ أنَّ أفلاطون أُسِرَ عندما كان عائدًا من رحلته في «صقلية Sicily»؛ فإنَّ مدينة «أجينا Aegina» كانت في حرب مع أثينا، فلما هبطها أفلاطون أُخذ أسير حرب وسيق إلى سوق الرقيق، غير أن أنِّقْريز — وكان من أصدقائه — افتداه بمال وفك إساره، ولما أراد أفلاطون أن يرد المال لصديقه رفض أنِّقْريز أن يسترد المال، فاشتريت بالمال حديقة بجوار مدفن البطل «أكاديموس Academus» حيث أسس أفلاطون سنة ٣٨٧ق.م مدرسته التي سماها «الأكاديمي» نسبة إلى البطل اليوناني.٧

وعلى الرَّغم من أنَّ أنِّقْريز وتلاميذه قد حاولوا أن يجعلوا مراعاة القيام بالواجبات المدنيَّة والاجتماعية، التي يصح أن تُتخذ حادثة أفلاطون مثلًا عليها من بين الأشياء التي تحدث اللذة، فإنَّهم قد اعترفوا بأنَّ الأعمال الإنسانية التي تؤتى في سبيل الغير لا يمكن أن تتحرر من دوافع الأنانية وحبِّ الذات.٨

والمحصِّل أن أنقرير وتلاميذه قد فضلوا أن يقيموا مذهبهم على قواعد أقرب إلى المذهب الهيدوني لدى أول نشأته، وقد يصحُّ أن يكون هذا سببًا في أن يلحقهم كثير من الكتَّاب بالمذهب الأبيقوري الذي حل بعدهم محلَّ الفلسفة القورينية وتحوَّل عنها، والواقع الذي لا مراء فيه أن أنِّقْريز وشيعته حلقة الوصل بين ذَيْنِكم المذهبين العظيمين.٩

يدلك على صحَّة هذا أن المبادئ القورينية تتضمن لأول وهلة فكرة أنَّ اللذة مرهونة على المشاعر الجسمانية أو بالأحرى على الحالات العضوية، وهذا المذهب أدمجه القورينيون في نظرية المعرفة Theory of Knowledge التي استمدوا عناصرها من بروطاغوراس، أما الخلافات التي وقعت بين أرسطبس والمتأخرين من رجال مذهبه، فينحصر في أن أرسطبس قد عرف اللذة بأنَّها حركة عابرة Passing Motion في حين أن متأخري رجال المذهب قد عرَّفوا اللذة بشيء فيه علاقة بالفكرة الأبيقورية القائلة بأنَّ اللذة عبارة عن حالة أي «حالة» دائمة محررة من الألم.

حلقات وصل بين الأنانية والغيرية

نصل هنا إلى بحث على جانب عظيم من الشأن هو بمثابة الجسر الذي يعبر عليه المذهب القوريني في أوسع معانيه من البحث في سعي الفرد للحصول على سعادته إلى الاعتراف بحقيقة الواجبات الاجتماعية، وما للعواطف الغيرية من قيمة، أمَّا أنَّ المذهب القوريني قد حاول أن يجد في كل ألوانه، وعلى مختلف اتجاهاته، بل ويدعي رجاله بأنَّهم قد عثروا بالفعل على حلقة وصل بين الطرفين: طرف الفرد وطرف المجتمع؛ فأمر لا يساورنا فيه أقلُّ ريب، فعلى الرَّغم من أنَّهم استطاعوا أن يستكشفوا في العرف (العادات والتقاليد) عنصرًا أعمق من العنصر الذي يتخذ قاعدة عامة عند الحكم على ما هو عدل وما هو ظلم، وعلى ما هو نفيس وما هو وضيع، وبالرَّغم من أنهم صرحوا بأن التفريق بين ما هو حق وما هو باطل، إنَّما يقوم بحكم العادة والوضع من ناحية، وبقسر الشرائع من ناحية أخرى، لا بالطبع، وهو مذهب أراد القورينيون كما أراد «هفياس الأليسي Hippias» من قبلهم أن يؤيدوه مستندين إلى ما ظهر من وجوه الخلاف الكبير عند الحكم على مثل هذه الأشياء في مختلف الأزمان وعند مختلف الأمم بالرغم من هذا كله، فإنهم آمنوا كما نستطيع أنْ نثبت بكثير من الشواهد، بأنَّه ينبغي للحكيم أن يتنكب كل ما هو ظلم، وكل ما هو باطل.

أما الأستاذ إردمان فيقول في كتابه «تاريخ الفلسفة»:

إنَّ أرسطبس لا يعترف بأن شيئًا من الأشياء هو حق بالطبيعة، ويقول بأنَّ كل شيء إنما هو نتيجة شريعة أو قانون، ويخفِّف من حدة هذا المذهب قوله: إنَّ الحكيم يعيش بالقوانين كما يعيش بغيرها؛ أي إنَّه لا يؤثر في سلوكه قيام القانون أو عطله.

على أنني لا أرى في قول أرسطبس من الحدة ما يرى الأستاذ إردمان، فضلًا عن أن الأستاذ جومبرتز قد أبدى كثيرًا من الشك في الحكم والأمثال السائرة التي تنسب إلى أرسطبس، وله في ذلك أكبر الحق؛ لأنَّ المذهب الذي لم تصلنا منه إلا نتفًا وفقرات لا يصح أن يعتمد في تفسيره على كلمات مأثورة تنسب إلى واضع المذهب، تنوقلت على مدى أزمان طويلة، من غير أن يقوم على صحة نسبتها إلى أرسطبس أيُّ دليل إلا دعوى قائليها.

•••

عندما تعوزنا الأسانيد الوثيقة الكاملة في بحث أيَّة نقطة من نقط التاريخ فإنَّنا نضطر إلى الاستعانة بالأقيسة التمثيلية Analogy ولا نذهب في تبرير هذا بعيدًا، فإنَّ الأساليب التي اتَّبعها الذين روجوا للمذاهب المتلاحمة، ونقصد بها المذاهب ذوات الآصرة والعلاقة في عصور أخرى، مما يبرر هذه السبيل التي نريد اتباعها، وإنَّ أقرب ما نذكر من أمثال الروابط التي تعبر عليها المذاهب ليتصل بعضها ببعض، ما نرى من عبور فكرة «المصلحة إذا حسن فهمها» من عصر إلى عصر ومن مذهب إلى مذهب؛ فإنَّ هذا الضرب من الموازين الأدبية — وهي الموازين التي تدعو إلى التحرر من الرذائل لما تجر الرذيلة على مرتكبيها من النتائج الضارة، ولأنَّ التحرر من الرذائل يزود الإنسان ببواعث تدفعه إلى فعل الخير — لم يكن بعيدًا عن أذهان القائمين بحركة التجديد الحديث في أوروبا.

وإذا أردنا أن نقف على أسلوب هذه الفكرة في جوهرها، فإننا نقع على تفصيلها في كتاب صغير كتبه «فولني Volney» اللاديني Deist١٠ الفرنسوي مؤلف كتاب الخرائب Ruins، أما ذلك الكتاب الصغير فعنوانه «أصول الإحساس بالخير» ثم «پالي Paley» الآلهي الإنجليزي الذي يحصر عقاب الحياة الأخرى وثوابها في حدين: أولهما «السعادة الشخصية كرائد في الحياة»، و«إرادة الله كقانون» وبهذا تجد أنه أوسع من نطاق فلسفة الحياة، بحيث جعل أثرها يتعدى الدنيا ليشمل الآخرة.

ولقد أشرنا من قبل إلى الخطبة الأخيرة في كتاب أفلاطون المسمى «بروطاغوراس» فنظرنا فيه نظرة أشمل وأدقَّ، أما هنا فنقول بأنه مما لا يبعد احتماله أن يكون أفلاطون قد كتب هذا الكتاب موليًّا بنظره شطر أرسطبس زميله في التلمذة، وهذا الحكم يمكن أن نجعله يشمل ذلك الجزء من كتاب «فيدون Pheado» الذي يحاول أن يثبت فيه أفلاطون أن الفضيلة إنما هي نتيجة التبصر Prudence على أنَّ تأملات شبيهة بهذه هي التي تحتل مركز الدائرة في مذهب أبيقور الأدبي.

لقد اتبع أبيقور خطوات القورينيين في المسائل الأخلاقية غير أنَّ طبيعته المتقدة المتوثبة لم تجد في أسلوبهم الذي اتبعوه لدى استنتاج «النواهي» الخلقية ما يرضيها الرضا الكامل، فإنه لم يرضَ بأن يقف «تهذيب الأخلاق» عند حد وضع القواعد الأولية، فتكون كالأمثال السائرة كقولك: «الأمانة أحسن سياسة»، أو كقولك: «إذا لم توجد الأمانة لوجب أن نوجدها»؛ فإنَّ هذه القاعدة الأخلاقية إذا بلغت هذا الوضع — أي الوضع الذي تصل معه حد التوسط بين «حب الفرد لنفسه» وبين «الخير العام» — لم تصبح بعدُ مجردَ نظرية تحذيرية في الأخلاق، بل وجب أن تكون كقوة القانون، التي تكمل من ناحية، وتنظم من أخرى؛ قوة الرأي العام.

على أنَّ كلًّا من هذين المؤثرين يَظهران جليين في تعاليم القورينيين، فقد اعتبروا أنَّ احترام العقوبات القانونية واحترام الرأي العام مؤثران لهما نتائجهما الثابتة في ضمان حسن السلوك، وقد نجد في العصور الحديثة أن الذين مثلوا هذا الوضع من الفكرة الأخلاقية كانوا جميعًا من القائلين بوجوب «الإصلاح التشريعي» فإن هلفتيوس قد وضع نصب عينيه الوصول إلى غرض واحد هو أن يلبس القانون ذلك الثوب الذي يمكن به التوفيق بين المصالح الذاتية والمصالح العامة، وكذلك بنتام، فإنه حاول أن يحقق هذه الناحية نفسها مستخدمًا في سبيلها كل ما أوتي من قوَّة تفكير ونبوغ، وكل ما خُصَّ به من خصب القريحة وكفاية الخلق والإبداع.

وضح لنا الآن أن أوَّل وجه من أوجه العلاقة بين الذاتية والغيرية، إنما يقوم على احترام القانون واحترام الرأي العام، أمَّا الوجه الثاني فيقوم على فكرة تقدير المشاعر الغيريَّة باعتبارها عنصرًا من عناصر السعادة الذاتية.

وتطبيق هذه الفكرة ينحصر في العمل على «تأصيل» هذه المشاعر، بأن ننسى أصلها الأناني الذي نشأت عنه، وأن نحيا حياة كلها «صبر واحتمال وتضحية» في سبيل ما يعود من خير على إخواننا الذين يعايشوننا باعتبار أن عملنا هذا ما هو إلا وسيلة نَصِلُ من طريقها إلى سعادتنا الذاتية.

ولأجل أن نضرب مثلًا على ما يعني بهذه القاعدة، نذكر كلمة دالمبير المأثورة «إنَّ حب الذات إذا استنار أصبح المصدر الذي تنبع منه تضحية الذات»، أو نذكر تعريف هولباك الذي استعاره من لبنتز في الفضيلة، بأنها «فن إسعاد الذات بالعمل على إسعاد الغير.»

هنالك وجه ثالث في هذا البحث نقع به على حقيقة وسطى تربط بين الذاتية والغيرية، ويكفي فيه أن نرجع إلى الكلام في بعض الحقائق السيكولوجية (النفسية)، فهنالك حالات عديدة استطاعت فيها العادة وتداعي الأفكار Association of Ideas أن تحوِّرا ما كان في أصله وسيلة لأشياء أخرى، وتحولاه إلى غاية مطلوبة لِذاتِها، خذ لذلك مثلًا الرجل البخيل الكانز، فإن جمع المال لذاته ولمجرد جمعه واكتنازه يصبح عنده غاية، بعد أنْ كان في أصله وسيلة لجلب الطيبات والمتعة به، وكذلك الرَّجل المدمن فإنَّ الشُّرب عنده يصبح غاية مطلوبة لذاتها بعد أن كان وسيلة لجلب السرور، وهو يستمر يشرب حتى بعد أن يعجز الشرب عن أن يمده بأي باعث من بواعث السرور، والمشاعر الاجتماعية لا تخرج في طبيعتها عن هذا، فإن هذه المشاعر مؤصلة في الأنانية وقائمة عليها، وهي تستمد قوتها من المدح والذم، ومن الثواب والعقاب، ومن انتظار الفكرة الطيبة، ومن حسن اعتقاد الغير في حسن نيتنا، ومن اشتراك المصالح، وهذه المشاعر تَكتسب بالتدريج قوة تتمكن بها من أن تتحول عن أصلها الذي نشأت عنه، ومن ثم تؤثر في النفس تأثيرًا مستقلًّا تمام الاستقلال عن أصلها الأناني.

وقد نقع على آثار تدلنا على أن الوجهين الثاني والثالث من أوجه العلاقة الهيدونية (إسعاد الذات) وبين الأخلاق الاجتماعية (إسعاد الغير) قد تناوبا التأثير في أخلاقيات أبيقور وفي أخلاقيات القورينيين من قبله، ولا يسعنا إلا أن نُذَكِّر الباحث بما سبق لنا الكلام فيه عند شرح مذهب أنِّقْريز الأخلاقي، وأن نضيف إلى ذلك قولًا ننقله عن هذا الفيلسوف أطلقه على المذهب القوريني في مجموعه، ولم يخصَّ به ناحية بعينها منه فقال: «إنَّ سعادة أوطاننا ورفاهيتها واعتبارها مساوية لسعادتنا؛ كافيةٌ وحدها لأن تغمرنا بالابتهاج.»

تأصيل مشاعر الغيرية ومذهب پافلوف

ما من شكَّ في أن الفيلسوف أنِّقْريز قد بلغ بالمذهب القوريني أسمى المراتب عمليًّا ونظريًّا؛ فإنه من حيث النظر قد بلغ من تصور التضحية بالذات إلى ذروة ما يبلغ التصور من الكمال المستطاع، ومن الوجهة العملية وضع للمذهب قاعدة ثابتة لم يعرف ما لها من أثر إلا ببحوث پافلوف الاختبارية، كما عرفناها نظريًّا من كتابات هرتلي، فإنَّ قول أنِّقْريز: «إن مشاعر الغيرية مهما كانت مصادرها وأصولها تحرز — تدرجًا — قوةً مستقلة خاصة بها، وإن هذه المشاعر تحتفظ بتلك القوة، حتى ولو لم تتزن من اللذة، يدل على أن هذا الفيلسوف قد نفذ ببصيرته الوقادة إلى أعماق لم يبلغها أحد قبله من الذين حاولوا وضع نظريات الأخلاق موضع التطبيق العملي، على أن هذا الأثر الذي خلَّفه أنِّقْريز لم نقف على ما له من نتائج عملية إلا في عصرنا هذا» — خيَّل إلى المشتغلين بالبحث العلمي عندما طغت المادية العلمية على فروع المعرفة الإنسانية في أواخر القرن الثامن عشر بطوله؛ أن الفلسفة قد انقضى عهدها وبادت، فلم تصبح أكثر من أحاديث تذكر عن الماضي، وآدابًا قديمة يقصد بالوقوف عليها تنمية الإطلاع وتوسيع دائرة المعارف؛ أي إنها أضحت وسيلة إلى أغراض ثانوية، وإنها لم تصبح أداة للتأثير في الحياة الإنسانية من طريق عملي.

وكان هذا ولا شكَّ طغيانًا وإفراطًا في تقدير ما للعلم العملي من قيمة، فلما أشرف القرن التاسع عشر على الختام نامت عاصفة العلم وهبط طغيان العلماء؛ إذ بانَ للناس أن للعلم حدًّا يقف عنده، بانَ لهم أن وظيفة العلم تنحصر في وصف الظاهرات الطبيعية وآثارها وعلاقة بعضها ببعض، وأنه بعيد عن أن يفسر «الماهيات» أو يتناول كثيرًا من الأشياء الإنسانية بتجاريبه، وبين جدران معامله، أو في ثنايا قواريره وأنابيبه، بل ظهر لهم أنَّ العلم خدم الفلسفة بقدر ما خدمت الفلسفة العلم، ولكن ما أعطت الفلسفة للعلم، كان أضعافَ ما أعطى العلمُ الفلسفةَ، وما تطبيقات پافلوف إلا مثلًا رائعًا يبين لنا وجوه الارتباط بين الطرفين.

•••

كان الفيلسوف «لوك Locke» الإنجليزي أول من أشار إلى ظاهرة تداعي الأفكار Association of Ideas في درج مبحث من مباحثه في «الفهم الإنساني» ثم عقب عليه الفيلسوف هتشنسون الإنجليزي، فقال بأننا قد «نرغب» في بعض الأشياء التي تكون بذاتها «مُلذَّة»، وقد نميل إلى أشياء أخرى تكون وسيلة للالتذاذ، أما الأشياء التي نرغب فيها لأنها وسيلة إلى اللذة، فقد دعاها «الرغبات الثانويَّة» وقضى بأنها تتحول فتصبح من حيث القوة والأثر في منزلة الأولى، فإننا بمجرد أن ندرك منافع المال أو السلطة، في إرضاء بعض رغباتنا الأصيلة، لا نقف عند حد الرغبة في الانتفاع بهما، بل نتحول إلى حبهما لذاتهما. ثم ظهر مؤلَّف لرجل من رجال الدين يدعى «جاي Gay» ما لبث أن نسي دراكًا، غير أن الواقع أن هرتلي أخذه أساسًا لما كتب في شرح هذه النظرية، ولقد خرج جاي على ما كتب هتشنسون وأنكر أن في الإنسان أية حاسة أدبية فطرية، أو مبدأ أخلاقي أصيل في جبلَّته، يدفعه إلى حب الخير، ولكنه سلم بأن الإنسان الراشد — أي الذي بلغ سن الرشد — تتكون فيه حاسة أدبية، كما يقول هتشنسون، وحاول أن يوفق بين هذا الرأي ومبدأ الفيلسوف لوك في «الرغبات الثانوية».

وفي سنة ١٧٤٧ ظهر كِتاب هرتلي الذي أوسع نطاق هذه النظرية وشرحَها أمتع شرح، وطبَّقها أقْوم تطبيق، وضرب مثلًا بحب المال، فقال: إن المال في ذاته ليس فيه من جمال أو لذة، ولكنه لما كان الأداة التي تمكننا من الاستمتاع بالجمال وجلب اللَّذَّات وإكفاء الكثير من رغباتنا، تحول الحب إليه بالذات، ثم تطرف «المال» في الاستيلاء على النفس، فقضى على كل المثاليات التي كان يرغب الإنسان في الوصول إليها من طريق المال، باعتباره وسيلة، وتفرد هو بالبقاء دونها حتى لترى البخلاء يضحُّون بكل معاني الجمال وينبذون كل لذائذهم في سبيل المال، وكذلك الحال إذا نظرت في حبنا للقوة والسلطة، فإننا إنما نحب القوة لأنها بديًّا وسيلتنا إلى إكفاء كثير من رغباتنا، وما نلبث غير بعيد حتى يشترك حبنا للقوة مع هذه الرغبات، ثم نستدرج إلى حالة نطرح فيها هذه الرغبات ونشغف بالقوة لِذاتها كل شغف، ونهيم بها كل هيام، وعلى هذا فَقِسْ كثيرًا من ظاهرات الخلق الإنساني. أما پافلوف فقد تلقى هذه الظاهرة كنظرية، وأخرجها بتجاريبه علمًا صرفًا.

على أن الفلسفة القديمة لم تهمل النظر في هذه الظاهرة كما قدمنا، فقد تضمنها المذهب القوريني، ونماها أنِّقْريز ثم تلقاها أرسطوطاليس، فتجد في مذهبه الأخلاقي آثارًا منها، وطبَّقها بعض الأبيقوريين على الصداقة، فقالوا بأننا إذا أحببنا أصدقاءنا أول شيء لما تبعث صداقتهم فينا من شعور اللذة، فإن هذا يتحول مع الزمن إلى حب الصديق من أجل ذاته، بعيدًا عن كل الاعتبارات الأخرى.

أما ما تَطَوَّرت إليه هذه النظرية في العصر الحديث؛ فينحصر في تجاريب العالم پافلوف الروسي كما قدمنا، ولقد حصر هذا العالم الكبير كل تجاريبه في الكلاب، فإنه من المعروف أن الكلب إذا رأى قطعة من الحلوى سال لعابه، فكان پافلوف يستغل هذه الظاهرة ويدخل في فم الكلب أنبوبة حتى يتستطيع أن يعرف بالضبط مقدار اللعاب الذي يسيل من فم الكلب عند مرأى الحلوى. وسيل اللعاب في الفم عند تناول الطعام أمر غير اختياري، ولذا سُمي فعلًا عكسيًّا؛ أي إنه أحد تلك الأفعال التي يؤديها الجسم بقاسر ذاتي، ومن غير أن يكون لتجاريب الحياة فيها أقل نصيب

وهنالك كثير من الأفعال العكسية بعضها أصيل، والبعض الآخر مؤصل، ومن هذه الأفعال ما يمكننا مشاهدته في الأطفال، ومنها ما يتأصل على قدر من العمر، ومرور من الأيام، فالطفل يعطس ويتثاءب ويتمطَّط ويرضع ويحول عينيه نحو النور، ويأتي غير ذلك من الأفعال في مختلف أطوار عمره وظروفه، من غير أن يكون في حاجة إلى أن يتلقاها عن غيره، وكل هذه الأفعال تدعى الأفعال العكسية، أو بالأحرى — كما دعاها پافلوف — أفعال عكسية أصيلة Unconditioned Reflex Actions وهي بذاتها التي كانت تدعى من قبل الغرائز Instincts، والغرائز المركبة كغريزة بناء الأعشاش في الطير، تلوح كأنها جملة مندمجة من أفعال عكسية، والأفعال العكسية في الحيوانات الدنيا قلما تؤثر فيها تجاريب الحياة، فإن البعوضة تستمر تحوم حول الضوء، حتى بعد أن يحترق جناحاها، وعلى الضد من ذلك تجد الحال في الحيوانات العليا، فإن تجاريب الحياة فيها لها في هذه الأفعال العكسية الأصيلة تأثير بالغ، ولا يخرج الإنسان عن حكم هذه القاعدة، ولقد حصر پافلوف تجاريبه على سيل اللعاب في فم الكلاب، فخلص من تجاريبه بالقاعدة الآتية التي استخلصها من تحول الأفعال العكسية الأصيلة:

عندما يقترن بالمنبه الذي يبعث أيَّ فعل عكسي أصيل أو يتقدم عليه مرات عديدة أي منبه ثانٍ، فإن هذا المنبه الثاني يحدث مع الزمن نفس الاستجابة Response التي كان يبعثها المنبه الأول في إحداث فعل عكسي متحول Conditioned Reflex Action.

فإنَّ سيل اللعاب فعل عكسي أصيل، لا يحدث أصلًا إلا عند وجود الطعام في الفم، ومن ثم يحصل عند مرأى الطعام أو شمِّ رائحته، أو عند حدوث أية علاقة أو إشارة تسبق مباشرة الأكل، وكل هذه الأفعال يدعوها پافلوف، الأفعال العكسية الأصيلة، على أنك تجد أن نفس الاستجابة (سيل اللعاب) واحدة في الفعل العكسي الأصيل والفعل العكسي المتحول، وأنه لم يجد في الأمر من شيء إلا المنبه Stimulus الذي يشترك أو يتحد مع المنبه الأصلي من طريق التجربة، وهذه القاعدة هي أساس كل تعليم أو استيعاب للمعلومات، وأساس الظاهرة التي كانت تدعى من قبل «تداعي أو اشتراك الأفكار» وأساس تعلم اللغات وأساس استحكام العادات، وعلى الجملة الأساس العملي لكل مناحي السلوك الإنساني الخاضع للتجربة.

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading