مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

الدمغة – فتحي مهذب-تونس

2

كنت مصابا بلوثة خفيفة جاءت نتيجة تراكمات كثيرة،
لعل من أبرزها الدمغة التي تغطيها طبقة من الشعر الكثيف أعلى جبهتي اليسرى
كان الحلاق الذي أرتاد محله كل شهر تقريبا هو الوحيد الذي يعرف حجم هذه الدمغة المتخفية تحت غطاء من شعري المشعث.
كنت أتألم كثيرا عندما يطلق صديقي  الحلاق حبلا طويلا من الزفرات فوق رأسي المهشمة قليلا
وهو بصدد ممارسة فنه الهندسي الجميل بمقص قادر على قطع شريط الكلمات الرمادية التي تغلف مخيلتي.
كنت أشعر بحرج شديد وأنا أحدق في وجهين في المرآة الأمامية الكبيرة.
وجهي الذي يبدو كما لو أنه طائر مذعور يصطفق تحت كلكل القلق.
وجه الحلاق وعيناه المرشوقتان في ذؤابة رأسي تحديدا في قطر الدمغة.
كان يدور حول رأسي مثل ثعلب حول فريسة مستسلمة لمشيئة القدر.
تتطاير كلماته الجائعة في الهواء
باحثة عن ثقوب سهلة لاكتشاف أسرار الدمغة التي تحتل حيزا من جمجمتي المتداعية.
كان يحاول استدراجي لمعرفة ماهية هذه الدمغة بطرق ملتوية
بيد أني لم أسقط في شرك كلماته المتطلعة إلى هتك سجف الحقيقة
كنت أحتفظ بسر الدمغة في بئر نفسي العميقة.
لا أريد أن يطلع أحد على محتوى قصتي المليئة بالتراجيديا.
كان حلاقا ماهرا يعرف كيف يتعامل مع تضاريس ومناخات الأرؤس البشرية لذلك لم أشأ أن أستبدله بحلاق آخر.
وبمرور الوقت صرت أشك في تصرفاته المشينة
إستوقفني ذات يوم وهو محاط بكوكبة من الأصدقاء.
كان ينظر إليهم واضعا يده على شطر جبينه الأيسر في إشارة إلى الدمغة التي تطبع أعلى جبهتي اليسرى
وصار أصدقاؤه يفعلون ما قام به من حركة ملأى بالسخيمة والكراهية.
أدركت أن صديقي الحلاق لم يكن موضع ثقة بما أن دائرة التنمر إتسعت وصار كل واحد يؤول الدمغة الملعونة حسب مزاجه وما تبدعه مخيلته من شذرات مغرضة.
تفاقمت حالتي الصحية
صرت أختفي كثيرا.
ولا أظهر إلا قليلا في الحواري والأماكن الجميلة التي يرتادها الناس.
أخيرا فكرت في خطة للإنتقام من الحلاق.
سأقتله وأمزقه شر ممزق.
فكرت طويلا في إنجاز هذه الخطة الدموية.
لم أكن أعلم أن الدمغة التي توارت تحت شعري
المشعث لم تكن إلا مجرد قناع لحقيقة أشد بشاعة.
في تلك الليلة الليلاء بينما كنت أحضر شفرة الحلاقة الصدئة  التي اختلستها من محله أثناء ذهابه لشراء قهوة الكبوسان .
بدأ ينتابني شعور  بحركة غريبة تحت جلد جبيتي كأن شيئا ينبض، يختلج هناك ينمو يتنفس.
أمسكت المرآة المتشظاة بيدي المرتعشة تحت ضوء الشمعة الخافت رأيت الدمغة تتمدد كبقعة زيت سامة  تلتهم ما تبقى من جلد سليم.
إخترقت عظم جمجمتي بلطف مخادع  كأنها تبحث عن شيء ما  في الأعماق.
أسبلت جناحي بصري المكدود، لكن صورة الحلاق وهو يضحك مع خالصته أصدقائه المقربين إنفجرت خلف  جفني ،فصرخت بغيض أعمى.
إتخذت قرارا حاسما أن الزمن حان.
تسللت إلى محله مساء بينما العالم متأهب للرحيل إلى عوالم النوم الفسيحة.
رائحة النعناع العطن إختلطت وتمازجت مع رائحة الخوف.
كان شبه نائم على كرسيه الجلدي المتشقق.
يداه اللتان تشبهان ساقي نعامة نافقة ملطختان بدماء أسرار كثيرة  ممدودتان دون حركة .
دنوت منه، شفرتي في قبضة يدي اليمنى تلمع كعين شيطان.
لكن قبل أن أنقض عليه ،إلتفت نحوي فجأة .
عيناه لم تكونا عيني إنسان .كانتا تشبهان فتحتين مظلمتين تؤديان إلى لا شيء.
إبتسم  هامسا بصوت لم أسمعه من قبل.
أخيرا ..ظننت أن الدمغة ليست عيبا بل هي باب مفتوح.
أحسست بجبهتي تتمزق كالورقة الغضة الرطبة.
إنسحب الجلد، واللحم  ،والعظم، كاشفا عن فجوة سوداء في رأسي  إنسابت منها أذرع هزيلة لامسة وجه الحلاق بلهفة.صرخ ،لكن صراخه سرعان ما اختنق سريعا.
رأيت جسده يذوب كالشمع  ،يسحب إلى الفراغ الذي فتح في جمجمتي .الدمغة…كانت جائعة.
الآن كلما مررت بمرآة أرى وجوها كثيرة  تطل من الفراغ الأسود.الحلاق وأصدقاؤه  وآخرون لا أعرفهم.أسمع ضحكاتهم تتحول إلى صراخ كلما كلما أطعمت الدمغة المزيد.إنها لا تتوقف عن النمو والإتساع .
وقبل أن أغادر نظرت إلى المرآة للمرة الأخيرة.
وجه جديد يحدق في .لم يكن وجهي المذعور القديم بل وجه آخر أكثر ظلمة وشراسة وانتقاما.
ثم  خرجت إلى الشارع وسط الجموع كأن شيئا لم  يكن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading