إلى أطفال غزة الأبطال – فتحي مهذب
-أنا خائف جدا يا فاطمة
أبي لم يعد إلى البيت
البيت مهدم بمسيرة معادية
أخذوا المصباح من عيني شقيقتي
والكلمات الحلوة
من مشيتها المدللة
أخذوا المستقبل أسيرا
في عربة جيب مظلمة
أنا خائف يا فاطمة
لم يبق أحد في البيت
لم تبق غير أشباحنا تحت الأنقاض
أخذوا برتقالة التفكير
من الخزانة
ذهب علاقاتنا اليومية
من الصالون
ضحكة أبي المجنحة من ألبوم العائلة
خائف جدا يا فاطمة
أبي لم يعد إلى البيت
البيت لم يعد إلى الأهل
مظلم قلبي يا فاطمة
مليء بصراخ مجهول
الخبز يا فاطمة
رأيته محلقا في السماء
يلاحقه سرب من الأطفال الجوعى
تلاحقه الأرملة العجوز
بكرسي متحرك
يلاحقه جارنا الضرير
بعيون المخيلة
أنا خائف يا فاطمة
خائف من اللاشيء
من أزيز المجنزرات المكرور
من غزارة الرماد في وجه النهار
من القناصة داخل شرفة رأسي
يفتحون النار على المستقبل البريء
خائف يا فاطمة
خائف من الجنون
من فأسه القروسطي
وهو يجوب الحواري
ملطخا بأطواق الدم
خائف من قتل العصافير في غابة قلبي
من غيوم عربات الموتى
خائف مثل موريسكي
ضائع في براري النوستالجيا
أنا خائف جدا يا فاطمة
أنا في قاع البئر
منذ نعومة أحزاني
في انتظار قافلة من أقحاح العرب
الماليخوليا ترشق رأسي بالحجارة
خائف أن أتعفن
مثل شاة نافقة
وأكون وجبة طازجة للأشباح
لم يمر أحد من هنا
لانتشالي من ملكوت الظلام
من الوحدة القاتلة
لم يمر عربي واحد من هنا
لم أسمع بعد صهيل أفراس صلاح الدين
عبر مسالك شراييني
لم أحظ يوما واحدا
بسماء صافية مثل صلواتي أمي
الليل الأشيب في قلبي
وفي حديقة رأسي
في قاع كلماتي الحزينة
لم يأت أحد يا فاطمة
أنا خائف ومستاء جدا يا فاطمة
لم يعد أبي إلى البيت
لم يعد بيتنا إلى القرية
فر شجر اللوز من البستان
فرت بصغارها حمامة الأرمل
فر قوس قزح من حقول عباد الشمس
أنا قلق للغاية يا فاطمة
الجوعى يتساقطون مثل الدموع
من عيني الغائمتين
الخوف ينقر شباك الروح
يطارد حائطا طويلا من الأطفال
الخوف يسكن في الأماكن الخربة
في تفاصيل الأشياء
في مواء القطط والكلاب السائبة
في الطرقات المتصدعة
خائف أنا يا فاطمة
الذكريات متجمدة على عمود التليغراف
لم يعد أحد إلى المدرسة
لم يستقبلني شجر الياسمين
بتصفيق حار
كعادته الأثيرة
لم تقرع غير نواقيس الخوف
في ساحات قلوبنا
تبخر كل شيء يا فاطمة
لم يبق أحد في المدرسة
لم تبق المدرسة في القرية
اللاشيء وحده يلوح
بمنديله العبثي.





