النثر الفني

الجسد – فتحي مهذب -تونس

3web

                     

إعتنيتُ به طويلاً مثلُ خادمٍ متفانٍ في معبدٍ بوذا..
أَقصُّ أَظافرَه كلَّما حاولَ الهروبَ إلى طبيعتِه الأُولى..
إِلى عشيرةِ الذئابِ في المرتفعات..
وبعنايةٍ فائقةٍ أَحْلِقُ شعر إِبطيْهِ لِئَلّا أَجرح أحاسيسَ أطفالِه القادمين ببطءٍ من تقاطيعِ عمودِه الفقريّ..
أَقوم بترويضِ وُعولِ متناقضاتِه
في الخلوة..
لِئَلّا يَجِنّ دفعةً واحدة..
ويسقط مثلُ نيزكِ في بركةٍ آسنة..
وكلَّما خذلتْهُ طبيعةُ النقصانِ
أُعزيهُ لِئَلّا يذوبُ مثلُ سمكةٍ في المحيط..
أَو يختفي في أَدغالِ النكسة..
كُلَّما خانَه الآخرون واضطهدتْه الحواسُ في مقتبلِ الضوء..
يرفعُ صلواتِه إِلى بناتِ نعش.
آبقًا من جنازيرِ الشكِّ إلى منصةِ الكلمات ..
هو ينمو مثلُ شجيرةِ جُمّيز ..
أَو فهدٍ يُقلِّمُ نثرَهُ اليوميَّ على حافةِ الغابة..
منتظرًا عبورَ قِرَدَةِ الكسلان
لينقضَّ عليها..
يطيرُ في العتمةِ وأُلاحقُه على صهوةِ رُخ..
لئَِلّا يرتكبُ مجزرةً في عُشِّ الحمام..
أَو يملأ كوابيسَه في سلَّةِ النَّوم..
كانَ مليئًا بزوارق النساء..
بفهارس طويلةٍ من أَسماءِ الحوريات..
وعلى رملِ هواجسِه آثارُ عروسِ البحر..
يذهب الى الفلاسفةِ بروحٍ عرجاءَ
كُلَّما حاولَ التحديقَ في وجهِ الحقيقة..
وقراءَةَ حركاتِ اللاوعي في المرآة..
يحملُه الليلُ والنهارُ مثل رهينة..
ويقتلُه الحنينُ إِلى الميتافيزيقا..
يبني ويهدمُ ديرَ ذاتِه بيديه..
وفي الحاناتِ يبكي كثيرًا..
تزورُه وحوشٌ مهذبةٌ من تجاعيدِ المسنين..
هو ماضٍ الى غبارِ البدايات..
تاركًا دموعَ متصوفة
على مائدةِ العِلَلِ الأُولى..
والعالمُ ماضٍ في دورتِه العدميَّة..
كنتُ أُعزيه مثلُ أَبٍ روحيّ
واعدًا إِياهُ بثمرةِ التناسخ..
إِن العدمَ بابٌ إِلى الوجود..
حيثُ تجدُّد الهيولى في الغياب..
سنطاردُ الموتَ مثل لِصّ..
وفي جيوبنا تشقشقُ مفاتيحُ الأَبديَّة..
هكذا يمضي فاردًا جناحَيْهِ
إِلى طينتِه الأُولى..
حزينًا ومكسورَ الخاطر..
مثل آلافِ المصابيحِ في الحديقة..
ستنام وحدَك في الظلمات..
في انتظار المعجزة ..
بينما اللاشيءُ يعوي في الفلاة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading