مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة في نص فتحي مهذب:إسعاد الموتى بتلميع الأرواح

يعتبر هذا النص نصا مغايرا بأتم معنى الكلمة هو مغاير لأنه يرفض السائد
و المتاداول و الراهن و هذا الخروج عن السائد هو خروج عن السلطة و الرقابة
و الحصار. ستناول النص من حيث اللغة والزمان و المكان و علاقة النص بقارئه المفترض. يظهر هذا القطع مع السائد انطلاقا من العنوان .اسعاد الموتى بتلميع الأرواح حيث تعودنا على العناوين المختزلة لكن العنوان هنا كان شديد الامتداد.
و مظاهر التجديد أيضا تظهر في كسر مرايا التعريفات الكلاسكية للزمان و المكان و في الاعلاء من قيمة اللغة بمعنى جعل اللغة هي النص و النص هو اللغة. من هنا نرى الشاعر يهدم ثم يعيد البناء .و بعبارة أخرى هو يجرب  . فعلى مستوى المكان تعمد الشاعر فتح المكان على العالم و جعله أكثر امتدادا و أكثر اتساعا و أكثر انتشارا في المدى  (ظهر فهد / مصح سري / بيتي / مصبات الأنهار/ نافذتي / مخيلتي / مقبرة مهجورة / الأماكن المظلمة / الإمكان …)
و هي أماكن تتراوح بين الأماكن الواقعية وهي الأماكن الخيالية . الأماكن الموجودة أصلا و الأماكن التي خلقها الشاعر… ذلك أن الشاعر يبحث عن جماليات خفية بالاشتغال على جمالية القبح و نصب الفخاخ لأكثر الاماكن غرابة و لا منطقية ..الهدف منه بناء فضاءات أخرى مغايرة. و الى جانب هدم المكان يهدم الشاعر أيضا الزمان اذ يكسر مع الزمن الميتافيزيقي فهو له لحظته و يتخذ من المسكوت عنه بوصلة فالشاعر اذ يؤرخ يؤرخ للزمن الهلامي الذي لا تقدر على الامساك به. ( العصر الوسيط/ في عز جنوني / في مخيلتي / في الليل / حين يهاجمني الفراغ… )
و نرى ان الزمن هنا موغل في الماضوية و الحداثية في ٱن معا و في الراهن الواقعي و الخيالي المتوقع معا . فهو زمن هارب من الزمن المقاس المعلوم . كسر الشاعر اذا مع الزمن الموضوعي في اتجاه خلق زمنه الخاص / الذاتي / المغاير / المتفرد / النتمرد …
أما اذا تأملنا لغة القصيد فسنلاحظ أنها مختلفة اذ تتواجز الوظيفة التواصلية التي تعتبر اللغة أداة تبليغ الفكرة الى الوظيفة الجمالية و ذلك بالتعويل على تقنية اللعب بالأفعال( تام – ناقص: عزف – بكى  ) ( صحيح – معتل : جلب- باع ) (ثلاثي-مزيد: قطع- أدار)
و الأزمنة (مضارع -مستقبل: أقطع – سأحلب ) و الصياغات ( البناء للمعلوم -البناء المجهول ) مما يجعل الاسلوب بذلك يخرج عن المعيار الذي لا يتشكل إلا في النص . أما في الإختلاف فان الشاعر جعل اللغة حقلا من الأعشاب الصالحة لدرء صدعات كبيرة ليبدو النص كالمسرح العبثي تصاحبه موسيقى مجنونة ( أعزف بكلاريناتي في …تصاحبني – ايقاع أقدام ..)   يحيل الى الفوضى المرتبة
  و التعتيم الواضح
و الذاتي الجمعي .( أنا -أشباح -متصوفة – أرامل ..) لذلك يجب أن يخلق القارئ نصا موازيا مع نص الكاتب ليصبح النص تبعا لذلك بخير عن كسره للتعاقب و دحره لسلطانه العاتي و اطلاله على ما وراء التعاقب من ثبات و ديمومة .) هو نص يحدث فينا الدهشة
و يدفعنا التفكير لأنه نص لا يقدم الأجوبة بل يطرح الأسئلة  و يدفعنا التفكير مع صاحبه في ايجاد الأجوبة عن أسئلة الذات
و قضايا الوجود وهو ينصت باستمرار الى المهمش و المقصي
و تمنحه امكانيات الوجود المختلف.  فكيف بمكننا أن تجمع بين المتناقضات في نص واحد : ( الموتى – الأحياء / الأرواح – الأجساد / البشر – الأشباح ) هو نص ينصت باستمرار إلى المهمش
و المقصي و يمنحه امكانيات الوجود المختلفة فالشاعر هنا منح لنفسه حق تناول الأشياء اليومية البسيطة و الأقرب إلى الفهم .فهو قد أحد ثم عن ( .اشباح من العصر الوسيط ٫ أقدام الأسلاف’ النتصوفة ‘ أمي ‘ الشجرة للأرامل ‘ الموتى ‘ الأرواح ) و كل هذه المفردات مرتبطة بمعجم تاريخي ثقافي  ديني اجتماعي لكنه ربط معظم هذه الأسماء بصفات تنتمي لمعجم الجنون و الأمراض النفسية أو لمعجم الموت ( مصح الأمراض العقلية – يعانون من الصرع – دون سند  عائلي – تبكي – دموع الأرامل ..) معنى ذلك أن تاريخنا قد مات و ثقافتنا الدينية مصابة بالصرع
و مجتمعنا يتيم فاقد السند يحكمه ثلة من الأشباح من العصر الوسيط مصابون عقليا . نحن اذا في عالم مجنون و مجتمع مريض يحكمه الأشباح (الخرافات ) و الموتى ( الموميات و الشيوخ المرتبطون بالماضي ) فأين الأصحاء و أين الأسوياء
و أين الحكماء و أين المثقفون  ؟ من خلال المراوحة بين ضميري الغائب الجمع هم و المتكلم المفرد أنا يتبين لنا أن لا تواصل بين الهم رمز للٱخر أو الجماعة  بمختلف تفريعاته ( المجتمع ‘ الساسة ..) و الأنا رمز لذات الشاعر أي المبدع و المثقف و الحكيم . فما هي ردة فعل الأنا أمام الهم تتراوح بين الإيجابية ( ايواء – غسل – تهدئة خاطر – عزف – السعي لاسعادهم…) لكن كيف و ما هي الوسيلة ؟ ” اسعاد الموتى بتلميع أرواحهم ” دور المبدع الفنان هنا هو السعي لاسعاد الٱخرين عن طريق محاولة تحريك مشاعرهم بدغدغة أرواحهم بواسطة الفن شعرا أم رسما أم مسرحا أم موسيقى
و غيرها . لأن تلميع الأجساد يؤدي الى تغيير مؤقت فالاجساد قشور أما الأمر الأصح فهو تلميع الأرواح لأنها اللب
و الجوهر و الأساس
و الرحى و قد عول لايصال هذه المقاصد على المفاهيم الثلاثة الٱتية ؛ الإيجاز و الشمولية
و الكثافة .

    إسعاد الموتى بتلميع الأرواح

سأجلب بركانا مريضا على ظهر فهد ..
ثمة مصح سري جوار  بيتي..
تديره أشباح من العصر الوسيط..
***
في عز  جنوني..
أقطع أغصاني المترامية..
أبيعها في مصبات الأنهار..
لمتصوفة يعانون من الصرع..
***
مضطر
لإيواء شجرة عمياء..
تبكي أمام البيت دون
دون سند عائلي.
***
مضطر
لغسل حصاني بدموع الأرمل..
لتهدئة خاطر نيزك ..
يحاول كسر أصابع نافذتي..
نهب جرار مخيلتي..
***

في الليل
أعزف بكلارنيتي ..
في مقبرة مهجورة..
تصاحبني أوركسترا بوم الدوق الكبير..
لإسعاد الموتي المنكسرين..
وتلميع الأرواح..
***

هكذا حين يهاجمني الفراغ
مثل هندي أحمر..
أحدق في صورة أمي..
المقتولة بداء الفالج..
تتكلم عيناها بعمق
ويخشخش البرواز الخشبي..
لذلك أبكي مثل طفل
طيره اعصار الفقد ..
إلى لا مكان .
***
من طبيعتي
الاصغاء إلى ايقاع
أقدام الأسلاف..
في الأماكن المظلمة..
رشق العالم بحجارة
اللامبالاة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading