مقالات نقدية

     نهايات غير منتظرة لفتحي مهذب : قراءة نقدية – عمر عبد العزيز


(النص يتسم بعمق فلسفي يبرز من خلال تركيب صوره الشعرية الغنية، إذ يتناول مواضيع وجودية كالعبثية، الفقد، الصراع الروحي، ومواجهة الفراغ الكوني، مما يجعله قريبًا من بعض أشهر الأعمال الأدبية العالمية التي تعبر عن مشاعر مشابهة..
افتتاحية النص تعلن عن حالة من الفراغ واليأس مع موت “قائد الأوركسترا”، مما يُشير إلى فقدان النظام والتناغم، ليترك “الكراسي” في حالة “بيوتوبيا الفراغ”. تعبر هذه الفقرة عن انقطاع الروابط التي تجمع الحياة، حيث تصبح الأشياء بلا قيمة أو مغزى، والإوزات البيضاء تُركل نحو النسيان، والسهل الساكن يتعرض لصواعق عنيفة.
هذه الصور تتشابه مع مشهد “الأرض اليباب” لتي. إس. إليوت، حيث يتدهور كل شيء، وتسود الفوضى دونما أمل. يمكن أيضًا ربطها بتأملات ألبير كامو حول العبثية في أسطورة سيزيف، حيث يصبح البحث عن المعنى كدوران فارغ بلا غاية.
“لماذا تشتعل نبرات المعزين في الظهيرة؟” و”لماذا يصطفق القمر على ظهر الأسد؟” تعبر عن تساؤلات حول لامعقولية العالم وتناقضاته. هذه الأسئلة تعكس إحساس الكاتب بعبثية الحياة وعدم تناسقها، فالأشياء تتفاعل بطريقة لا منطقية، تاركة الفرد في حالة من الحيرة والارتباك.
هذه العبثية تُذكرنا بمسرحيات صمويل بيكيت، مثل في انتظار جودو، حيث تكون الأسئلة الوجودية بلا إجابات. أيضًا، يشبه هذا الوضع أجواء فرانز كافكا، الذي يجسد في المحاكمة عبثية العالم وعدم قدرة الإنسان على السيطرة على مصيره وسط قواعد غير مفهومة.
صورة “سهام الهندي الأحمر على المصطبة لقنص عصافير النوستالجيا” تجسد محاولة التخلص من الذكريات، وكأن الكاتب يرى الحنين عبئًا ثقيلًا يرغب في التحرر منه، رغم أنه يمثل جزءًا أساسيًا من التجربة الإنسانية.
هذه الصورة تتوافق مع أسلوب مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود، الذي يسعى فيه للإمساك بالذكريات، بينما النص هنا يرفضها ويحاول قنصها. كذلك، نجد تشابهًا مع أعمال جابرييل غارسيا ماركيز، حيث تصبح النوستالجيا عنصرًا ثقيلًا، يقيد الشخصيات في حلقات من الذكريات التي تلاحقهم كالأشباح.
لماذا جاء المطر متأخرا وحيدا باكيا؟” هذه الصورة تتسم بالشاعرية العميقة؛ فالمطر هنا ليس رمزًا للتطهير أو الغسل، بل للمأساة والتأخر، مما يعكس معاناة شخصية تجاه العالم، حيث تصبح الطبيعة حزينة ووحيدة.
هنا نجد أصداءً لأسلوب فريدريش نيتشه في هكذا تكلم زرادشت، حيث يصور المشاعر الإنسانية من خلال الطبيعة والحيوانات. كما يمكن أن نجد تشابهًا مع إشراقات رامبو، حيث تتجاوز الصور المألوف وتنطلق إلى فضاءات فلسفية تعبر عن الألم والوجع الداخليين.
لماذا اختفى الرب دفعة واحدة؟” و”اعتلى كرسيه الأبدي ذئاب اللاهوت”؛ في هذه الفقرة، يسائل النص فكرة الوجود الإلهي والفراغ الروحي في عالم فوضوي. تصوير غياب الله وحلول “ذئاب اللاهوت” يشير إلى استغلال الدين لمآرب دنيوية، مما يترك البشر في فراغ أخلاقي.
هذه التأملات تتلاقى مع أفكار دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف، حيث يشكك في الدين والأخلاق، وأيضًا مع أفكار جان بول سارتر حول الفراغ الوجودي الذي يخلّفه غياب الإله، تاركًا الإنسان وحيدًا في مواجهة العالم.
الفقرة الأخيرة تعيدنا إلى العبارة “انتهى كل شيء”، مؤكدًا على حالة التلاشي والفراغ. تصوير “النسر الذي يخطف لوز المفكر” هو رمز لفقدان الحكمة في هذا العالم، كأنما تجرد الإنسان من عمق تفكيره، وانتهى به الحال بلا سند.
تشبه هذه النهاية رؤية تي. إس. إليوت في “الأرض اليباب”، حيث تتحطم جميع الأحلام والرغبات، وتبقى الفراغات فقط. كما تتماشى مع رؤية بيكيت عن العبثية في الحياة، حيث كل شيء ينتهي دون جواب شافٍ.
يمثل هذا النص توليفة متكاملة من الرمزية والفلسفة، متشابكًا مع أجواء من العبثية واللاجدوى التي تقارب نصوص الأدب العالمي العظيم. من عبثية كافكا وبيكيت، إلى تأملات نيتشه وإليوت، يأخذ النص القارئ في رحلة عبر تناقضات الحياة البشرية، حيث يمضي الإنسان بين ذكرياته وحنينه، صراعاته الروحية والميتافيزيقية، ليصل في النهاية إلى فراغ يعمّ كل شيء.
إنه نص يعبر عن تساؤلات الإنسان الأزلية حول المعنى، في عالم تغيب فيه اليقينيات وتسيطر عليه الفوضى، لكنه يستمر في مقاومة النسيان والعبث عبر الرموز التي تتيح له فهمًا عميقًا لذاته وللعالم المحيط به.

إنتهى كل شيء
قائد الأوركسترا مات رميا بالرصاص..
الكراسي بيوطوبيا الفراغ..
الإوزات البيضاء بركلة النسيان..
الوردة بشوكة لص براقماتي..
السهل النائم بصواعق المزارع..
لماذا تشتعل نبرات المعزين..
في الظهيرة؟..
لماذا يصطفق القمر على ظهر الأسد؟..
ويزأر الغائبون داخل معطفي القطني؟..
الذين فروا بذكريات حلوة ..
مخلفين دموعا تلمع في ألبوم العائلة..
سهام الهندي الأحمر على المصطبة
لقنص عصافير النوستالجيا ..
الذين خلفوا ريش هواجسهم على الكنبة..
– من كسر أغصان راقصة الباليه؟
– فهد سقط من شجرة الموسيقى..
لماذا جاء المطر متأخرا وحيدا باكيا وحزينا..
ناسيا معطفه الذهبي في خزانة الأرملة..
نبيذه السماوي في جرن الأسقف؟..
لماذا إختفى الرب دفعة واحدة؟
لماذا إعتلى كرسيه الأبدي ذئاب اللاهوت؟
من قطع أصابع الملائكة في حقل الأرز ؟..
لماذا بيتنا معتم  لا تزوره غير الأشباح وأرواح الجنود المضطهدين..
خفاش الغابة العجوز..
صحن طائر يغرد فوق شجرة الكاليبتوس..
جني على جواد رمادي؟ ..
كوابيس السنوات الأولى لمياه البداية..
ضوضاء الأبديات العميقة..
إنتهى كل شيء
النسر يخطف لوز المفكر..
النهار يلتهم عكازة الأعمى..
وقبعة الفيلسوف ملآى بزيزان الحداثة ..
والناقد العبثي  يكوي ثيابه القديمة أسفل النص..
إنتهى كل شيء
أخفينا مراكبنا في البهو الرمادي..
أسمالنا في كهف التجربة..
مثل رواد الفضاء
إختلسنا مفاتيح الجاذبية..
جلبنا نجوما ثاقبة..
وانتهت مثل شياه ضريرة
في حديقة الفلكي..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading