4 – الكتابة والمكان..(القنيطرة:-ساحرتي ومعذبتي)!محمد الجلايدي- المغرب

—————————
إهداء: -إلى (شم الهوى).(…)
المكانُ يصنع الكتابة قبل أن تصنع الكتابة المكان! لأنها تحتاج إليه كي تؤسس عالمها، وتخرج إليه لتؤسس تواصلها..انطلاقا من هذا الفهم، كنت دوما أراجع نصوصي، بعد مسافة زمنية معها، لأدرس ركن «المكان» فيها. أحيانا أقوم بالمراجعة بحثا عن أصله، وأحيانا أبحث عن قواسمه مع أمكنة أكبر ينتظم ضمنها، كما ينتظم جزء في كل!
تعدد الأمكنة أجد له المبرر :- فكل مكان زرته وشد أنفاسي إليه جمالا، يبقى كالوشم في ذاكرتي! تعلق الأمر بالأمكنة في بلدي أو في غيره من البلدان القليلة التي زرتها.. لكن سؤال الغلبة في الحضور المكاني ضمن نصوصي، أجد له الجواب في القنيطرة، ولا أجد له المبرر إلا في مخيلتي!
(…)
-أتخيلها دوما في دواخلي أنها بالقدر الذي تسحرني تعذبني في الآن نفسه! فغالبا ما أنظر لها بقلبي، فتأتي (ني)- عبر المخيلة- وأنا في غيهب الغسق، كَأنَّهَا الكَوْكَبُ الدُرِيُّ فِي الأُفُقِ! فَأقول لها: نَوَّرْتِنِي يَا خَيْرَ زَائِرَةٍ، أمَا خَشِيتِ مِنَ الحُرَّاسِ في الطُّرُقِ؟! فَتجيبني بصوت ملائكي فيروزي، وَ دَمْعُ العَين يَسْبِقُهَا: -مَنْ يَرْكَبِ البَحْرَ لا يَخْشَى مِنَ الغَرَقِ.. أطوقها بذراعيَّ وأنا أهمس لها:-إنّي أحِبُّكَ حباً لا نفادَ لهُ، ما دامَ في مهجتي شيءٌ منَ الرمق.. (١) ثم أضيف لها همسا، وأنا أمسك يسرى يدها بيمنى يدي، لما نقف على المشهد النهري عند استدارته وهو يطوق بذراعه الربوة وخيمة الإسمنت السجنية التي في الأعلى:-أحبّك حُبين؛ حبّ الهوى، وحبّا لأنك أهلٌ لذاك. فأما الذي هو حُبّ الهوى: فشُغلي بذكرِكِ عمّا سواك. وأما الذي أنتِ أهلٌ له فكشفُك للحُجب حتى أراك..(٢)والقنيطرة عندما تكشف عنها حجب الطمس الإسمنتي يظهر جمالها الذي يسحرني! فأراه في مشاعر الألفة التي تمنحها بسخاء لساكنتها ولزوارها على حد سواء! فالآتي إليها من بعيد لا يشعر في كنف أحيائها وأزقتها وشوارعها بالغربة والاغتراب! إذ سرعان ما يأنس فيها وبها! فيتحول به الدفء بين أحضانها، إلى حب لها! أما العائد إليها من أبنائها بعد بعاد، أخاله كما لو أنه على «وعد منها منتظر»! عمرها بالقياس مع المدن العريقة في بلدي، كعمر شابة في أبهى حلل النضج! ذاكرتها طرية إذا تحدثتْ لي عن رحلتها التاريخية! وإن فاتها أمر سهوا، يُذكِّرها به جارها سبو:- ذاك الشاهد العارف الحافظ لوثيقة ميلادها، والمطلع على مسار نموها وتطور ها وما آل إليه حالها الذي يشد أنفاسي بالأسى والأسف!!
(…)
سوَّقتْ لها صحافة «الجنرال ليوطي» على أنها «هدية» من فرنسا للبلد، فصرخت مدينتي في وجه «الجنرال» ومن أتى بعده:- «لا، أنا ابنة هذا البلد، ومن حجر وبشر هذا البلد، شيدتني أيادي الجوعى والجباه المتصببة بالعرق..» ثم قاومت جيشه وهي في عمر الصبا.. واستمرت في قول (لا) حتى صارت في فهمي وتمثلي مدينةُ (لاءات)! إذ لم تقف عن رفع (لاءاتها) حتى بعد الاستقلال، بل استمرّت في قول (لا) ضد كل أشكال التبعية التي عاد بها الاستعمار من النافذة، بعد أن غادر مرغما من الباب! فأدت مقابل اختيارها (لا) أثمانا غالية!!
(…)
فكيف أنظر إلى ناس مدينتي، ولا تبصر عيناي احتضان القنيطرة بنباهة منها ل (شم الهوى) ورفضها ل (ميري)؟!
(…)
ف (شم الهوى) بخروجه عن المألوف، جَسَّد أسلوبَ حياةٍ خاص به! كان يرفض رفضا قاطعا مدَّ يده للناس كي يصون كرامته! وكان يركب جنونه ليأخذ ما يعتبره حقا من حقوقه كواحد من ساكنة مدينته التي أحبها! وليوفر لأسرته اللقمة بالكاد، كان يقف أمام مخفر الشرطة ويشرع في الصياح:-« أريد حقي من الكؤوس التي أخذتموها من الباعة ليشتريها مني أمثالي من الناس، واحتفظوا لأنفسكم ب (كؤوس البلاّر)..» ويقصد ما كانت تحتجزه الشرطة من الباعة المتجولين في الشوارع.. يمسكون به، ويلقونه في زنزانة المخفر، ولا يتوقف عن الصراخ، بل يزيد من حدته! ولإسكاته وإبعاده، كانت الشرطة تمده بما يريد، فيحمل سلعته ويعود بها إلى الساحات. ثم يشرع في الصياح من جديد، لكن هذه المرة لجلب المشترين! وكان الناس يشترون منه تعاطفا ومساندة لاحتجاجه المنفلت عن المألوف!!
(…)
أما (ميري) التي ارتمت في أحضان الأمريكان، حين حلوا بمدينتنا إبان حرب الحلفاء ضد النارية، فقد انتهى بها المطاف إلى الانزواء في ركن من ساحات المدينة، لتنام في العراء! بعد أن رحل الأمريكان! فكان الناس في الجوار، يمدونها بما تيسر من ألبسة وغطاء وبعض الأكل أيضا! هناك في ذاك الركن قضت آخر أيام حياتها. وإن شكرت هذا العطف للناس وهي تكلمهم، تخرج من فمها كلمات بها انكسار في اللسان، لا يميز السامع لها بين لغة الأهل ولغة الأمريكان!!
(…)
عمر مدينتنا يفوق مئة عام بسنوات قليلات.. نشأتها ارتبطت بالوجود الاستعماري في بلادنا.. وترتبط تاريخيا على مستوى الإنشاء بقرار من ذاك الجنرال الذي سجل التاريخ على أن اسمه «ليوطي».. وفعلا، لم تكن مدينتنا هبة منه، بل كانت بداعي الضرورة الاستعمارية، التي أملت وجودها بجانب الميناء الذي شيد على ضفة نهر سبو.. وذلك بغاية استغلال ثروات البلاد لإدماجها في النظام الاقتصادي الاستعماري.. فبخلق هذا الميناء النهري تبلور شرط وجود المدينة.. ولما تشكلت كانت بطرفي نقيض:- مركز آية في الجمال المعماري، يقطنه المعمرون والأجانب من مختلف الجنسيات، ومعهم الأعيان من الأهالي.. ومحيط تشكل هو أيضا من طرفين متمايزين: مساكن إسمنتية عتيقة، وأخرى بالضواحي مؤلفة من «النوايل» و«البرارك القصديرية» يقطنها الفقراء الذين هجّرتهم مجاعة سنة 1945، بحثا عن العمل وسبل العيش في حده الأدنى لهم ولأسرهم، وهم يواجهون ثقل الحرب العالمية الثانية عليهم حين تحالفت ضدهم مع شح الأرض والسماء..
(…)
جمال المركز تميز بالتناسق الأنيق معماريا، تعلق الأمر بالمساكن والمنشآت الخدماتية، أو تعلق بالبنية التحتية من شوارع وأزقة.. وكل هذا المعمار، كان وسط الخضرة.. واليوم، لم يبق من كل ذلك سوى أثر قليل! فالأغلب الأعم من هذه المآثر دمرها «وحش الاستثمار في العقار» وعمى الجشع يقوده!! فاقتُلعت أشجار «البلاتان» التي كانت تزين الشوارع، بعد أن عمرت، في أغلبها، ما يفوق الخمسين سنة بكثير! ولم يبق منها إلا القليل!!
(…)
احتج بعض الناس من الساكنة، ورغمه لم تتوقف الجرافات! لأن «العقل الرسمي» المؤتمن على تدبير شؤون المدينة، يابس لا نبات فيه ولا حس الاخضرار يستهويه ، ولا حس جماليا ينبعث فيه من دماغه! بل لا حياة فيه كلا وأجزاء!!
(…)
هذا الطمس المزدوج للمآثر وللمجال الأخضر، حملني في كثير من الأحيان، إلى مراجعة مسألة «الانتساب» للمدينة، لأعيد النظر في فهمي لها، فأقول لنفسي متسائلا معها ومحاججا لها في الآن نفسه:-إذا اخترت الانتماء ل (شم الهوى) ورفض الانتماء ل (ميري)، واخترت الانحياز لهوامش المدينة من دواوير وغيرها، فهل أنحاز لزحف الإسمنت الذي يقوده جشع بليد، أم أنحاز لنصرة المجال الأخضر الذي يبهج المدينة ويمنحها ألقا وجمالا؟ وهل أنحاز للطمس الذي تتعرض له مآثرها، أم أنحاز للدفاع عن ذاكرتها البصرية في عمرانها الذي يشكل جزءا أساسيا من رحلتها التاريخية؟ وهل أنجاز للمشاكسة العذبة من طفل يعدو خلف فراشةٍ في حديقة، أم أنحاز للص الذي استولى إسمنتيا على الحديقة، فسرق من الطفل ذاك مشاكسته العذبة للفراشة؟ ومثل (هل) وألفُ ألفِ (هل) من هذا النوع، وهذا المعنى!! وفي خلاصة مثل هذا النوع من الاستفهام هذا السؤال:- هل أنتمي لدورة الأربعين حراميا ممن يتعاقبون على تدبير شؤون المدينه أم أنتمي للشرفاء منهم إن وجدوا؟
(…)
ولأحسم جوابي فكرت في معنى الانتساب ومعنى الانتماء، لأفرق بينهما على مستوى المدلول الوجداني، فقلت لنفسي في نفسي بالهمس لها كخلاصة للحجاج:- إذا كان الانتساب إلى القنيطرة أمر بسيط تحسمه وثيقة إدارية تسمى بطاقة التعريف الوطنية، فإن الانتماء للمدينة- كالانتماء للوطن- لا تحسمه الوثائق الإدارية، بل يحسمه العطاء بسخاء نظيف وبنزاهة وأخلاق عالية. والعطاء بهذه الصفات لا معنى له إذا لم يخدم ناس المدينة وناس البلد! وعلي بناء عليه، أن أبلور ذلك في السلوك والمسلك وأيضا في «فعل الكتابة».. وغايتي إن خُيِّرت بين الفضلاء والأشرار، سأتبنى ما فاه به أبو غفارا في محاكمة سنة 1992 حين قال للقاضي:« أفضل أن أكون في آخر لائحة الفضلاء في بلدي على أن أكون في مقدمة لائحة الأشرار !»
(…)
وسؤال الانتماء والجواب عنه بهذا المعنى المضموني هو الذي حملني إلى أجواء دوار «الرجا فلله» الذي زال من طوبوغرافيا المدينة، وبقي مرسوما كالوشم في ذاكرتي.. إذ ولما فكرت في الكتابة عنه لاستحضار عمر الطفولة، انزاح بي القلم عن صياغة الأفكار المتعلقة بالتمايز الاجتماعي والعمراني وفي الخدمات، فذاك تحصيل حاصل.. وغار بي قلمي في أعماق العلاقات والتفاعل بين الناس، وتآزرهم، ومشاركة بعضهم البعض مشاعر الفرح ومشاعر الأحزان.. هذا النسيج العلائقي هو الذي صنع جيلا أنا واحد منه! فاحتل الدوار «بطولة مكان» في كتاباتي، واكتسبت العديد من شخصياته صدارة الحضور البطولي في صفحاتي.. لما كان لها من فضل علي وعلى جيلي! فتغير فهمي للمكان وذاكرة المكان، مثلما تغير فهمي لناسه ومحمول عطائهم السخي والنظيف، وهم يترجمون «الانتماء» بدل الاقتصار على الاكتفاء ب «الانتساب» الرافض لفضاء قاسٍ بتمايزه غير العادل!
(…)
وكم كنت معتزا بما كتبته عن هذا الفضاء وناسه! وكم كنت فخورا أيضا، بما أحدثت نصوصي عن الفضاء ذاك والذي لم يعد له وجود؛ من تفاعل إيجابي بين القدامى من أبناء المدينة ممن جايلني!! وهو ما حفزني على جمع نصوص هذا المحور في كتاب سميته:(-أوراق دوار الرجا فلله: بطولة مكان..)
(…)
أما أن أعثر على استشهادات منه في كتاب يؤرخ للرحلة التاريخية لمدينة القنيطرة، من تأليف الأستاذ سعيد البوزيدي، مدرس وباحث في التاريخ بجامعة ابن طفيل المنفتحة على المدينة كمحيط؛ فإن ما عثرت عليه من الاستشهادات تلك في بحثه، كان بالنسبة لي بمثابة الختم من أستاذ للتاريخ، على أن سيرتي الذاتية تلك، ارتقت إلى مستوى شهادات عن تاريخٍ كان ولم يُسجَّل! عن مدينتي:- ساحرتي ومعذبتي!!! (٣)
—————
(١)تناص نثري مع أبيات شعرية في مقدمة قصيدة للسان الدين بن الخطيب، تغنيها فيروز.
(٢)تناص نثري مع أبيات شعر ية لرابعة العدوية.
(٣)سعيد البوزيدي، القنيطرة رحلة تاريخيّة، تقديم ذ حسن آيت بلا- مطابع الرباط نت.





