تلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار

“الأمر مختلف هذه المرّة” قال لنفسه وهو يراقب قُبرة صغيرة تنقر حبوبا وتقترب من قدميه… حرّك القلم بين أصابعه.. لا زالت الورقة أمامه بيضاء، محايدة، رأسه يضج بمشاعر كأنها أفكار لم يجد طريقة لترتيبها… لم يكن يجد صعوبة في الكتابة إليها أو عنها لكن الأمر هذه المرة مختلف، لماذا؟ رغم أنه مقتنع تماما بما يجول في خاطره وبما يريد أن يقول لها.
المقهى ممتلئ، يهرب إليه أبناء المنطقة كل لأسبابه الخاصة.. هو يهرب إلى داخله يحب مراقبة تدفق مياه النهر من مكانه ومراقبة صغار الطيور تلتقط الحب، يشعر بفرح داخلي يغسل أوجاعه، يأتيه كلما امتلأ بالشوق إليها وبرغبة أن يحدث غيابها عنها…
يحب ضجيج المقاهي يسحبه إلى حالة توحد جميلة وإحساس داخلي دافئ كأن ضجيج المقهى يخفف من ثقل وصخب ضجيجه الداخلي… ماذا سيقول لها ولم يقله سابقا.. يخاف أن تسيء به الظن وقد فعلت ذلك أكثر من مرة، لا يرغب في أن تفسر كلامه على أنه صد عنها أو نوع من جفاف في مشاعره… لا شيء يغير أو ينقص من حبه لها سأحبها حتى في موتي سأُرسل لها الأحلام رسائل، كان يحدث نفسه.. سأحبها وأحبها كل يوم أكثر، لكن في صمت بعيد عنها ما دام الأمل ولد ميتا وما دامت غير قادرة على استيعاب أو تحمل حُبٍٍّ يتجاوز المنطق العقلي.
قال: الحب جوهر الحياة هو الروح التي نُفخت في العدم فتحول وجودا، هو كلمة الله الأولى.
ربّما أحسّت بتغير في سلوكه.. الأكيد أنّها شعرت بذلك…
اقتربت منه صاحبة المقهى سحبت كرسيا جلست كعادتها قبالته نهداها يكادان يقفزان إليه، قالت مناكفة بعد أن أبرزت نهديها العاريين أكثر “يشغلانك عن كتابة قصائدك؟ يشتتان ذهنك؟ يخربان نزول الوحي؟ يا لك من نبي منافق كذاب ألم تكتب أجمل قصيدة على هذين النهدين، تعال أعد التجربة، الورق ميّت لا يوحي بشيء وهذان يفيضان حياة وقصائد.. بل هما قصيدتان تعال خذهما.. لم يستطع أن يخفي ابتسامته قال لها “فيهما خلل في الإيقاع و… ” لم تتركه يكمل.. تركته ضاحكة وهي تتمتم بشتائم لا يفهمها غيرهما
عاد إلى أوراقه من جديد، لماذا لا يعرف كيف يبدأ، كيف يقول لها أحبك دون أن يقول لها أحبك… هي كل نساء العالم وكل نساء العالم لسن سوى ظلٍّ لها… كان قد فكّر أن يحدّثها مباشرة لكنّه سرعان ما تخلى عن الفكرة، سوف تتكشف نقطة ضعفه، ضحكتها، يفقد توازنه ويضيع في عوالمها، تسحبه إليها ويضيع منه الكلام والأفكار، يتوحد بتلك الضحكة ينصهر فيها ويصبح بعضا منها وتصبح بعضا منه وكل فرحه… هي سريعة الضحكة وهو سريع الذوبان فيها.
ترك المقهى إلى “حديقة الورود” القريبة، مسافة خمس دقائق… كان كلّما اشتاق إلى حبيبته يذهب إليها في “حديقة الورود”، يحدث طيفها ويشتكي إليه أوجاعه منها… كلما رأى وردة جميلة أو مسّه شذى عطرها شعر بوجودها قربه، يراها، يرى ابتسامتها في تفتح الورود على تـوَيْجاتها وأوراقها، يحدث الورود عنها بصوت مرتفعٍ أحيانا “ملكتكم الجميلة تظلمني، فيها كل رقة العالم وتقسو عليَّ.. يسأل نفسه، لا يرشح عن الورد إلا العطر كيف يرشح عن رقتها وهي أحلى الورود وأجملها ذلك الجفاف القريب من القسوة؟
قال: تلك المرأة الوردة لا تُقطف ولا تحبس في مزهريات، وهو لم يحاول قطفها… لا مكان يسعها ويليق بها سوى حدائق قلبه.
لا شيء في “حديقة الورود” يوحي بغير الجمال… ورود وأزهار بكل الألوان وعصافير تعبر عن حبها وفرحها بغنائها وزقزقتها والرقص بين الأغصان.. مع ذلك، كان في داخله شيء من التوتر، كيف يخبرها بقراره دون أن يفسد ما بينهما من ود هو أجمل ما في حياته.
آمن بالحب الغير مشروط، حب مطلق دون انتظارات ودون شروط، أحبها كما هي روحا وجسدا ومعنى وأملا، أحبها كما هي لا كما تمناها أن تكون ربما لآنها أجمل وأرقى وأنقى مما تمنى… نجح خلال سنوات العلاقة في تحجيم أنانيته والتخلص من بقايا ذكورية شرقية مترسبة، كأنه كان يتحرر من عقد تسكنه ولا يراها… منذ عرفها وأحبها، بدأ يرى نفسه والحياة بروح مختلفة، كانت تخلق فيه رغبة في أن يصبح إنسانًا آخر أكثر صفاء، أكثر تسامحًا، أكثر صدقا مع نفسه، أكثر احتضانا للعالم وأكثر احتفاء بالحياة، وجودها في حياته، جمال روحها جعلاه يرى العالم أكثر رقة وجمالا.
صباح ذلك اليوم، كان واقفا أمام المرآة، لم يتبين ملامح وجهه، كان يفكر في ما يحدث بينهما، يتكرر كل بضعة أشهر كأنه قدرٌ مكتوب، شعر ذلك الصباح بمزيج من الغضب والأسى الجارح، فتح مدونتها التي تدون فيها يومياتها وأشعارها وقصصها، وجد أبياتا من الشعر على رأس الصفحة أهداها لها صديقها الأوفى، كان واضحا من تعليقها على الأبيات سعادتها الغامرة التي تكاد تقفز من بين حروف الكلمات،
تساءل هل هي الغيرة… كتب فيها وعنها أجمل الأشعار والقصائد، سكب روحه في كل كلمة، دواوينه الثلاثة الأخيرة كلّها من أوّل حرفٍ فيها إلى آخر حرف، عنها ومن وحيها… حيّاه أكبر الشعراء والنقاد على ما في قصائده عنها من خصوصية وجمال وتميّز واختلاف وكان يقول ذلك جمالها وتميزها واختلافها وتفرّدها… لم تنشر في مُدونتها من أشعاره عنها ولو سطرا يتيما.. حاول تحويل المرارة التي انتقلت من حلقه إلى روحه إلى منطق يقبل به، أنّه يجب أن يقبل منها كل شيء وكل تصرف فحبه لها حب مطلق غير مشروط بأحاسيسها نحوه وردود فعلها، وجد مخرجه المنطقي كما ظنّ واعتقد في أن غضبه وأساه ليس غيرة، هو استياء من أن قصيد صديقها ضعيف وتافه وأنها تستحق أفضل من كلماته التي لا يمكن حتى اعتبارها شعرا حقيقيا.
هل أقنع نفسه؟ ربّما أو هكذا ظنّ
عاد إلى نفسه شبه راضٍ عن حبه المطلق بدون شروط ولا انتظارات، أمضى أيّاما يرسمها… اكتملت اللوحة، كتب أبياتا تحت صورتها، أبياتا أحس أنها من أجمل شعره في وصف جمالها، شعر بفرح طفولي، الصورة والأبيات كيان واحد؛ لا يمكن الفصل بينهما كأن إحداهما جسد والأخرى روح… بفرح طفولي أرسل لها نسخة الكترونية من اللوحة متأكدا أنها ستنشرها في مدونتها بفرح وبفخر أوّل ما تصلها.
مرت الساعات… الأيام، يتفقد مدونتها على هاتفه كل ساعتين أو ثلاث على الأكثر بأمل يرفض أن يخفت، ستنشرها، ستنشرها….. لكنها لم تفعل، أخبرها أكثر من مرة ايحاءً ثم صراحة أنه يتمنى أن يراها على رأس الصفحة الأولى في مدونتها… لكن اللوحة لم تنشر.
عاد إليه وجعه منها… أعطاها من قلبه ومن روحه… ما أعطاه لم يكن مهمًا عندها بما يكفي.
وماذا عن الحب المطلق الغير مشروط… تساءل… بعد حوار طويل عريض مع نفسه استخدم فيه كل منطقه وكل صراحته توصل إلى أنّه أصل وسبب المشكل ما دام لم يستطع أن يحبها بلا شروط ولا انتظارات…
إذن؟
لن أكتب فيها كلمة بعد الآن لا غزلا ولا غيره، لن أتواصل معها إلا للضرورة… لا رسائل يعني لا انتظارات يعني لا ردود فعل يعني لا وجع لا حزن لا غيرة لا أسى…
سأل نفسه هل سأتوقف عن حبها إذن؟… إلا إذا توقفتُ عن الحياة.
ستدرك هي مع الوقت سر ما قد يبدو جفاء من طرفه.. ذكية وحسّاسة وذات تجربة في الحياة واسعة وعميقة، ترى الصورة الأشمل حتى في التفاصيل الصغيرة…. حتى في الرسائل التي لم تُرسلْ ولم تصلها… الحب الحقيقي لا يحتاج إلى شرح.
عيون بعض رواد “حديقة الورود” تراقبه، لم ينتبه أنه كان يتمتم بصوت مسموع ” يا وحشني رد علّيا ازيّك سلامات” الأغنية التي كان فريد لأطرش يبكي وهو يلحنها.. كلماتها تذكره بأخته اسمهان… لم يستطع أن يغنيها بصوته، يغلبه البكاء كلّما حاول فتركها لمحرم فؤاد… خطر بباله أنه يحب تلك الأغنية وكثيرا ما يردد “يا وحشني رد عليّا” كلّما أبطأت حبيبته في الرد على رسائله.
شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن



