عتبة الفجر: قراءة في هايكو للدكتور محمد عضيمة/تغريد نديم عمران

ديكةٌ تتناوبُ على الصّياح
في ضوء قمرٍ وحيدٍ
فجرَ الثامن والعشرين من تموز
يقوم هذا الهايكو للشاعر الدكتور محمد عضيمة على شبكة من التقابلات الرقيقةالتي تثبّت لحظة عابرة في الذاكرة.
فمنذ السطر الأول نسمع ديكةً تتناوب على الصياح. والتناوب هنا ليس مجرد تكرار للصوت، وإنما توزيع له؛ فكل ديك يسلّم الآخر مهمته، وكأن إعلان الفجر فعلٌ جماعي تتشارك فيه الكائنات.
في المقابل، لا يقابل هذه الكثرة إلا قمرٌ وحيد. فبينما تتعدد الأصوات في الأرض، يبقى الضوء في السماء واحداً. ومن هذا التقابل تنشأ مفارقة جمالية هادئة؛ جماعةٌ تؤذن بانتهاء الليل، في حين يقف آخر شهوده منفرداً قبل أن يغيب.
أما تحديد الزمن بـ «فجر الثامن والعشرين من تموز» فلا يبدو مجرد تأريخ للحظة، بل يمنحها خصوصيتها. فالشاعر لا يكتفي بالإشارة إلى فجر عابر، وإنما يثبت هذا الفجر في يوم محدد، تاركاً للقارئ حرية التساؤل عن سبب هذا الاختيار، دون أن يفرض عليه تفسيراً بعينه.وفي الهايكو عند وجود تاريخ محدد فنحن امام احتمالات ثلاث .
أولها :يوم له ذاكرة عامة .. وهذا غير متوافر في 28 تموز
ثانيها: ان يكون مرتبطاً بذكرى شخصية، أو مناسبة بعينها فيصبح التاريخ استذكاراُ لشعور أو تجربة ما في حياة الهايجن يتواءم أو يتناقض أو يصف ماجرى في ذلك اليوم..
و آخرها أنه مجرد يوم شهد في نظر الشاعر مشهداً استحق أن يُحفظ كما هو.
ما يلفت في هذا الهايكو العلاقات التي تنشأ بين مكوناته: تعدد الديكة، وحدة القمر، ودقة التاريخ. فمن اجتماع هذه العناصر تتشكل لحظة انتقال هادئة بين الليل والصباح
في النهاية، لا يقدّم هذا الهايكو مشهداً للفجر بقدر ما يتركنا نقف على عتبته. فالأصوات تتعاقب في الأرض، والقمر يواصل وحدته في السماء، والزمن يثبت نفسه في تاريخ لا يشبه سواه. وما إن تنتهي الأسطر الثلاثة حتى يبقى صدى الصياح عالقاً في الأذن، ويظل ضوء القمر ماثلاً في العين، كأن الفجر جاء ليحفظ تلك اللحظة الفاصلة بين عالمين؛ لحظة قصيرة في الزمن، لكنها واسعة في التأمل.



