ديانة الحكمة/ حميد المصباحي – المغرب

هل ديانة الحكمة فلسفة أم دين تفلسف، وهل يحتمل الدين أن يتحول إلى فلسفة أو تصير الفلسفة دينا؟؟
لا فلسفة في الديانة ما دامت تصر على قداسة مصدرها اعتمادا على وحي سابق على كل تفكير بشري ومؤطر له، يرسم حدوده فيصير المضيف قديسا بعد أن سبقه الرسل، فوجد نفسه تلميذا لهم، يضيف شارحا ومفسرا بدعم من روح القدس أو الصحبة والبركة التي خصصت له، حتى لا يقع في الضلال.
في السياسة كقوة ضرورية ناصرة للحق، يسمى خليفة أو إماما، عاصما للأمة من الزلل، بفقهه وعلمه أو دعم رجال الدين له، ناصحين أو موجهين وأحيانا آمرين.
هنا يبدو المجتمع خاضعا لنصوص فسرت أو أولت تأويلا نال إجماع الأمة التي ناب عليها علماء الدين، فصارت ملزمة بما رأوه دينا أو تفسيرا له، وكل رافض لما إليه ذهبوا، يعتبر ماسا بوحدة الأمة وضالا عن الحق وربما كافرا أو فاسقا، وجبت مقاومته وإن لم يتب، اعتبر مرتدا حق قتله أو نفيه أو طرده خارج الجماعة في السجون أو المنافي.
في هذه الصيغ من الدين، من المستحيل الحديث عن الفلسفة، فهذه ليست أخلاقها مهما بدا من تسامح تجاه المختلفين والرافضين، فلا فلسفة بدون اعتبار الحق غاية يصلها العقل بالمفكرين والمتأملين، المتحررين مما اعتقده السابقون.
الفلسفة تحاور، تنتقد منصتة لحجج الخصوم وهم ليسوا أعداء، بل محاورون باحثون عن الفهم أو الاقتناع بما اختلف عن معرفتهم أو قيمهم، والدين واعظ، مقوم لما عداه بفكر لا ينتجه المحاور، بل يشرحه أو يبسطه لأعداء، يعدهم جزاء إن قبلوا، ويخزيهم عذابا إن رفضوا.
لكن في الديانات درجات متفاوتة من التسامح، ففيها ما يدعو لك بالهداية، ما يدعو عليك باللعنة والخزي والعار، وآخر لا يعنيه الانتماء إليه، بل أن تخضع له وتقبل أن يكون لك سيدا وهاديا وقائدا.
هذه حالة الديانات الإبراهيمية الثلاث، مسيحية إسلام ويهودية، ففيها المنفتح على العالم تسامحا وقبولا لغيره رغم نقده الحاد لها كالمسيحية، لكنها ترفض العنف ضد خصومها سلوكا وكتابة، والشبه منغلق، ففي الإسلام لا تقبل أية ترجمة للقرآن، وتظل ناقصة لأن الأصل عربي، لكن الإسلام قابل بكل الأجناس بدون الاعتراف بمزية العروبة لسانا على الأقل وأحيانا عرقا وقبيلة، أما اليهودية فتجاوزت اللسان، لكنها تعتبر نفسها ديانة لليهود بما هم قبائل الأولين السابقين من العبرانيين، غير الكنعانيين وإن كان أحبارها المعاصرون، يبذلون مجهودا لتجاوز ذلك.
لهذه الديانات طقوسها، عبارة عن شكر بتقدير خلاص التابعين للرب وامتنانهم، كالصلاة والصوم في شكل فردي أو جماعي، مما يجعل منها، ديانة تعبدية، لكن أيضا لها أخلاق بها تجزى، منظمة لعلاقة أتباعها بمن معهم ومن خالفهم.
الفلسفة لها طقس واحد لا جزاء عليه، هو التأمل من أجل التفكير والتساؤل، لكنها ليست ضد العبادات ولا الطقوس، وتعتبر ذلك شأنا شخصيا، لا تحض عليه ولا تحرض عليه، لأنها لا تعد بأي خلاص ولا تتوعد أحدا بعذاب أو عقوبات، وأخلاقها قائمة على القبول بما تفرضه الفضيلة، تجاه الذات والغير، مهما اختلفت غيريته وتجذرت في اختلافها بدون كره أو عنف.
فأية ديانة تقيم نسقها على القبول المطلق بغيرها وإن خالفها جذريا؟؟
1 البوذية:
بوذا تعني المستنير، الناشد للحقيقة التي تنكشف بنور، لا لتعادي، بل لتنتزع البشر من غياهب ظلمتهم التي اعتادوها تربية وثقة في وسطاء حملوهم على اعتقاد لم يجربوا روحيته، بل حكيت لهم فأرغموا على تصديقها بسلطة الجماعة.
من هنا كانت معركتها منذ البداية مع الهندوسية، التي سطرت لنفيها وجودا قابلا بما وجد عليه الأفراد، فطبعوا مع وضعهم إيمانا بدورة حياة عليهم هم تطهير أنفسهم بقهر الأجساد.
الأجساد التي من خلالها تحجب الرغبات الناس عن مسعاهم الروحي، الذي لا يتقوى بدون قهر الجسد والمبالغة في ذلك، حد انهياره، بأكل الضروري للاستمرار في الحياة.
عاش بوذا هذه التجربة بعد أن فر من رفاهية الأمراء وعزل حتى لا يرى بؤس الناس والعالم، لكنه تنكر في لباس البسطاء وتمرد ليصادف المرضى والشيوخ وحتى الأموات، ليدرك هشاشة الكائن وخوفه من نهاية تؤرقه، فأراد طلب الاستنارة بإضعاف الجسد لتتجلى الروح له بحضورها وحتى خلودها وربما انتقالها إلى شكل آخر بشري أو متعالي، ولما أغمي عليه، أنقذه تلامذته وسقوه ثم أطعموه.
كانت هذه التجربة كفيلة بأن تضع تصورا حكميا للخلاص الذي لن يكون إلا بمعرفة الروح البشري وعدم إلحاقه بأية قوة أخرى خارجه، فهو ذاك المتعالي بتدريب الجسد وليس إلغائه، بدون ادعاء ترويضه أو قهره، فخفته تكمن فيه وليس في غيابه، وكل وسائل تحقيق ذلك ممكنة بتأمل عام، قابل بكل ديانة تقود إليه ومهما كانت طقوسها وحتى أحلام أفرادها، شريطة ألا تسئ للفضيلة أو تحجب نورها عن النفس أو غيرها.
هنا الطموح البوذي كان واضحا، جعل الروح تفكر أو تلهم الفكر لينقاد لها متعاليا بالفضيلة عن كل الشرور، تلك الحاجبة لحقيقة الخير، الذي يعتبر مشتركا، وهنا الغرابة، في كل الديانات والقيم التي اعتاد بها الإنسان على تصوير الخير لهذه الديانة دون غيرها، بل إنها لا تعانق الحقيقة إلا بكرهها لكل ما عليها اختلف.
هنا الفلسفة تجلت، بما هي معرفة ذات لا تكتمل إلا بمعرفة الغير المشارك في الفضيلة تجريدا وإن تاه عنها، فالمعرفة هي أصل الخير وكل معرفة تحرض على الشرور، ليست إلا أوهاما ومبررات للعدوان وحتى الطغيان.
قد يقال وما مكانة معرفة العالم والطبيعة؟
هي نفسها مرشد عندما يتم الإنصات إليها في هدوئها ومسارها المتناغم مع الحياة وإن بدت في قسوتها قاتلة، والناس لا يرون إلا غضبها النادر ما يحدث، لأنها عودتها العطاء، وعندما تأخذ منهم شيئا يغضبون وكأنها وجدت من أجلهم وحدهم، ولكي تذكرهم بوهمهم، تقسو أحيانا عليهم، بما يدفعهم لضرورة فهمها والتناغم معها احتراما وتقديرا لما تهبهم وما تسلبهم وفق قواعد عليهم أن يدركوها ويتعايشوا معها منصتين لا غاضبين، فهي فيهم حاضرة أكثر من حضورهم فيها.
سيرة الكاتب: حميد المصباحي
المغرب، أستاذ فلسفة، نشر كتبا عديدة، في الأدب:
خمسة روايات :
*غرف الموت:1997 دار أدامس اكرافيك للنشر
* إعدام ميت 2003:افريقيا الشرق لبنان
*ضفاف الموت موت المجنون 2011 افريقيا الشرق
*رحل بعد عودته2018 دار نشر الفاصلة طنجة المغرب.
* عاهرة في الوفد الرسمي دار نشر الفاصلة 2023
في مجال الفكر:
* السلطة السياسية: بين التقليد والتحديث( مقاربة حول الدين والعلمانية والديمقراطية) دار إديسيو بلوس 2022.
_ الوحي والقرآن. دار نشر المقدمة- تونس 2023
_ مساهمات بمجلات:
– نوافذ المغربية.
– مجلة الجديد المصرية. لندن
– مجلة فكر
مجلة فن السرد
– مجلة العربي.
– طنجة الأدبية
مساهمات بجرائد:
– صحيفة العرب اللندنية.
– أنوال المغربية، المنعطف، الأيام، القدس العربي، المرحلة، الأنوار، الأحداث المغربية، المساء المغربية، الاتحاد الاشتراكي.
** عضو اتحاد كتاب المغرب منذ عقد من الزمن، مهتم بالقضايا الفكرية أهمها البعد الفلسفي في التراث العربي الإسلامي وكيفية المساهمة في الإصلاح الديني.
ساهم في ندوات ولقاءات وطنية حول:
الديمقراطية والتشاركية والمجتمع المدني في العالم الثالث.
حميد المصباحي.hamid69elmes@gmail.com



