الضمير: العين التي لا تنام … حيدر كاظم الحسيناوي

لا أتحدث عن الضمير النحوي الذي يتصل تارةً وينقطع تارةً أخرى، ولا عن الضمير المجازي الذي يستحضره الكلام للزينة أو التعبير. إنما أتحدث عن الضمير الحاضر، الساكن، اليقظ: آلة التنبيه والتعذيب داخل الإنسان، ذلك الصوت الخفي الذي لا يُرى ولا يُمسّ، لكنه يوقظنا حيناً ويحرقنا حيناً آخر.
لسنا نعرف الضمير بمنظور مادي، فهو لم يكن يوماً عضواً في الجسد، وإنما هو طاقة أخلاقية تسكن الأعماق، ترفع صاحبها أحياناً إلى عالم ملكوتي، وتُعيده أحياناً أخرى إلى عالم سفلي، بحسب ما يصدر عنه من أفعال ومواقف.
ماهية الضمير: الصراع الداخلي والارتجافة الخفية
الضمير ليس مجرد شعور عابر بالذنب، بل هو صراع داخلي دائم بين ما نعرفه حقاً وما نرغب فيه لأنفسنا. إنه الميزان الذي يهتز داخل الإنسان كلما تعارضت القناعة مع المصلحة. ولهذا، فالضمير ليس راحة، بل قلقٌ مقيم؛ ليس نعمة مطلقة ولا نقمة خالصة، وإنما ضرورة إنسانية تحفظ توازن الكائن بين سقوطه ونهوضه.
موقف إنساني حيّ
فالضمير الحقيقي يظهر حين ترى طفلاً جائعاً على الرصيف، يقف أمام واجهة متجر، يحدّق في قطعة خبز كما يحدّق العطشان في الماء. لم يمد يده، لكن عينيه كانت تقول ما لا تقوله الكلمات. في تلك اللحظة، شعرت أن الضمير ليس فكرة نتحدث عنها، بل ارتجافة خفية في القلب، تحركت معها يدي دون تفكير، وكان ذلك بمثابة اختبار صامت لنقاء ضميري.
فالضمير ليس فكرة تسكن الرأس، بل دفء يسري في الروح حين تمتد اليد لتمد جسراً بينك وبين من حولك. بهذا المعنى، يصبح الضمير حلقة وصل بين الفرد والعالم، كما أشار القرآن الكريم: “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13).
الضمير بين الفطرة والتشكيل
إذا تأملنا في أصل هذا الضمير، نجده يولد مع الإنسان كجزء من فطرته السليمة. أليس في الحديث النبوي الشريف: “كل مولود يولد على الفطرة”؟ فهذه الفطرة هي البوصلة الداخلية التي تميز الخير من الشر قبل أن يتعلم الإنسان أسماءهما.
لكن الضمير كالفطرة، لا يبقى نقياً ما لم ترعاه بيئة صالحة. فالأسرة أول من يصقل هذا الضمير أو يشوهه، حين تغرس في الطفل معاني الصدق والأمانة أو تتركه فريسة للكذب والخداع. ثم يأتي دور المجتمع بمؤسساته التعليمية والإعلامية، إما ليرسخ في الإنسان ذلك الصوت الداخلي الناصح، وإما ليخدره بضجيج المصالح الزائفة والقيم المقلوبة.
وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة حين قال تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” (الشمس: 7-8).
هل يموت الضمير؟
الضمير لا يموت دفعة واحدة، بل يُرهَق. تتراكم فوقه الذنوب، وتثقل عليه التبريرات، حتى يصبح صوته همساً، ثم صمتاً.
وقد يأتي إرهاقه من موت الإحساس بالآخرين: حين ترى الألم مراراً فتتعود عيناك، وحين يغيب الطفل الجائع من مشهدك اليومي فتحسب ذلك طبيعة الحياة. يُطفأ الضمير تدريجياً كلما برّر الإنسان الخطأ، وسوّغ الظلم باسم الضرورة، واعتاد القبح حتى صار طبيعياً.
الضمير كميزان ونور
الضمير ميزان يقيس به الإنسان خطاه، ونور داخلي يستضيء به في عتمة الخيارات. وإذا انطفأ هذا النور، لم يعد الإنسان إنساناً بالمعنى الكامل، كما جاء في سورة النور: “وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ” (النور: 40).
النور الحقيقي ليس بصيرة تعقل بها الأمور فحسب، بل ضمير يهديك إلى الخير حتى في غياب الرقيب. فالضمير ليس رفاهية، بل شرط الوجود الإنساني الكامل.
الإنسان بلا ضمير والإنسان بالضمير
الإنسان بلا ضمير ليس وحشاً، بل هو إنسان اعتاد ألا يسمع. اعتاد أن يمر على الألم دون أن يتوقف، وعلى الظلم دون أن يرتجف. إنه الإنسان الذي أطفأ مصباحه الداخلي بيديه، ظناً منه أن العتمة أريح للعينين. بل هو كائن وظيفي يتحرك كالآلة، لا فرق عنده بين الحجر والإنسان. وقد وصف القرآن حال هؤلاء بقوله: “أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” (الأعراف: 179).
أما الإنسان الذي يملك ضميراً، فليس ملاكاً، بل هو إنسان يخطئ ويتألم، ويظلم ويخجل. لكنه يظل قادراً على الشعور، قادراً على البكاء أمام الألم. إنه إنسان لا يزال في داخله صوت يعاتبه، وعين لا تنام.
غذاء الضمير ومسكنه
يتغذى الضمير على الصدق مع النفس والاعتراف بالخطأ والإحساس بآلام الآخرين. ويضعف حين نعتاد التبرير ونقدّس المصلحة ونسخر من القيم.
وهو لا يسكن في الرأس وحده ولا في القلب وحده، بل في المسافة بينهما؛ في تلك المنطقة الهشّة التي يلتقي فيها الفكر بالشعور. يكبر حين نكبر إنسانيًا، ويصغر حين نصغر أخلاقيًا. وهو لا يغيب حين نخطئ، بل حين نتوقف عن الإحساس بالخطأ.
خاتمة
الضمير لا يمنع السقوط، لكنه يمنع الاعتياد عليه. لا يمنع الخطأ، لكنه يمنع تبريره. لا يمنع الظلم أحياناً، لكنه يمنع تسميته عدلاً.
الخطر الحقيقي ليس أن نخطئ، بل أن نفقد القدرة على الشعور بأننا أخطأنا. ليس أن نرى طفلاً جائعاً ولا نطعمه فحسب، بل أن نراه مراراً حتى يصبح مشهد الجوع عادياً لا يحرك فينا شيئاً.
هناك يبدأ موت الإنسان… لا جسدياً، بل أخلاقياً. هناك يسقط الضمير، ليس لأنه قُتل، بل لأنه تُرك ينام حتى نسي كيف يستيقظ. وإذا استيقظ الضمير في قلب واحد، قد يبدأ النهار مجددًا لأمة كاملة.





