في العالم الرائع المحتدم:أندري بلاتونوف/ترجمة أبو بكر يوسف
٥
في الصيف التالي اجتزت امتحان القيادة، وأصبحت أقود بنفسي قاطرة من طراز «سو» في خط الركاب المحلي. وفي كل مرة تقريبًا عندما كنت أصل القاطرة بالعربات الواقفة عند رصيف المحطة، كنت أرى مالتسيف جالسًا على دكة مطلية. كان يجلس معتمدًا بيده على عصى يضعها بين ساقيه، مديرًا وجهه الشغوف المرهف، بعينيه الخاويتين العمياوين، صوب القاطرة، ويستنشق بنهم رائحة السُّخام وزيوت التشحيم، ويصغي بانتباه إلى الإيقاع المنتظم لمضخة البخار. لم يكن عندي ما أسرِّي به عنه، فكنت أرحل ويبقى هو.
ومضت أيام الصيف وأنا أعمل على القاطرة، وأرى مالتسيف كثيرًا، لا على رصيف المحطة فحسب، بل كنت ألقاه في الشارع وهو يسير ببطء متلمسًا طريقه بعصاه. هزل وشاخ خلال الآونة الأخيرة. وكان يعيش في بُحبوحة، فقد تقرر له معاش، كما كانت زوجته تعمل ولم يكن لديهما أطفال، ولكن الوحشة ومصير الخمول الذي كُتِبَ عليه كانا يعذبانه، فهزل بدنه من الشقاء المتصل. وتحدثت إليه أحيانًا، ولكني رأيت أنه كان يضجر من الحديث عن الشئون التافهة، ومن القناعة بتعزيتي المجاملة له بأن الأعمى هو أيضًا شخص كامل الأهلية والكفاءة.
فكان يقول لي بعد أن يسمع كلماتي الطيبة: ابتعد!
وكنت أنا أيضًا شخصًا غضوبًا، وذات مرة، عندما أمرني كالعادة بالابتعاد عنه، قلت له: غدًا في العاشرة والنصف سأقود القطار، فإذا تعهدتَ بأن تجلس هادئًا فسآخذك معي في القاطرة.
فوافق مالتسيف.
– حسنًا … سأكون هادئًا … ضع في يدي شيئًا ما هناك، دعني أمسك بعاكس الحركة، ولن أحركه.
فأكدت عليه: لن تحركه! ولو حركته فسأضع في يدك قطعة فحم، ولن آخذك بعدها معي أبدًا.
صمت الأعمى … كان في غاية الشوق إلى العودة من جديد إلى الآلة، لدرجة أنه استسلم لي.
وفي اليوم التالي دعوته من جلسته على الدكة المطلية إلى ركوب القاطرة، ونزلت لملاقاته لكي أساعده على الصعود إلى القمرة.
وبعد أن تحركنا أجلست ألكسندر فاسيليفتش في مكاني، ووضعت إحدى يديه على عاكس الحركة، والأخرى على الفرملة الأوتوماتيكية، ووضعت يديَّ فوق يديه، ورحت أقود القاطرة بيدي كما ينبغي، وكانت يداه أيضًا تقودان. جلس مالتسيف في صمت وطاعة مستمتعًا بحركة الآلة، وبالهواء اللافح للوجه، وبالعمل. وركز انتباهه ناسيًا شقاءه كأعمى، وأضاء نور الفرحة الوادعة الوجه المعذب لهذا الرجل الذي كان الإحساس بالآلة بالنسبة له نعيمًا.
وفي طريق العودة رجعنا بنفس الطريقة؛ جلس مالتسيف مكان السائق، ووقفت أنا بجواره مائلًا نحوه ويداي فوق يديه. وأجاد مالتسيف العمل بهذه الطريقة إلى درجة أنه كان يكفي مجرد ضغطة خفيفة مني على يده ليدرك بالضبط ما أريده. كان الأسطى السابق الفذ يسعى إلى أن يتفوق على عجزه عن الرؤية، وإلى إدراك الدنيا بوسائل أخرى لكي يعمل ويبرر وجوده.
وفي القطاعات الهادئة كنت أبتعد عن مالتسيف تمامًا وأراقب الطريق من ناحية مساعد السائق.
كنا قد بلغنا مشارف تولوبييف، وكانت رحلتنا على وشك أن تنتهي بسلام، وحسب الموعد المحدد. ولكن في القطاع الأخير كان السيمافور يشعل لنا ضوءه الأصفر. ولم أشأ أن أهدئ السرعة قبل الأوان، فمضيت بالقاطرة نحو السيمافور دون أن أغلق البخار. وكان مالتسيف جالسًا في هدوء، واضعًا يده اليسرى على عاكس الحركة. ونظرت إلى معلمي بأمل دفين.
وإذا بمالتسيف يقول لي: أغلق البخار!
ولكني لزمت الصمت وقلبي يضطرب انفعالًا.
عندئذ نهض مالتسيف من مكانه، ومد يده إلى المنظم وأغلق البخار.
وقال وهو يشد ذراع الفرامل نحوه: أرى الضوء الأصفر.
فقلت له: ربما كنت تتخيل فحسب، مرة أخرى، أنك ترى الضوء!
فأدار نحوي وجهه وأجهش بالبكاء … فأسرعت إليه وقبلته.
قُد الآلة إلى النهاية يا ألكسندر فاسيليفتش، فأنت الآن ترى الدنيا كلها!
وقاد القاطرة حتى تولوبييف دون مساعدتي. وبعد العمل ذهبت مع مالتسيف إلى شقته، وجلسنا معًا هناك طول المساء والليل كله.
كنت أخشى أن أتركه وحده، وكأنه ابني الحبيب، دون حماية من فعل القوى المفاجئة والمعادية في عالمنا الرائع والمحتدم.



